فجر يوم الاثنين، الموافق 22 أيار/مايو الماضي، اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال مخيم بلاطة للّاجئين، شرق مدينة نابلس، الأمر الذي أدّى إلى ارتقاء ثلاثة شبّان من المخيم، والشهداء الثلاثة هم: فتحي جهاد عبد السلام رزق (30 عاماً)، وعبد الله يوسف محمد أبو حمدان (24 عاماً)، ومحمد بلال محمد زيتون (32 عاماً).
شهود العيان أفادوا بأن قوّات راجلة كبيرة من جيش الاحتلال قد اقتحمت المخيم، بلغت ما يزيد عن 400 جندي مدجّجين بالسلاح، في مساحة المخيّم المحدودة جدًا واكتظاظ سكاني كبير، وكانوا قد نشروا قبل اقتحامهم قناصتهم على أسطح المنازل.
هذا وقد ذكرت وسائل الإعلام المختلفة أنّ قوّات الاحتلال قامت، أثناء عمليتها العسكرية في المخيّم، بتفجير أربع بيوت، يسكنها أربع عائلات، دون إبلاغ أو تحذير لأصحاب المنازل المجاورة.
في السياق ذاته، ذكر المراسل العسكري في القناة الأولى العبريّة أنّ الهدف من العملية العسكرية في بلاطة لم يكن إلقاء القبض على أحد المطلوبين لجيش الاحتلال ولمخابراته، ولم يكن أيضًا لإحباط عملية فدائية على وشك الخروج إلى حيّز التنفيذ أو إلى "تحييد قنبلة موقوتة"، بناء على معلومات استخباراتية مؤكّدة لدي جهاز الشاباك لدولة الاحتلال على نية أحد المقاومين بتنفيذ عملية فدائية وشيكة، وإنّما كان الهدف من هذه العملية استعراضيًا من أجل إظهار القوة والعضلات والتأثير على الرأي العام الفلسطيني بشكل عام، وعلى أهالي مخيّم بلاطة ومدينة نابلس بشكل خاص، بهدف ترويع السكان الآمنين وإيصال فكرة أنّه لا جدوى من المقاومة وأنّ المقاومين هم عبء على الشعب الفلسطيني.
هذا الهدف الاستعراضي للقوة والتأثير المعنوي على وعي الناس وقدرتهم على الصمود وعلى إبقاء جذوة المقاومة حية، تذكّرنا بما كانت تقوم به قوّات الاحتلال، من تدمير وقتل وترهيب وتنكيل، خلال عملية ما كان يسمّى بـ "الصور الواقي"، في الانتفاضة الثانية، التي اجتاحت بها تلك القوّات مناطق الضّفة الغربيّة، وفق ما بات يعرف بـ "كيّ الوعي"، الذي أطلقه في حينه رئيس أركان جيش الاحتلال، الجنرال موشيه يعلون؛ هذا المصطلح الذي تحوّل إلى استراتيجية ثابتة في السياسة الرسمية الصهيونية، كما يقول الكاتب جمال زقّوت، "جوهرها معركة هزيمة وعي الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه التي لا يمتلك ترف المقايضة أو المساومة عليها"، ويضيف الكاتب أنّ الهدف منها هو "القضاء على ثقافة المقاومة ورفض الأمر الواقع الاحتلالي" (أنظر: "كي الوعي أم خطر انهيار العقل؟"، موقع معًا، 7/6/2022).
ممّا لا شكّ فيه أنّ عقليّة السيطرة على الوعي الفلسطيني وعلى إرادة المقاومة وعلى الإيمان بأنّ فكرة المقاومة ما زالت ممكنة، واستهداف هذه القناعات، أصبحت سياسة صهيونية ممنهجة، كما أوضح المناضل والمفكر الفلسطيني الأسير وليد دقّة في دراسته المُهمّة بعنوان "صهر الوعي" (2010)، فقد بيّنت هذه الدراسة "أن السياسات الإسرائيلية باتت تستهدف التدخل في تفكير الأفراد في عملية مسخ دماغي زاحف ومتدرج وممنهج، محاولة هندسة الجماعة السياسية للتدخل في العمليات الاجتماعية والسيطرة عليها وعلى نتائجها" (أنظر: موقع مركز الجزيرة للدراسات، 23 يوليو 2011).
يقوم الاحتلال، لتحقيق أهدافه في السيطرة والإخضاع، ليس فقط على الأرض وعلى السكان، اللذان يقعان تحت سطوته وسلطته، وإنما على الوعي وعلى الإرادة، على المستوى الفردي والشعبي/الجمعي، بتنفيذ اقتحاماته وانتهاكاته وجرائمه في ساعات الذروة، ساعة خروج الطلاب لمدارسهم والموظفين والعمال لأشغالهم (أنظر: حسام كناعنة، الصمود على الصمود في الذكرى الـ 75 للنكبة، موقع بوابة الهدف، 20 مايو 2023)، أو في وقت الظهيرة، حتى يكون لمثل هذه الاعتداءات والجرائم أكبر صدى ممكن في نفوس الأهالي الآمنين، وحتى يشعر الجميع بحضوره وببطشه وبجبروته، بعد أن يكون قد أغلق مداخل المدينة أو القرية أو المخيم، كنوع من العقاب الجماعي للحاضنة الشعبية للمقاومة ولفكرتها. لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ "الهدف من العقوبات الجماعيّة التي يمارسها الاحتلال، والتي يشكّل أغلبها أعمالًا انتقاميّة ذات طبيعة ثأريّة (قَبَليّة)، هو ليس فقط السيطرة على الشعب الفلسطيني وعلى مقدّراته وموارده، وإنّما أيضًا إخضاعه وإذلاله" (حسام كناعنة: "الآثار النفسيّة لعقوبة احتجاز جثامين الشهداء على أُسَرِهم"، المركز الفلسطيني للإرشاد، 2020). في مواجهة هذا البطش ومحاولات الإخضاع نجد أن الشعب الفلسطيني ما زال صامدًا وما زال يحاول الحفاظ على صموده، "وصموده يتلخّص في مقدرته على تحمّل المعاناة رغم الخسارة والقهر، والحفاظ على توازنه رغم كل ما يحلّ به من عنف وتدمير وتنكيل" (د. مصلح كناعنة ود. ماريت نتلاند، "أعماق الذات المنتفضة"، حيفا، 2003. ص. 7). كما نعرف فإن الناس ما زالوا صامدين، وهم يدفعون ثمن صمودهم هذا بشكل يومي، "إلا أن للصمود ثمن يجب أن يُدفع، وعلى من يَدفع هذا الثمن أن يكون قادرًا على تحمّل الخسارة والضرر المترتّبَيْن على ذلك. هذا هو الصمود على الصمود، وهو المقدرة على تحمّل الثمن النفسيّ والعقليّ الباهظ للصبر والمقدرة على تحمّل الألم والمعاناة. هذا الصمود على الصمود هو المحكّ النهائي لمقدرة الشعب الفلسطيني على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي حتى زواله" (المصدر السابق، ص. 7).
في العودة إلى جريمة الاحتلال الأخيرة في مخيم بلاطة، وبعد الحديث مع فريق الطوارئ في مدينة نابلس، الذي قدّم خدمة الإسعاف النفسي الأولي، فقد توضّح أكثر حجم المعاناة التي مرّ بها سكان المخيم، وما قاسوه أثناء اعتداء قوات الاحتلال عليهم. ففي حين أنّ وسائل الإعلام ذكرت أنه تمّ تفجير أربعة بيوت، وبعضها قال "ثلاث شقق"، لم يُذكَر أنّ هذه البيوت كان يقطنها أربع عائلات، مكوّنة من 38 نفرًا معظمهم من الأطفال. ولم يصف أحد شعور الناس وقد وجدوا أنفسهم في لحظة محاصرين في بيوت يتمّ هدمها، وللهرب منها، قاموا بإلقاء الأطفال من شخصٍ لآخر، لأنّ الدرج كان قد تهدّم. ولم تذكر وسائل الإعلام قصص العائلات التي تم اقتحام بيتها، ومحاصرتها داخل البيت، لأنّ جنود الاحتلال استخدموه كطريق للوصول إلى بيوت أخرى. من ضمن هذه العائلات، عائلة كان الجد، على أعتاب التسعين من عمره، والجدة، قد تجاوزت الثمانين من عمرها، قد هوجموا، مع طفلة تواجدت معهما، من قبل كلاب الاحتلال، التي كانت تهبش كلّ من يتحرّك. أفكّر بذلك الجدّ وبتلك الجدّة، اللذان عاشا النكبة وهربا من فظائع العصابات الصهيونية في حينه، ومرّ عليهما، مذاك، ما مرّ، ولم يسلما في عمرهما هذا من كلاب الاحتلال ومن اعتداءات جنوده. كان هناك أيضًا إحساس بعدم الأمان لدى العديد من العائلات، التي تنتظر الاقتحام القادم، والذي لم يعد له توقيت محدّد، وقد يحصل في أيّة لحظة. وكان هناك إحساس بالعجز لدى بعض الاختصاصيّين النفسيّين والاجتماعيّين، وشعور بالغضب أيضًا، في ظل ما حدث وفي ظلّ الظروف التي يعيشها أبناء المخيّمات، بشكل عام، ومخيّم بلاطة، بشكل خاص، لعدم تقديم الخدمات الحياتية الأولية، عقب إضراب موظفي الأونروا. فكيف من الممكن، والأمور بهذا الشكل المريع، أن تُقدّم خدمة الإسعاف النفسي الأولي والناس بحاجة إلى المأوى وإلى الشعور بالأمان؟! وما نفع الفِراش الذي وُزّع على العائلات التي خسرت بيوتها ولا يوجد سقف يسترها؟!
من يعمل في مجال الصحّة النفسيّة في الطوارئ، ويقدّم خدمة الإسعاف النفسي الأولي، ويلتقي بسكّان البلدة القديمة في نابلس وسكّان مخيّم بلاطة، يعرف حجم المعاناة التي يعيشها الناس هناك، ويسمع منهم أنّ بقاءهم في منازلهم وإصرارهم على البقاء فيها، رغم فظاعة ما يحدث وخطورته على حياتهم وحياة أعزاءهم، هو تحدّ لإرهاب الاحتلال ولجرائمه المستمرّة، وهو شكل من أشكال الصمود. هؤلاء يقولون إنّهم لن يتركوا هذه الأماكن لأنّهم، ببساطة، كالسمك الذي يموت إذا ما أُخرِج من المياه، لا يستطيعون العيش خارج البلدة القديمة، أو لن يتركوا المخيّم إلّا إلى البلدة التي هُجّر أهلهم منها. مع ذلك، الاختصاصيون في فرق الطوارئ، يلتقون أيضًا بِمَن لم يعد قادرًا على البقاء وعلى الاستمرار في العيش داخل تلك الأماكن، وطموحه هو أن يخرج منها بأسرع وقت ممكن، والذي يحاول بكل الوسائل أن يخرج من البلدة، لو أتيحت له الفرصة، ومن المخيّم فورًا، لأنه لم يعد قادرًا على العيش داخلهما، ويريد أن يضمن حياة آمنة لأبنائه، وأنه لم يعد لديه القدرة على دفع ثمن صموده. هؤلاء الذين يتمنّون الخروج من البلدة القديمة أو من المخيّم، قد لا يخرجون منهما، لأن الظروف لا تسمح لهم بذلك، فيبقى السؤال هنا هو: كيف يمكن مساعدتهم، إن خرجوا أو لم يفعلوا، في تعزيز صمودهم وصلابتهم النفسية، ونحن نفهم ونشعر بأنّ شكل الصمود قد يتغيّر بناء على المواقف وعلى تجارب الناس؟
إنّ مسألة الاستمرار في "الصمود على الصمود"، ودعم ومساندة من لم يعد قادرًا على دفع ثمن صموده، في ظل ما يمرّ عليه الشعب الفلسطيني من محاولات إخضاعه وكسر شوكة مقاومته، هي مسألة ممارسة يومية، حيّة وحيوية.

