في مقابلة سابقة يقول الشهيد جمال أبو سمهدانة الملقب "أبو عطايا": "لقد اجتمع الشباب الفلسطيني على فكرة المقاومة (1( بعد فقدان الثقة بالتفاوض، وبعد سنوات التفاوض لم نجد إلا الفقر والبؤس، وتراجع القضية نحو الأسفل، وكان العدو الصهيوني حريص على ايصال الشعب الفلسطيني إلى مرحلة من اليأس والإحباط، إلا أن الانتفاضة _يقصد الانتفاضة الثانية_ جاءت لنفض غبار الهزيمة والوهن والتكاسل والتراجع عن أكتاف الشباب الفلسطيني".
تكمن قيمة كلمات "أبو عطايا" السابقة في مقولة لهُ، هذه المقولة التي تتألف من كلمات عربية عامية إلا أن في باطنها تحمل فكرة المقاومة التي ترجمها "أبو عطايا" على أرض الواقع(2(، وتحمل أيضاً خيار الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وتقول هذه الكلمات:" لما تتخربط عنا الأمور طخوا على اليهود بيترتب كل ِشي".
لم تكن هذه الكلمات عشوائية، أو مجرد كلمات عبثية، بل تأتي بعد خبرة طويلة قارع فيها "أبو عطايا" الاحتلال طوال سنوات حياته (3(، حيث كانت هذه السنوات تحمل في طياتها الانعتاق من الاحتلال، وهو المبدأ الراسخ الذي قاتل في سبيله، ودفع سنين حياته من السجن إلى المطاردة، وكانت النهاية الجسدية، وبل والحتمية هي الشهادة.
يقول العقيد الإسرائيلي "أروي هلبيرن" وهو ضابط في جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، وشغل منصب قائد لواء الجنوب المسؤول عن قطاع غزة ما بين عام 2007-2005: "أن أول مهمة كُلف بها من قبل يوآف غالانت(4) كانت الحصول على معلومات استخبارية لتنفيذ عملية استخبارية تستهدف الشهيد جمال أبو سمهدانة".
تأتي مثل هذه التصريحات لتؤكد أن "أبو عطايا" هو هدف من العيار الثقيل، حيث كان "أبو عطايا" شخصية استثنائية بالمجال المقاوم، والحكومي (5)، والسياسي، والدعوي، وأكثر في مجال الوحدة الفلسطينية التي تجسدت في خارطته، وتاريخه، وأكثر في بوصلته، بالإضافة إلى أن هذا الرجل شكّل منهج مقاوم أمن من خلاله أن الطريق إلى فلسطين والخلاص من الاحتلال لا يكون إلا بالبندقية.
إن الحديث عن قائد بوزن "أبو عطايا" لا يمكن حصره في مقال واحد، حيث تاريخ هذا الرجل مليء بالمواقف التي يجب التوقف عندها ودراستها، لأن هذه المواقف تركت أثراً كبيراً في مبدأ المقاومة، وفي كل من عاش بالقرب منه، وأيضاً كل من يقرأ سيرة هذا الرجل، حيث يتمسك كل إنسان بموقف معين يترك فيه أثراً، ويكون هذا الأثر هو المدخل لفهم رسالة "أبو عطايا"، ومن أبرز هذه المواقف: "عندما عمل الشهيد بشكل دؤوب على إصلاح ذات البين في حالة ثأر دموية بين أفراد عائلة شيخ العيد في رفح، والتي أعلنت في نفس اليوم الذي استُشهد فيه ايقاف كافة حالات الثأر والدمّ التي استمرت 15 سنةً كرامةً لدم الشهيد (6(.
استوقفني مثل هذا الموقف في حياة رجل كانت حياته حافلة بالصراع مع الاحتلال إلا أن الحفاظ على النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي هو أيضاً كان جزء من نضاله، حيث الحفاظ على التضامن والتماسك الاجتماعي يلعب دور كبير في توجيه البوصلة نحو التناقض الأساسي إلا وهو الاحتلال، ولربما نحن اليوم في الضفة الغربية التي كان يحلم "أبو عطايا" أن ينقل تجربة المقاومة إليها، وأكثر في الداخل المحتل في أمسّ الحاجة لمثل هذه المواقف التي تصدر عن الرجال الحقيقيين، هؤلاء القادة الذين يدركون أن العنف الحقيقي يتم توجيهيه نحو مسبب العنف الأساسي، وأكثر نحتاج لمن يقوم بترسيخ مبداً "الطخ على اليهود" كما وصفه "أبو عطايا" حتى "يترتب كل اِشي".
رغم قسوة الواقع، والظروف كان "أبو عطايا" إنسان قبل كل شيء، وشخصية تعشق المزاح، بل وكان خفيف الظل وشفاف، وكثير الحديث عن البؤساء والغلابة والفقراء، وبشكل أدق عن الفقر، حيث هو القائل: "دخلتُ نصرةً للحق والمظلومين، خلينا نموت عشانهم"، ومن يتابع مسيرة هذا الرجل يلتمس شيءً مهماً أن "أبو عطايا" كان رجل بسيط في انتقاء الكلمات، واللباس، وسبل العيش، ولكنه كان عظيم الشأن في الفعل المقاوم، وهذا إذ يدلل فإنما يدل على أنه كان قائد شعبي حقيقي لا يحب الظهور والقصد هنا لم يكن نرجسياً.
لا يمكن الإضاءة على حياة "أبو عطايا" دون ذكر زوجته "أم عطايا"، فقد شكلت هذه المرأة هي الأخرى فصول من المقاومة، مترجمة أن وراء كل رجل عظيم امرأه، وقد قاتلت هذه المرأة بجانب "أبو عطايا" مؤمنة بشرعية السلاح، وهناك الكثير من المواقف التي عاشتها هذه المرأة وهي تدافع عن زوجها وحقه في القتال، حيث شاركت في عمليات الرصد المتقدم لمواقع الاحتلال، ونقلت السلاح، وقامت ببيع ذهبها ومسدسها الخاص من أجل تمويل المقاومة، ولم تكن بعيده أيضاً عن المزاح، فقد كان "أبو عطايا" يقول لها دوماً ممازحاً: "اِتّكلي على الله، وإذا اليهود مسكوكِ وعد ما أتجوز عليكِ، فتردُّ ضاحكةً: اتفقنا".
يقول " غسان كنفاني ": "كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح وإنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه"، وبناءً على كلمات "كنفاني" يمكن القول أن "أبو عطايا" كان من "الرجال الحقيقيين" الذين يقصدهم "غسان كنفاني، لأنهم لم يؤمنوا بغياب السلاح، وفي سبيل ذلك نحترمهم.
***
.1 مع دخول الانتفاضة الفلسطينية مرحلةً جديدةً من المواجهة، وبدء تشكّل الخلايا العسكرية للفصائل الفلسطينية، توجّه عددٌ من رفاق أبو عطايا ممن كان لهم انتماءٌ تنظيميٌّ نحو تأسيس عملٍ عسكريٍّ خاصٍ بتنظيماتهم. فتوجّه محمد أبو شمالة ورائد العطّار لكتائب الشهيد عزّ الدين القسام، وتوجّه عبد العال والشيخ خليل وخالد عواجة وخالد منصور لسرايا القدس ، بينما توجّه جمال عبد الرازق لتشكيل العمل العسكريِّ المسلّح ضمن إطار حركة فتح، وما عُرف لاحقاً بكتائب شهداء الأقصى، فيما بقي جمال أبو سمهدانة ورفاقه عبد الكريم القوقا وإسماعيل أبو القمصان، وهما من العاملين سابقاً في أجهزة أمن السلطة، بالإضافة إلى عامر قرموط (أبو الصاعد)، أحد كوادر الجبهة الشعبية السابقة، بالإضافة إلى زهير القيسي وعماد حمّاد. عُيّن عبد الكريم القوقا قائداً عسكرياً عاماً لألوية الناصر صلاح الدين، فيما استلم القائد أبو عطايا الأمانة العامة للجان المقاومة الشعبية.
.2 عدوي، وفارس، 2021. سلسة النخبة الفلسطينية 2، الطبعة الأولى، ص 60.
.3 حكاية الشهيد "أبو عطايا".. مهندس المقاومة الفلسطينية، 2022. الميادين، https://www.almayadeen.net/news/politics/
.4 يوآف غالانت، هو عسكري سابق وسياسي إسرائيلي، رقي لرئيس منصب القيادة الجنوبية لجيش الاحتلال عام 2005، وكان يشغل قبلها السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، وشغل أيضاً وزير الأسكان، وكان وزير الدفاع في الحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثين بدء من 29 ديسمبر 2022، حتى أقاله رئيس الوزراء بنامين نتنياهو في 26 مارس 2023.
.5 يعد جمال أبو سمهدانة الشهير باسم "أبو عطايا" أول قائد ميداني فلسطيني يتولى منصبا مهما في وزارة الداخلية بالحكومة التي شكلتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عام 2006 بعد فوزها في الانتخابات التشريعية، وتم تعيينه مراقباً عاماً لوزارة الداخلية والأمن الوطني برتبة عقيد.
.6 الجعبري، كمال، 2018. أبو عطايا: سيرة الألوية التي لم تروَ، باب الواد.
.

