Menu

الحربُ في أوكرانيا وصراع القيم ما بين فوكوياما ودوغين

د. عصام حجاوي

للوهلة الأولى عندما دخلت القوّات الروسيّة لأوكرانيا في العام الماضي؛ كانت الأمور تبدو وكأنّها حربٌ محدودة؛ لحلّ نزاعٍ محدودٍ على مناطق دونتسكلوغانسك المتنازع عليهما، ما بين عملاقٍ عسكريٍّ ورث ترسانة الاتّحاد السوفياتي ودولة صغيره، لن تصمد كثيرًا أمام الآلة العسكريّة لروسيا الجديدة بزعامة فلاديمير بوتين.

ولكن بعد أن استمرّت الحرب لأكثر من عامٍ وما زالت، واتّضحت معالم التحالفات والأطراف المنخرطة مباشرةً أو غير مباشرةٍ في تلك الحرب، كان لا بدّ من فهم جذور وأسباب ذلك الصراع؛ بعيدًا عن النزعات التحليليّة المبسطة والانبهار بأحداث اللحظة، وخاصّةً في جانبها العمليّاتي العسكري.

هناك حقيقةٌ تاريخيّةٌ يحاول أغلب المعنيون بما يحدث في أوكرانيا تجاهلها ويتناسون أو يجهلون حقيقة أن جذور الإمبراطوريّة الروسيّة قد نشأت أصلًا في كييف عاصمة أوكرانيا الحديثة، قبل أن تتمدّد وتستقرّ في موسكو في القرن الرابع عشر، وما تلا ذلك من توحيد للإمارات السلافية في القرن السابع عشر بقيادة إيفان الرابع؛ أول قيصر لروسيا. ثم تلا ذلك في القرن السابع والثامن عشر سيطرة عائلة رومانوف وقيصرها بطرس الأكبر على الحكم فيها، الذي توسّعت إمبراطوريته بعاصمتها الجديدة سان بطرسبرغ، وترسخت قيمها الأرثوذكسية وعرقها السلافي وفكرها المحافظ؛ قيمًا راسخةً قامت عليها الإمبراطورية في حينه، إلى أن انتهت على يد بلاشفة ثورة أكتوبر الاشتراكية عام ١٩١٧ وإنشاء الاتحاد السوفياتي.

أما على الجانب الأوكراني؛ فرغم أن أوكرانيا بقيت ضمن الإمبراطورية الروسية الأولى، ثم لتصبح لاحقًا إحدى الدول المستقلة ضمن اتّحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية بقرار من ستالين، إلا إنها بقيت تحتفظ بنفس الموروثات الثقافية والحضارية المشتركة مع أغلبية سكان روسيا الاشتراكية وروسيا بوتين بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية تسعينات القرن الماضي. وهنا يبرز التساؤل المشروع: عن ماهية الأسباب والمتغيرات التي أفضت في النهاية لدخول جحافل القوات الروسية لأوكرانيا عام ٢٠١٤، وآنيًا منذ العام الماضي؟

إنّ الإجابة على ذلك التساؤل؛ تستدعي استحضار الصراع الحضاري ما بين ثقافتين تتصارعان عالميًّا بإرهاصاتٍ تتعدى حدود المعارك العسكرية في لوغانسكدونتيسك، ووجدت تعبيراتها الواضحة منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي، بما عبر عنه الكاتب الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ وملخصه: أنّ التاريخ بالنسبة له "عبارة عن خطوات التطور التدريجية والشاملة للمجتمعات والمؤسسات البشرية والسياسية والاقتصادية، هذه العملية التاريخية تجد منتهاها في الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق".

أما في الجانب الآخر، فقد قام الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين بصياغة نظريته السياسية الرابعة، التي فحواها:

الاعتراف بقيم المجتمعات الأخرى بعيدًا عن المركزية القيمية الغربية.

القبول بنظامٍ دوليٍّ تعدّديٍّ وأخلاقي.

تجسيد السيادة الجيوسياسية للقوى الأوراسية (روسيا والصين و إيران والهند)، ضد القوى الأطلسية.

العمل على تعزيز ماضي الشعوب وكبح الحداثة وإعادة الفرد المستلب إلى الجماعة وإلى “الروح”، أي الله.

5- تصنيف النزعة الإمبراطورية المعاصرة إلى صنفين: هما الإمبراطورية السلبية وتجسدها الطموحات الأمريكية ممثلة في العولمة وميثاقها الرأسمالي، والنزعة الإمبراطورية الإسلاميّة وتمثّلها الحركات “الإرهابيّة الدينيّة”، ونزعة إمبراطورية أوروبية، لكنها نزعة مترددة وتفتقد لمنظور إقليمي واضح… أما النوع الثاني فهو الإمبراطورية الإيجابية التي يدعو لها دوغين، وتقوم على الأسس الأربعة سابقة الذكر وتتجسد في “الأوراسية”.

وهكذا ومع اعتماد الإدارات الأمريكية المتعاقبة لأفكار فوكوياما والترويج لها، والاعتماد على قوة السلاح لتعميمها؛ فمن الثابت أن بوتين قد تتبع أفكار صديقه دوغين بحرفيتها في فهمه للصراع مع الغرب الأطلسي وأعد روسيا الجديدة للصدام مع المشروع الغربي الثقافي، الذي أساسه النيوليبرالية السياسية والاقتصاد الحر المتوحش؛ دفاعًا عن القيم - القديمة - لدوغين ومركزية الثقافة والإنسان في أفكاره. وبذلك يمكن فهم ما يحدث في أوكرانيا، التي دجنت واخترقت قيادتها السياسية؛ لتصبح رأس رمح التحالف الأطلسي في محاولة هزيمة روسيا الجديدة المتمسكه بقيمها القديمة، في سياق ذلك الصراع الدائم ما بين قيم وثقافات تتصارع، ليس بأقلام كاتبيها، وإنما بفوهات المدافع والرؤوس النووية؛ إن اقتضت الحاجة. وعليه؛ فإنّ خطوط القتال في أوكرانيا لا يقف على جانبيها قوات روسيا وأوكرانيا فقط، وإنما تحالفات دولية يحاول كل منها فرض قيمه وثقافته، والمؤلم في الموضوع ورغم بعض الإرهاصات الإيجابية؛ أننا باعتبارنا شعبًا عربيًّا ما زلنا نقف على هامش ذلك الصراع العالمي المحتدم، من موقع المتفرج في أحسن الأحوال، ومن موقع الانحياز للفريق الأطلسي؛ ثقافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، في تعارضٍ واضحٍ مع مصالح شعبنا من المحيط للخليج في أسوئها.

إنّ وعي القوى الطليعية العربية لحقائق الصراع الحضاري المحتدم، الذي سيرسم ملامح عصر قادم لا محالة؛ لا يكفي وإن حصل، وإنّما يستلزم وبالضرورة الاتفاق على منهجية عمل وبرنامج اجتماعي واقتصادي قومي؛ ينخرط ثقافيًّا وسياسيًّا في المعركة المحتدمة عالميًّا، وليس انتظار نتائجها فقط قدرًا لا بدّ منه: فهل من مجيب؟!