مع مقدم القرن العشرين، أولت الحركةُ الصهيونيّةُ العملَ في مصر اهتمامًا فائقًا. كانت عجلةُ العمل من أجل تأسيس المشروع، الذي دعا إلى إنشائه "تيودور هرتزل"، قد بدأت في الدوران، بقوّة، وعلى كلّ المستويات، مشمولةً بتعاطفٍ وتأييدٍ واضحين، على المستويين؛ المعنوي والمادي، من المراكز الرأسماليّة والاستعماريّة الكبرى، ومن ثَمَّ، فقد كان طبيعيًّا أن تكون مصر حاضرةً في بؤرة وعي الجماعات وتخطيط الهيئات والنظم والدول المعنية، التي أخذت على عاتقها مهمّة تهيئة الأوضاع لتحقيق هذا الهدف، على مستوى العالم، وفي المنطقة.
كانت مصر هي الدولة الأهم والأكبر في المنطقة، وهي تشكّل، بتاريخها وشعبها وقدراتها، الماديّة والبشريّة، وثقلها وتأثيرها، الفكري والحضاري في الوسط المحيط، أحد أهم العوامل التي يُمكن أن تؤدّي دورًا بارزًا في نجاح المشروع أو إخفاقه، فهي بموقعها الفريد، علي تخوم "الأرض الموعودة"، التي اتّجهت إليها الأنظارُ كي تكونَ موئلًا للدولة الصهيونيّة المُنتظرة، وبوقوعها تحت هيمنة الاحتلال البريطاني، "عرَاب المشروع"، وبسيطرة اليهود والأجانب على مُقدراتها الاقتصادية، وبطبيعة النظام القائم فيها، وبحدود وعي الطبقة الحاكمة، المُسيطرة على عملية صنع القرار بها، شكَلت بيئةً نموذجيّةً يمكن استغلالها لدعم المشروع، والانطلاق منها لإمداده "اللوجيستيكي" بالبشر والمال والسلاح والعتاد والحماية، كما أن يهودها أنفسهم، يمكن أن يشكّلوا "مخزنًا" نموذجيًّا لإعداد العناصر الصهيونيّة المُتحمسة وتدريبها، المُهيئين لخدمة مشروع اغتصاب فلسطين، وإنشاء (الدولة)! بل إنّ أقسامًا من أرض مصر ذاتها، في سيناء والعريش، كانت محلًّا لأطماع الحركة الصهيونيّة، في فترة من الفترات، قبل أن يستقرّ الاختيار لديها، ولدى صُنَّاعها، بالتركيز على فلسطين، لما لها من "حمولات" عقيديّة، ومعنويّة، وتاريخيّة، وثقافيّة، وسياسيّة فريدة، أمكن استخدامها، بمهارةٍ فائقة، للتمويه على الأهداف الحقيقية للمشروع، وعلى غاياته العدوانية الاستعمارية العنصرية الاستيطانية الكريهة، وحتى بعد ذلك ظل حلم "دولة صهيون الكبرى" التي تمتد حتى تطوى وادي النيل، راسخًا في "المخيال" الصهيوني، فقد ذكر "هرتزل" في مُذكراته: بعد أول اجتماعٍ مع دوق بادن الكبير: "كانت رحلتنا مُريحة. فتح "هكلر" خرائط فلسطين التي كانت معه وأخذ يشرح ساعات. يجب أن تكون الحدود الشماليّة الجبال التي تقابل "كبادوكيه"، أما الجنوبية فقنال السويس: وسيكون شعارنا: "فلسطين داود وسليمان"!
سيطرةٌ اقتصاديّةٌ تمهّد لوقوع الاحتلال:
عاش اليهود في مصر منذ أحقاب بعيدة، جزءًا من نسيجها الفريد الذي ضم مسلميها ومسيحييها، في تفاعلٍ إنساني مشهود. وفي حين تعرَّضت التجمُّعات اليهودية في أوروبا، (بشرقها وغربها)، إلى موجاتٍ من الكراهية وأشكال الاضطهاد والمذابح، وجدوا في البلدان العربية والإسلامية ملاذًا آمنًا، مُتسامحًا، تمتعوا فيه بالرعاية والحماية، فتدفقوا إلى دول المنطقة، وخصوصًا مصر، التي مثَّـلت موقعًا جاذبًا فريدًا، منذ اعتلى "محمد علي" سُدة الحكم عام 1805، حيث اتجه إلى الاعتماد على الأجانب، (وكثير منهم كانوا يهودًا)، في تأسيس جهاز دولته، وبناء أسس مُلكه، سعيًا على طريق مشروعه النهضوي الرائد. ومع تعثر هذا المشروع، وتحطيم أسطوله البحري الكبير في موقعة "نفارين"، (20 أكتوبر1827)، أحكمت عليه الدول الأوروبية الحصار حول "الباشا"، وسعت إلى تفكيك احتكاره لتجارة مصر وصناعتها، وفـرضت الـ "Open Door Policy"، (سياسة "الانفتاح الاقتصادي" بالتعبيرات المُعاصرة)، وهو ما عني مزيدًا من تدّفق الأجانب، وانتشارهم، أفقيًا ورأسيًا، في الخلايا والشرايين الاقتصادية والسياسية، الرئيسة، للبلاد.
وهكذا بينما كان عدد اليهود في مصر يُقدَّرون، في عام 1835، بنحو خمسة آلاف نسمة، من مجموع السكان البالغ عددهم نحو مليوني نسمة تقريبًا، ارتفع عددهم بعد عقدٍ واحدٍ من السنين، بمقدار 40%، فبلغوا نحو سبعة آلاف نسمة، ثم قفز عددهم في إحصاءات عام 1897 إلى (25200) نسمة، من مجموع السكان البالغ (9734405) نسمة، وحسب إحصاءات 1947 بلغ عدد اليهود في مصر (64484) نسمة، تركـَـز معظمهم في القاهرة (36155 )، والإسكندرية (25183 )، وانتشر بقيتهـــم في منطقة الدلتا، والملاحظ أنه لم يكن يحمل الجنسية المصرية من هذه الأعداد إلا نحو خمسة آلاف مواطن فقط، فيما آثر الباقون حمل الجنسيات الأجنبية، أو البقاء دون جنسية.
وقد سار خلفاء "محمد علي"، من بعده، على نفس المنوال، وهيأ مناخ التسامح الديني السائد، آنذاك، فضلًا عن فرص الكسب الوفير، وخصوصًا بعد انتعاش زراعة وتجارة القطن المصري، إثر اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية، لتدفق جموع غفيرة من الأجانب، تضاعفت أعدادهم بعد (عام 1858)، عام صدور القانون الذي يسمح لهم بتملُّك الأرض واستثمار أموالهم في مصر، وساعدت الظروف التي تلت وقائع انكسار الثورة العـُرابية، والاحتلال البريطاني العسكري لمصر (عام 1882) على توفير مناخ مواتٍ، سياسيًّا واقتصاديًّا، لهذه النوعية من القادمين، بإقرار تحصينهم بعدم جواز محاكمتهم أمام المحاكم الوطنية، وإنّما من خلال "المحاكم المختلطة" التي أُنشئت لهذا الغرض، وهو ما أدّى إلي إسباغ "الحماية" الأجنبية على الآلاف منهم، (ومن ضمنهم يهود مصريين)، تمتّعوا بميزات الحصول على الجنسية الأجنبية، مع ما كان يعنيه ذلك من مكانة وفرص واسعة للكسب، وامتيازات واستثناءات غير مسبوقة، تذرى أمامها الفرص المتاحة لأبناء الوطن الأصليين!
أغلبية يهودية هامشية و"متفرنجة الطابع":
وعلى الرغم من أن اليهود قد عاشوا في منطقتنا، في أغلب الأوقات، في ظل مناخ من التسامح والمساواة والحرية الدينية، إلا أنه من المُلاحظ، بشكلٍ عام، انفصال اليهود الأشكيناز، والطبقة العليا من اليهود السفارديم، عن القضايا والمعارك الوطنية المصرية؛ إذ ظلت الجماعة اليهودية في مصر، على الرغم من المكاسب الاقتصادية الكبيرة والعوائد الاجتماعية الرفيعة التي تحقّقت لها، وبالإجمال: "هامشية ومتفرنجة الطابع"، في عاداتها وتقاليدها ولغتها واهتماماتها الأساسية، أما أغلبية شرائح الطبقتين: الدنيا والوسطي، من اليهود السفارديم، فقد كانتا الأقرب للاندماج في المجتمع المصري.
من الهيمنة الاقتصادية إلى الاستعمار الاستيطاني:
وتعدّدت آليات السيطرة اليهودية على الأوضاع الاقتصادية المصرية في عهد "محمد علي"، ثم في عهود خلفائه، وأهمها الدور النشط الذي أداه اليهود في الربط بين النشاط المحلي وبين النشاط الدولي لـ "الرأسمال المتروبولي". مع إحكام هيمنتهم على النشاط المالي والتجاري الداخلي، وعبر عمليات التنسيق بين الرأسماليتين المتنافستين، البريطانية والفرنسية، وبلغت السيطرة اليهودية ذروة تأثيرها في الدور الذي أدته في عملية بيع أسهم قناة السويس لإنجلترا، وفي القروض التي منحتها البيوتات المالية اليهودية للخديوي "إسماعيل"، التي شكّلت الحبل الذي تم خنقه، وخنق مصر معه، حتى تم إعلان إفلاسه في 7 أبريل 1876، ثم بصدور "ديكرتو" بتوحيد ديون مصر العامة وديون الدائرة السنية، وإنشاء صندوق الدين، الذي كان بمثابة "فاتحة الاحتلال" لمصر كلها.
ولم يكتفِ الرأسمال اليهودي بهذا الوضع، بل زحف للسيطرة على بورصة الأوراق المالية المعروفة باسم "بورصة العقود"، المُنشأة عام 1868، و"بورصة البضاعة الحاضرة"، المُنشأة عام 1872، وهيمن على عمليات الإقراض للقطاع الزراعي الخاص عبر "البنك العقاري المصري"، المُنشأ عام 1880، و"بنك سوارس" المُنشأ عام 1886، وأنشأت الجماعات المالية اليهودية المرتبطة بالرأسمال البريطاني "البنك الأهلي المصري"، عام 1898، لتمويل المشروعات الخاصة بالتوسُّع الاقتصادي الكولونيالي البريطاني، و"لتحويل مصر، نهائيًّا، إلى مزرعةٍ للأقطان لحساب المتروبول البريطاني، وكانت الأغلبية العظمى من العاملين في البورصة المصري من اليهود، وفي مطالع أربعينات القرن الماضي كان الرأسماليون اليهود يُشاركون في إدارة وتوجيه ثلث الشركات الموجودة بمصر آنذاك (103 شركة من مجموع 308 شركة)، في مقدمتها أغلب شركات التأمين الرئيسة!
الصهيونية تتحرّك:
وهكذا، فمع مقدم القرن العشرين، كانت الظروف جميعها في مصر قد تهيأت لأن ينهض العمل الصهيوني وسط تجمعات اليهود به على قدم وساق!
في مجال العمل التنظيمي: تم تأسيس "جمعية باركوخبا الصهيونية "، أوّلَ جمعيةٍ صهيونية بمصر، عام 1897، بعد عام واحد من صدور كتاب هرتزل "الدولة اليهودية"، ونشط فيها، بشكل رئيس، اليهود الأشكيناز، وعملت على بث الدعاية الصهيونية، ونشرها، وافتتحت فروعًا لها في مدن مصر الكبري، كالإسكندرية وبورسعيد والمنصورة، وأُنشأت عام 1900، مدرسة صهيونية للأطفال، لتعليمهم اللغة العبرية وفق المنهج الصهيوني. ومع مقدم القرن الجديد، وخاصةً في أعقاب إعلان وعد "بلفور"، شهدت مصر تدفُّقًا ملحوظًا ومتنوّعًا في تكوين الجمعيات الصهيونية، ومنها: جمعيات: "أمل صهيون، والأدب العبري، وأحباء صهيون، وأبناء صهيون، وشباب صهيون، وبني صهيون، وزئير صهيون، ولجنة التنسيق الصهيونية، وأبناء صهيون للأمام، واتحاد أطفال صهيون، والدائرة القومية اليهودية، ودائرة هرتزل، والاتحاد الصهيوني، وجمعية مصر للدراسات التاريخية اليهودية، جمعية أصدقاء الجامعة العبرية في القدس "، ... إلخ. ومع احتدام الحرب العالمية الأولى أُنشأت العديد من أشكال دعم المهاجرين اليهود، منها "صندوق إغاثة اليهود في فلسطين" وغيره.
في مجال العمل الدعائي والأيديولوجي: استخدمت الحركة الصهيونية الوسائط الإعلامية المتاحة، وعلى رأسها الصحافة، أفضل استغلال، لحشد الأتباع والأنصار من جهة، وللرد على وجهات النظر والرؤى المضادة، من جهةٍ أخرى، واهتمت الأوساط الصهيونية بالصحف والمجلات الموجّهة بشكلٍ خاص إلى الشباب اليهودي، وقد قدمت الباحثة "سهام نصار" في دراستها عن (الصحافة الإسرائيلية والدعاية الصهيونية في مصر) قائمة تتضمن أسماء 41 جريدةً ومجلةً أصدرت بواسطة عناصر الطائفة اليهودية فيها، (أولها "أبو نظارة"، لـ "يعقوب صنّوع"، وآخرها "الصراحة" التي أسسها "صول مزراحي")، العدد الأغلب منها يصب في خدمة المشروع الصهيوني ويُروّج له، ويدافع عن مستهدفاته، وصادر من هيئات ومؤسسات صهيونية صريحة، مثل جمعية "باركوخبا" وأمثالها، أو باسم أفراد ينتمون للدعوة الصهيونية، ويتحمسون لنشرها والترويج لها، وتجنيد الأنصار لصفوفها. وحتى حينما دفعت التباينات التكتيكية، بين الاتجاهات الصهيونية، إلى انشقاق جناح "زئيف جابوتنسكي"، (المتطرّف)، مُكوّنًا "المنظمة الصهيونية الجديدة"، هيئةً تعمل تحت سيطرة "حزب التصحيحيين"، كان هذا الجناح حريصًا على الوجود النشط في مصر، فأسس فرعًا لها في القاهرة، عام 1935، وآخر بالإسكندرية، في العام التالي.
وفي مجال التدريب والعمل العسكري: طرح "زئيف جابوتنسكي" مُبكرًا فكرة "العمل العسكري اليهودي"، باعتباره الوسيلة الرئيسية لبناء الدولة الصهيونية المنشودة، ومن أجل تنفيذ هذه الغاية قدّم إلي الإسكندرية في أكتوبر 1914، حيث عمل على إنشاء "قوة بوليس" من يهود المدينة، تحت زعم حفظ النظام بين المهاجرين اليهود، الذين تدفّقوا عليها هربًا من ويلات الحرب العالمية الأولي، كما طرح فكرة تكوين "الفيلق اليهودي" على القيادة العسكرية البريطانية، لمساندتها في الحرب من جهة، ولتدريب الشباب اليهودي على العمل العسكري المتقدم من جهةٍ أخرى، ونجحت جهود هذا التيار في الحصول على الموافقة البريطانية على تكوين فرقةٍ يهوديّةٍ تحت اسم "فرقة البغال الصهيونية"، "Zion Mule Corps"، التي استعرضت صفوفها يوم 23 من مارس 1915 في معسكر القباري بالإسكندرية، بوجود"حاييم ناحوم" الحاخام الأكبر في مصر، الذي ألقى كلمته فيهم، مُحتفيًا بهم، ومُشبّهًا إياهم بـ "جنود موسي الذين خرجوا معه من مصر"!
ومع تطور الحرب الأولى وافقت بريطانيا على تكوين "الكتيبة 38" اليهودية، التي أُرسلت إلى مصر لاستكمال تدريباتها في فبراير 1918، وبعدها "الكتيبة 39"، التي وصلت مصر في أبريل 1918، ثم أنشئ في كل من القاهرة والإسكندرية مكاتب لتجنيد اليهود، ومن يهود مصر وفلسطين تشكلت "الكتيبة 40"، التي التحقت بالجيش البريطاني في فلسطين، تحت اسم "فرقة المُشاه الملكية".
ومع مقدم نذر الحرب العالمية الثانية كانت مصر تموج بالحركة، وانتشرت قطاعات جنود "الحلفاء"، وبينهم الكثير من الصهاينة، للعمل وسط شباب الطائفة، من أجل نشر الدعاية الصهيونية، ولجمع التبرعات وتجنيد الأنصار، ونشط جهاز مخابرات "الهاجاناه"، "علياه بيت"، لبناء شبكة تهريب المهاجرين الصهاينة، عبر مصر، إلى فلسطين، ولم تنقطع "زيارات" قادة الحركة الصهيونية الكبار إلى القاهرة والإسكندرية: ناحوم سولوكوف، حاييم وايزمان، ماير ديزنجوف، جروسمان، إسرائيل سيف، بن جوريون، إسحق بن زفي، إلياهو ساسون... وغيرهم.
كما تحركت المنظمات الصهيونية، وعلى رأسها "الهاجاناه"، بقوة، في أرجاء مصر مع اقتراب موعد إعلان الدولة الصهيونية، وأنشأت منظمة "شتيرن" الإرهابية "تنظيمًا مُتكاملًا" في مصر، نَفَّذَ العديد من العمليات الإرهابية في القاهرة والإسكندرية وفي المعسكرات البريطانية، ومنها: اغتيال "اللورد موين"، مسؤول السياسة البريطانية في الشرق الأوسط، في حي الزمالك، يوم 6 نوفمبر 1944، للضغط علي قوات الانتداب البريطاني في فلسطين من أجل الإسراع بتأسيس الدولة الإسرائيلية، وكذلك محاولة نسف مؤتمر الجامعة العربية، وتهريب الأسلحة والذخائر إلي فلسطين... إلخ.
واستخدمت الحركة الصهيونية الهيمنة الاقتصادية اليهودية، المُشار إليها آنفًا، في جذب نفر من الساسة المصريين المتنفذين، ومنهم رؤساء الوزارات المصرية الذين جيئ بهم مع حكومات الأقليّة القمعيّة، الموالية للقصر والاحتلال، في عهود الانقلابات الدستورية، مثل "أحمد زيور باشا"، و"إسماعيل صدقي باشا" رجل اتحاد الصناعات القوي، و"علي ماهر باشا"، ومحمود فهمي النقراشي باشا" (الذي أمر بحل "الرابطة الإسرائيلية لمكافحة الصهيونية" وحبس مؤسسيها من اليهود المصريين، فيما كان يتم التغاضي عن النشاط العلني للدوائر والجمعيات الصهيونية، بل وعن أنشطتها ذات الطابع العسكري المكشوف!).
وتعاونت الحكومة المصرية مع الحركة الصهيونية في إجهاض الحركة الشيوعية المصرية، بعد أن تغلغلت في الأوساط اليهودية الفقيرة والعاملة، خلال أعوام (1946 ـ 1948)، ويذكر الباحث "سيد عبد المنعم عبد الرحمن" في دراسته "الصهاينة في مصر حتى ثورة يوليو" أن "النخبة السياسية الحاكمة في مصر، في الأغلب الأعم، لم تكن ترى في الصهيونية خطرًا على منظومة الحكم، بل كانت تنظر للنشاط الشيوعي (في مصر) بعينٍ ملؤها الرعب، حتى لو كان هذا النشاط في صالح الأمن القومي المصري، وفي صالح الأمة العربية"!
وهكذا فحينما أزفت الساعة لاستكمال المخطط الاستعماري ـ الصهيوني والانقضاض على فلسطين منذ ثلاثة أرباع القرن، وهذا هو الحال في أكبر الدول العربية وأقواها آنذاك، مصر.. كان من الطبيعي أن يحدث ما حدث، وأن تنهار القلاع العربية كقصور الرمال، بعد أن تم اختراقها من الأعماق، وأن تسقط بلا مقاومةٍ تذكر، وأن تنتصر المؤامرة!

