كلما مرت الحكومة بأزمة مالية، باعتبارها حكومة لا تمتلك مقومات اقتصادية تنتج فائض قيمة، بقدر ما هي حكومة ريعية، تعتمد على الجباية الداخلية والاعانات الأجنبية، فإنها تلجأ إلى قصة إبريق الزيت، أي إلى محاولة تمرير قانون يسمح لها بالسطو على مستحقات العمال الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وليس هناك أوضح من الأزمة الحالية التي تعيشها، حيث لم تعد الحكومة قادرة على دفع رواتب العاملين فيها كاملة، وإذا كان هذا الأمر وفق الإعلام وتبريرات الحكومة ناتج عن قرصنة احتلالية لأموال المقاصة، فإن هذا لا يعدو كونه تبريرًا يغطي الفشل في وضع سياسة اقتصادية ومالية تلاقي أوضاع شعب تحت الاحتلال، فالاختلال في توزيع أموال الموازنة بين القطاعات الأمنية يشكل أدق تعبير عن وظيفة السلطة القائمة، هذه الوظيفة التي نجعل من الاحتلال متمسكًا بها كمقاول سياسي يعفيه من ممارسة العمل الأسود في حكم الضفة والقطاع مباشرة.
تطالعنا وزارة العمل بالدعوة لنقاش مسودة قانون الضمان الاجتماعي، وكأن الأمر متعلق بمادة هنا ومادة هناك وليس بالإطار العام والبيئة التي يمكن أن ينفذ فيها القانون، بما هو إطار هش، يعيش ظرفًا استعماريًا ومحكومًا بشروط الاتفاق الاقتصادي المذل المسمى بروتوكول باريس، حيث أن القانون ينسى هذا الإطار العام، ويدخل إلى تفاصيل تقنية يجعلها مادة للنقاش والتفاوض أحيانًا، دون أي رؤية لطبيعة النظام الاقتصادي المحتوى كليًا في الشرط الاستعماري.
فطبيعة النظام الاقتصادي المشوه للسلطة (اقتصاد حر في بلد غير حر)، وغياب أي رؤية محددة أو سياسات اقتصادية اجتماعية لهذه السلطة، تجعل من المثل القائل (لأمر ما جدع قصير أنفه) لسان حال طرح هذه المسودة للنقاش التفصيلي الممل.
إن أي نقاش للتفاصيل سينطلق أولا من قبول واقع السلطة وواقع سياساتها الاقتصادية غير الرشيدة، ومحاولة رتق خروقها مع أن الخرق قد اتسع كثيرًا على الراتق، وبالتالي فإن ما هو مطلوب ليس تعديل مادة هنا أو نسبة هناك، بل إن المطلوب أولًا أن يحسم موقف السلطة: هل هي مع اقتصاد الصمود المنتج والحمائية وبناء شبكة أمان اجتماعي للمواطنين؟ أم مع اقتصاد المول وتراخيص الاستيراد سواء من الاحتلال أم من تركيا أم من الصين أم من غيرها؟ هل هي مع ضبط وترشيد النزعات الاستهلاكية الاستعراضية المتفشية، وضبط الاستيراد؟ أم مع السوق المفتوحة بحيث باتت البلد بالوعة استهلاك تصب فيها سلع العالم ونفتخر أننا صدرنا بعض ورد وتوت ومطرزات؟
المحور الثاني وهو ما هي السياسات الاجتماعية للسلطة؟ هل هي على غرار (صندوق وقفة عز، أو هبات وزارة التنمية الاجتماعية)؟ أم هي سياسة تتبنى شبكة أمان اجتماعي شاملة تشكل استثمارًا حقيقيًا يحمي السلطة والمجتمع من الهشاشة والتفكك والانهيار؟
أما المحور الثالث فهو هل ترى السلطة المواطنين رعايا أم مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات؟ هذه الحقوق المصادرة سواء على الصعيد المدني السياسي (لا انتخابات تشريعية ولا رئاسية ولا هامش حرية واسع للتعبير، وتعد على أشكال التنظيم والنضال النقابي...الخ) أو على الصعيد الاجتماعي الاقتصادي وهو الأساس وقبل الحريات المدنية والسياسية، فشبكة الأمان الاجتماعي هي وسيلة لتحرير المواطن من كل علاقات التبعية غير المدنية، وتسد الطريق أمام شراء الولاءات من خلال المنح والهبات والأعطيات خارج القانون وخارج الأطر الرسمية (هذا يحدث في الضفة والقطاع معًا)، بحيث يصبح قادرًا على بناء علاقاته بشكل مدني سليم، وأشك أن السلطتين كسلطتي أمر واقع ترغبان في ذلك.
لو أرادت السلطة بجناحيها أن تتجاوز هذا الواقع وأن تسهم في التغيير الاجتماعي باتجاه ترسيخ المواطنة لا الزبائنية، لقدمت قانونًا عصريًا يستجيب لمتطلبات التغيير الاجتماعي، باعتبار أن الأمان الاجتماعي هو حق لكل مواطن من لحظة الولادة إلى أن يوارى الثرى، لكن تستخدم الآن وبشكل مبتسر قانون الضمان الاجتماعي لسد حاجة لديها، وليس لتلبية حقوق مواطنة. لذلك فالأولى قبل نقاش قانون الضمان الاجتماعي بزفة اقتراحات تفصيلية أن تتم مراجعة سياسات السلطة الاقتصادية الاجتماعية.
لقد راجعت القانون وقارنته مع قانون الضمان الاجتماعي الأردني، فلم أجد إلا نسخة شبه كربونية من القانون الأردني مع رتوش هنا وهناك لا تمس الجوهر، بل تحاول تكييف القانون مع الشرط الاستعماري الاحتلالي الذي تتحوصل فيه السلطة، وبالتالي فكل التجديدات والاختراعات في هذا القانون لا تتعدى عملية اكتشاف للعجلة بعد مرور قرون على اكتشافها.
إن قانونًا للضمان الاجتماعي لا يكون إلزاميا لكل المواطنين، ولا يشمل التأمين الصحي، حيث أصبح العلاج مصدر ابتزاز للمواطن وعبئًا ثقيلًا على فاتورة معاشه، هو قانون أعرج، كما أن قانونًا لا يحمي من البطالة هو قانون يستغل ضعف البنية النقابية واستزلامها للسلطة، ولا ديمقراطيتها، عدا عن أن التشكيلات النقابية العمالية ما زالت هشة وغير محددة المعالم ولا يحكمها قانون للتنظيم النقابي حتى الآن، ومنذ اتفاق 1993 لم تتغير الأمور على صعيد الحركة العمالية، فالملوك والأباطرة هم أنفسهم، والهياكل الباقية فارغة ولا يوجد أي نظام يجعل من الشرعي استمرار العمل النقابي الحالي فضيلة.
أما النقابات المهنية، فما زالت تتعامل مع نفسها كطوائف حِرفية أكثر منها نقابات تتحمل مسؤولية اجتماعية، فعدا نقابة المحامين، تبقى النقابات المهنية الأخرى ممثلًا لمصالح أعضائها باعتبارها مصالح يومية لا جزءًا من النسيج الاجتماعي السياسي القادر على الفعل العام، كما كان مجمع النقابات المهنية قبل قيام السلطة وكان مركزه المفروض هو مدينة القدس .
إن الحوار يجب أن يبدأ من الأساس لا من الفروع، وبالتالي إذا أرسينا أساسا صالحًا بالحد الأدنى يمكننا نقاش الفروع والتعديل عليها وتقليمها وتشذيبها، أما النقاش الحالي فهو جسر لتمرير لعبة كبيرة على حقوق العمال داخل الخط الأخضر ومحاولة تغطية عجوزات في مالية السلطة يمكن أن تغطى بالتخلي عن كثير من مظاهر الاستهلاك الترفي للجهاز البيروقراطي، وبالوقفة الجادة أمام كل عمليات الهروب الضريبي للشركات الكبرى، وترشيد الاستيراد وبناء نموذج إنتاج للصمود والمقاومة من خلال استراتيجيات وطنية لا تترك الحبل على الغارب للبرجوازية الخدمية، بل تحدد مواطن الاستثمار وتفرض شروطًا على نشاط هذه البرجوازية.
إن قانون الضمان الاجتماعي إذا أريد له النجاح لا بد أن ينطلق من شموله كافة المواطنين وليس شريحة من الطبقة المتوسطة، التي تحاول مقاومة هبوطها المتسارع وتحاول أن تُبقي على مستوى معيشتها، هذه الطبقة التي تعتبر نواة العمل المنظم الرسمي فيما يعتاش غالبية الكسبة في الأراضي الفلسطينية على القطاع غير الرسمي، وهذا يعني أن هناك حاجة لإعادة النظر في قانون العمل وتسجيل العمال وتحويلهم من عمال بالقطعة أو المياومة إلى عمال برواتب شهرية، وهذا ما تأباه كل سياسات النيوليبرالية الاقتصادية التي هي ديدن الداعمين والمدعومين.
سيمر القانون بالتعديلات الطفيفة كما مرت عشرات إن لم نقل مئات القرارات بقوانين، ستنشغل النقابات والأحزاب التي لم تفك بعد حروف النضال الاقتصادي الاجتماعي والربط بين الفعل الوطني التحرري والنضال الاقتصادي الاجتماعي بتفاصيل لا يعلمها إلا الشياطين الذين صاغوا القانون، فيما سينشط (خبراء وتكنوقراط المنظمات غير الحكومية) بتشكيل فرق الضغط والمناصرة، وبهذا يصبح لتقاريرهم دور في استدامة الريع، ولكن دون أن يحققوا أي فائدة لصالح مجتمع يشكو الأمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية، ويظل الفقر سيفًا مصلتًا على لقمة عيشه.

