في صباح اليوم التالي لوقوع حادثة إطلاق الجندي المصري الشهيد لطلقات رشاشه على مجندين صهاينة، حاولوا عبور الحدود المصرية، فتعقبهم وأردى منهم ثلاثة قتلى حسب البيانات الرسمية الإسرائيلية المصرية، قبل أن يسقط هو شهيدا برصاصات إسرائيلية.. ولأنه لم تعلن على الفور وقت إذاعة أنباء الحادث أية معلومات عن شخصه سوى أنه جندي مصري، أردت أن أحييه كتابة على صفحتي الخاصة، فتجولت بين الأنباء والكتابات والمواقع والصور المنشورة كي أتعرف على شخصه وسمت وجهه وإذ بي كلما قرأت اسما اتضح لي أنه ليس له، وإنما لجندي آخر سقط كشهيد للوطنية في معارك الإرهاب، حتى صورته التي انتشرت بكثافة شديدة على المنصات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي في اليومين الأولين التاليين لاستشهاده، اتضح أنها كانت لشخص آخر هو الجندي المصري أيمن حسن الذى قتل عدد من الجنود والضباط الإسرائيليين على نقطة الحدود المصرية بعد أن استفزته إساءتهم لوطنه عبر تحرشهم المستهزئ بالعلم المصري في عام ١٩٩٠، فقدمته السلطات المصرية للمحاكمة وحكم عليه بالسجن وخرج بعد عشر سنوات..
وقعت أنا في نفس المشكلة عندما وضعت الصورة المتداولة في الساعات الأولى التي أعقبت إعلان الحدث على غلاف حسابي الخاص على موقع الفيسبوك ثم اتضح أنها صورة الجندي أيمن حسن، فحذفتها بعد أن اتضح لي أنها ليست لبطل حدث الثالث من يونيو الحالي.. ثم لاحظت من خلال المتابعات المختلفة أنه قد تم بعد ذلك تداول أكثر من صورة أخرى، وعلى التوالي لليوم الثالث على وقوع الحدث ليتضح بعد هذا كله أنها جميعا ليست له للشخص الحقيقي إلى أن أعلنت هيئة البث الإسرائيلية عن تسليم جثمانه إلى مصر في اليوم الخامس من يونيو ٢٠٢٣ واتضح أن الشهيد البطل هو الشاب المجند محمد صلاح إبراهيم.
بالطبع عملية البحث الشديدة التي يقوم بها المصريون على مؤشرات البحث الإلكتروني على خلفية عدم الإعلان الرسمي المصري عن شخصية الجندي المصري الشهيد حتى الخامس من يونيو الجاري مع عدم إعلان قيادة الجيش الصهيوني عن شخصيته باعتبار أن سلطاته العسكرية كانت لا تزال تحتفظ بجثمانه الطاهر حتى سلمته في نفس يوم إفصاح هيئة البث الصهيونية عن اسمه، بمجرد الإعلان عن الحدث دون الإفصاح عن الهوية الشخصية للشهيد المصري هبت عاصفة شعبية مصرية وعربية شديدة من البحث عن شخصية الجندي المصري الشهيد في مؤشرات البحث وفى المواقع والمنصات الإلكترونية سواءً المصرية والعربية أو حتى العبرية والأجنبية.
وبالتزامن مع حمى البحث العاصف اندفع التدفق الهادر لكلمات التحية والثناء على روح أبطال الوقائع المشابهة والتي تطرقت إلى روح البطل المصري الشهيد الخالد سليمان خاطر وامتدت لتستعيد حكاية الشهيد سعد إدريس حلاوة مروراً بالجندي المصري أيمن حسن صاحب نسخة عام ١٩٩٠ من الحدث ذاته.. لتتدفق أمام أجيال جديدة لم تشهد أحداثها ووقائعها صور سعد إدريس وسليمان خاطر ليعاد بعثهما من جديد كما بعث الشيخ إمام ومحمد حمام أمام أجيال جديدة في ٢٥ يناير ٢٠١١ بعد أن كانت قد اقتربت من النسيان بفعل الحظر الرسمي المطلق لإعمالهما، وكأن من أرادو إخفاء المعلومات عن الناس بخصوص هوية الجندي المصري أيقظوا - دون أن يدروا - بركاناً عاصفاً كان كامناً في الذاكرة المصرية..
الذاكرة الشعبية ولا سيما المصرية إذن لا تعرف الحظر وتتمرد على كل آليات المحو والتجهيل والتغطية على ما لا ترغب السلطات بأن يتردد في أوساط الشعب وها هي (أي الذاكرة الوطنية الشعبية) تنتفض في لحظة لتعيد الحضور للأعمال والأسماء والأبطال ولنجد أنفسنا أمام انبعاث جديد لأسماء وصور وحكايات ووقائع منها حادثة البطل الشعبي المصري سعد إدريس حلاوة أول إنسان شعبي مصري، يقدم روحه كعربون مبدئي لمقاومة خطوات تطبيع العلاقات مع الدولة الصهيونية المصطنعة بواسطة قوى الهيمنة الاستعمارية، ومنذ اللحظات الأولى لبدء عملية التطبيع عندما طالع سعد في الجرائد الحكومية التي صدرت في إحدى صباحات فبراير ١٩٨٠ صورة السادات وهو يستقبل إلياهو اليسار أول سفير إسرائيلي بعد عقد اتفاقيات كامب ديفيد لينطلق (حلاوة) الإنسان القروى البسيط في نفس اليوم متأبطاً حقيبته التي كانت تحوي مع رشاشه اليدوي ميكرفوناً وجهاز كاسيت وشرائط كاست تحمل أغان وطنية لعبد الحليم حافظ وأم كلثوم وغيرهما وخطب للزعيم الوطني الراحل جمال عبد الناصر، ليدخل مبنى الوحدة المحلية لقريته ويحتل الدور الثالث من البناية وليبدأ في إطلاق إذاعته الوطنية على القرية التي أقامها في تلك البناية التي احتلها ليذيع بياناته التي ترفض تطبيع العلاقات مع الصهاينة وسط فقرات من الأغاني الوطنية ومقتطفات من خطب جمال عبد الناصر، مذكراً الجميع بما ارتكبته إسرائيل من جرائم في حق الشعب المصري، مرددا قصص مجزرة مدرسة بحر البقر ومحرقة عمال مصنع أبى زعبل بنيران طائرات الفانتوم والسكاي هوك، مطالباً بطرد السفير المصري إلى أن توجه وزير الداخلية المصري وقتها على رأس قوات الأمن المركزي وتمت مداهمته بزخات طلقات الرشاشات بمجرد أن لوح لهم من إحدى نوافذ البناية مستسلماً، فتم اِردائه جثة هامدة تملؤها ثقوب طلقات المدافع بعد اقتحام المكان..
أيضا فقد تألقت هذه الأيام صورة سليمان خاطر بعد ان استحضرتها ذاكرة المصريين، فأثبتت أن حضوره قد ظل حضورا خالدا في الذاكرة الوطنية الشعبية المصرية رغم مرور عشرات السنوات..
وأيقظ ذلك في ذاكرتي (وربما على نحو مماثل في ذاكرة الكثيرين من جيلي) تلك الصورة التي ظلت متشبثة بجدران بيتنا القديم إلى أن تركناه بعد أن قمت بلصق البوستر الذي يحمل صورته مكتوبا بأسفلها (سليمان خاطر بطل شنقته قيود كامب ديفيد..) وبغراء نشوى قاوم أيادي مخبري حملتي إلقاء القبض علي ضمن زملاء كثيرين من مناضلي اليسار المصري خلال ما تبقى من عقد ثمانينات القرن الماضي..
سليمان خاطر الجندي الذى استبق واقعة استشهاد بطل الأمس القريب والذى لم تفصح البيانات الرسمية المصرية (حتى كتابة هذا المقال) عن شخصه، وقبل ثمانية وثلاثين عاماً من حدث الثالث من يونيو 2023، في أواخر أيام ١٩٨٥ عندما كان سليمان خاطر ذلك القروى ابن محافظة الشرقية التي شهدت إحدى أبشع المجازر في التاريخ وهى مجزرة بحر البقر التي راح ضحيتها المئات من تلاميذ مدرسة بحر البقر الابتدائية والتي سجلتها العبقرية المصرية الشعرية لصلاح چاهين في قصيدته الشهيرة التي غنتها المطربة شاديه (الدرس انتهى لموا الكراريس).
سليمان خاطر الذى شب وفى عقله صور أقرانه وأترابه وزملائه من تلاميذ مدرسة بحر البقر وهم جثثاً مدماة تحت حجارة جدران حوائط وأسقف فصول المدرسة الابتدائية وشاهد كراريسا وأقلاما وحقائب مدرسيا متسربلة بدماء الضحايا، وربما بحث مع جيرانه عن بقايا أعضاء متناثرة لزملائه التلاميذ الضحايا، ليصبح سليمان – فيما بعد - جندياً مصرياً على الحدود المصرية مع فلسطين المحتلة وتستفزه مشاهد الصهاينة وهم يرتعون على حدود سيناء عابثين ملوحين له بأقذر الإشارات وأكثرها إهانة واستفزازاً للكرامة الإنسانية والوطنية..
أطلق سليمان خاطر رصاصاته على الصهاينة وقتل منهم من قتل واصاب منهم من أصاب، فتم القبض عليه لمحاكمته محاكمة عسكرية وسط تضامن شعبي ضخم معه، ثم لم يلبث أياماً معدودات على الأصبع في سجنه حتى أعلنت السلطات المصرية عن أنه قد وجد مشنوقاً في زنزانته في حدث من الأحداث الأشد غموضاً في تاريخنا الوطني.
استشهد سليمان خاطر إذن وبعد مرور خمس سنوات على استشهاد سعد إدريس حلاوة، وبعدها بحوالي أربع أو خمس سنوات فقط كانت موقعة الجندي أيمن حسن، وقد يبدو الأمر ففي حدود البحث الجنائي التقليدي البحت عبارة عن أحداث فردية لا رابط بينها سوى تشابه وقائع العداء للدولة الصهيونية والرفض التام للتطبيع معها.. ولكن باستخدام العلوم وطرق التحليل الاجتماعية والسياسية، نستطيع أن نقدر أن مثل هذه الأحداث وإن كانت عفوية وفردية لا تحمل أى طابع سياسي منظم ولا أى دافع إيديولوجي، إلا أنها تعبر عن (تنفيسات) ظاهرية للكامن تحت القشرة الفوقية الداخلية من حقائق الوجدان الشعبي المصري الراسخة والمستقرة منذ إعلان تأسيس الكيان الصهيوني، قبل حلول منتصف القرن الماضي بعامين، مروراً بالعدوان الثلاثي ومعارك الخامس من يونيو ١٩٦٧، ثم معارك الاستنزاف ثم معركة أكتوبر ١٩٧٣.. كل هذا يدلل على أمر واحد.. هو أن الشعب المصري قد خلدت في عمق ذاكرته الوطنية بطولات أبنائه ضد الصهاينة حتى ولو كانت على غير هوى السلطات الرسمية ومهما كانت محاولات طمس هذه الأسماء بقصصها ووقائعها، وقبل ذلك كله، فالمصريون يثبتون يوماً بعد يوم وسنوات بعد سنوات أنهم لا ينسون دماء شهدائهم ولم ينسون ضحايا العدوان الصهيوني واحتلاله لأراضيهم والأراضي العربية ولا ينسون أن الدولة الصهيونية قد قامت بكلفة باهظة على الشعب المصري، لا زال يعانى أثارها حتى الآن وأن التطبيع بضاعة فاسدة وبائرة لن يشتريها المصريون ولم ولن يقبلوا باعتها ولا المروجين لها مهما كانت المغريات وتعددت أشكال العرض، طالما أنها بضاعة صنعها لصوص الحقوق مصنوعة بدماء الضحايا، وأن السلام الحقيقي الذى يعنى عودة الحقوق لأصحابها لم يتحقق بعد..
ولذلك لم تهدأ حمى البحث عن شخصية واسم وصورة الجندي المصري الشهيد لليوم الخامس على التوالي وظلت مشتعلة ومتواصلة حتى تم الإعلان أخيراً عن الشهيد البطل هو الشاب المصري المجند محمد صلاح إبراهيم، ومع هذا البحث بعثت من جديد كلمات الشاعر الشهير نزار قباني التي كتبها كرثاء لحظي للبطل الشعبي سعد إدريس حلاوة أول من سقط من المصريين ضحية لمقاومة التطبيع..
يقول نزار قباني:
(... جمجمة مصرية كانت بحجم الكبرياء وحجم الكرة الأرضية
إنه خنجر سليمان الحلبي المسافر قي رئتي الجنرال كليبر
هو كلام مصر الممنوعة من الكلام
وصحافة مصر التي لا تصدر
وكُتّاب مصر الذين لا يكتبون
وطلاب مصر الذين لا يتظاهرون
ودموع مصر الممنوعة من الانحدار
وأحزانها الممنوعة من الانفجار..)
كانت هذه كلمات من كتبها نزار قباني التي أراها تفصح ليس عن سعد حلاوة وحده وإنما يتجسد فيها الشهيد سليمان خاطر وتعبر عن مكنون الجندي أيمن حسن وبطلنا الأخير (الشهيد محمد صلاح إبراهيم)، وفقاً لما أعلن بالتزامن مع تسليم جثمانه إلى مصر لينطلق المصريون إلى تحيته وتمجيد بطولته عبر كتاباتهم وتغريداتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وليعاد تأكد صدق وتطابق كلمات نزار قباني بما تحمل من أوصاف على شخصية البطل الشهيد.. لقد استبقتنا كلمات نزار قباني للإشارة إليه إنه هو: (جمجمة مصرية بحجم الكبرياء).

