قطعاً ليست هي الصدفة وحدها التي أدت إلى حدوث توافق في مضامين أهم وثيقتين أمنيتين أمريكية وصينية صدرتا بشكل متزامن، وثيقة "استراتيجية الأمن القومي الأمريكي" الصادرة عن البيت الأبيض الأمريكي في أكتوبر الماضي ووثيقة "التقرير النهائي" الصادر عن أعمال المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني "في ذات الوقت تقريباً" حيث اهتمت الوثيقتان، بشكل مثير، بضرورة إنشاء ودعم المنظمات المهتمة بالأمن الإقليمي. الجديد في الأمر ليس اهتمام الأمريكيين بتكثيف وتوسيع وجودهم العسكري القومي في التنظيمات الإقليمية ونظم الأمن الإقليمية المختلفة في أنحاء العالم، ومن بينها بالطبع إقليم آسيا المحيط الهادي، لكن الجديد هو ذلك الظهور الصيني القوي في الشئون الأمنية – العسكرية بالإقليم على نحو أضحى يثير مخاوف الأمريكيين وحلفاءهم في هذا الإقليم، لأن الأميركيين، وهم يصرون على فرض أنفسهم قوة عالمية مسيطرة أحادية، كانوا حريصين على فرض أنفسهم أيضاً قوة إقليمية مهيمنة أو على الأقل، قوة مناوئة في كل نظام أمن إقليمي وخاصة إقليم آسيا المحيط الهادي أو في إطار أوسع إقليم المحيطين الهندي والهادي. بما يعنيه ذلك من منع أي قوة إقليمية على الظهور كقوة قادرة على منافسة الوجود والنفوذ الأمريكي.
المراقبون الذين أثارتهم النصوص، المتضمنة في التقرير النهائي لأعمال المؤتمر العشرين الأخير للحزب الشيوعي الصيني، ذات العلاقة بالقضايا الأمنية والعسكرية التي وردت بشكل مكثف وغير مسبوق، حيث تكررت كلمة "الأمن" 91 مرة، وكلمة "عسكري" 21 مرة، وكلمة "النضال" 22 مرة هؤلاء صدموا بمضامين الوثيقة البريطانية التي تم الكشف عنها مؤخراً، وعلى الأخص معرفة أن "التمرد الصيني" على النفوذ الأمريكي، وحرص الصين على فرض نفسها قوة مناوئة للنفوذ والوجود العسكري الأمريكي في إقليم آسيا- المحيط الهادي لم يكن وليد الوقت الحاضر ولكنه يعود إلى 22 عاما مضت وبالتحديد في الأول من إبريل 2001 فيما عرف بـ "حادث جزيرة هانيان" التي صعدت المواجهة بين واشنطن وبكين إلى مستوى "الأزمة".
وقعت هذه الحادثة عندما تصدت طائرتان مقاتلتان صينيتان لطائرة استطلاع استخباراتية تابعة للبحرية الأمريكية كانت تحلق في المنطقة الاقتصادية الصينية في بحر الصين الجنوبي، حيث قتل طيار صيني واحتجزت الصين طاقم الطائرة الأمريكية وحطامها، ورفضت الصين وقتها وساطة رئيس الوزراء البريطاني تونى بلير بطلب من الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش للإفراج عن الطاقم دون اعتذار أمريكي علني ومسبق. وبالفعل حصلت الصين على ما أرادت حيث اعترف بوش، وفقا لتلك الوثيقة أن "الولايات المتحدة قالت مرتين أنها آسفة للغاية".
كان هذا منذ أكثر من عشرين عاما، حيث كانت بوادر التمرد الصيني فيها متصاعدة، في مواجهة الهيمنة والسيطرة الإقليمية الأمريكية على إقليم آسيا- الهادي الذى تعتبره الصين مجالها الإقليمي، الآن نستطيع القول أن الصين تجاوزت مرحلة إعلان التمرد على القوة الأمريكية إلى مرحلة أرقى هي التصدي القوى لها، ضمن مسار يقول أن الصين تسعى إلى إخراج الولايات المتحدة من إقليم المحيطين الهادي والهندي، وأنها حريصة على أن تكون هي "القوة الإقليمية المهيمنة" أو القوة الفاعلة في نظام أمن إقليمي ضمن أطراف أخرى ليس من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتحديد أطراف تنتمى إلى الإقليم.
مرحلة التصدي الصيني للنفوذ الأمريكي أخذت أشكالا متعددة، منها محاولة اختراق حلفاء واشنطن وتنظيماتها الأمنية الإقليمية في إقليم آسيا- الهادي والسباق مع الولايات المتحدة في التأسيس لقواعد عسكرية بالمنطقة، والتحرش بالنفوذ الأمريكي عسكريا، ومهاجمة أي تطاول أمريكي على الصين في المحافل الإقليمية- الدولية.
الأشهر الأخيرة الماضية كانت مفعمة بهذه الممارسات الصينية، فما حدث قبل عشرين عاما مع طائرات أمريكية اعتبرتها الصين تجاوزت "الحدود المسموحة" تكرر في الأسبوع الماضي وبالتحديد يوم الثلاثاء الفائت (30/5/2023). فحسب بيان أمريكي صدر بهذا الخصوص قامت طائرة صينية بتنفيذ ما اعتبرته واشنطن "مناورة عدوانية" قرب طائرة عسكرية أمريكية فوق بحر الصين الجنوبي في المجال الجوي الدولي مما جعل الطائرة الأمريكية تهتز في أثناء التحليق بسبب الاضطرابات الجوية الناتجة عن تخلخل الهواء، في ذات الوقت حذر وزير الدفاع الصيني "لي شانغفو" السبت (3/6/2023) من إقامة تحالفات عسكرية "شبيهة بحلف شمال الأطلسي في منطقة آسيا والمحيط الهادي".
هذا التحذير جاء على لسان الوزير الصيني في كلمته أمام القمة الدفاعية الآسيوية المنعقدة في سنغافورة وتحمل اسم "حوارشانغرى- لا"، واعتبر الوزير الصيني أن سياسة تأسيس تحالفات عسكرية أمريكية في منطقة المحيطين الهادي والهندي "وسيلة لاختطاف دول المنطقة وتضخيم الصراعات والمواجهات الأمر الذى لن يؤدى سوى إلى إغراق منطقة آسيا والمحيط الهادي في زوبعة من الصراعات والنزاعات هذا التحذير ربما يكون قد جاء ردا على المسعى الأمريكي لإعداد خطط مشتركة مع حليفتيها اليابان وكوريا الجنوبية لإطلاق نظام سوف يسمح بتبادل لحظي للمعلومات في الوقت الحقيقي بشأن الصواريخ الكورية الشمالية. هذا البيان صدر عن وزراء دفاع الدول الثلاث على هامش قمة الأمن الآسيوية السبت الماضي "شانغرى- لا" التي عقدت في سنغافورة التي شارك فيها وزير الدفاع الصيني، والتي رفض خلالها وزير الدفاع الصيني لقاء وزير الدفاع الأمريكي خلال تلك القمة الأمنية الآسيوية.
لم تكتف الصين بالتصدي للنفوذ الأمريكي في منطقة آسيا الهادي لكنها سعت وباهتمام إلى تأسيس نفوذ عسكري – أمنى صيني في هذه المنطقة، حيث وقعت في العام الماضي اتفاقا أمنيا مع دولة "جزر سليمان" الواقعة في المحيط الهادي بالقرب من دولة "بابوا غينيا الجديدة" محط اهتمام النفوذ الأمريكي. هذه الخطوة الصينية أثارت القلق في كل أنحاء المحيط الهادي وخاصة الولايات المتحدة التي اتجهت هذا العام إلى دولة بابوا غينيا الجديدة ووقعت اتفاقا أمنيا معها عبر وزير خارجيتها انتوني بلينكن الذي اعتبر هذا الاتفاق مع بابوا غينيا الجديدة "محاولة لتشكيل المستقبل" الملفت في سياسة التصدي الصينية للنفوذ الأمريكي أنها تجاوزت الحدود الإقليمية ووصلت إلى أرض الولايات المتحدة الأمريكية. ففي فبراير الماضي حركت الصين منطادا حلق فوق عدد من الولايات الأمريكية اعتبرته واشنطن "منطادا للتجسس" وأسقطته، ومنذ أقل من أسبوعين اتهمت الولايات المتحدة الصين برعاية قراصنة يستهدفون المنشآت الحيوية أمريكيا وعالميا حيث كشفت وكالات استخبارات غربية وشركة "مايكرو سوفت" الأمريكية أن قراصنة صينيين ترعاهم الدولة يتجسسون على البنية التحتية للولايات المتحدة وينشطون لوضع الأساس التقني لتعطيل محتمل للاتصالات الحساسة بين الولايات المتحدة وآسيا خلال الأزمات المستقبلية.
مثل هذه المناوشات والصدامات تقول أن الصين لم تعد تكتفى بمناهضة النفوذ الأمريكي في إقليمها، ولكنها تسعى إلى نقل المواجهة مع واشنطن خارج الإقليم عبر أدوات وسياسات صينية تهدف إلى إشهار الصين قوة عالمية شريكة في قيادة النظام العالمي.

