يرى كثير من الاعلاميين أن الإعلام هو مجال مهني محض، مستقل ونزيه وموضوعي ومحايد، تجاه مختلف قضايا الصراع السياسي والاجتماعي، ويرى هؤلاء أن الإعلام حتى لو كان مملوكا لأفراد وهيئات ومنظمات، فهو لا بد أن يتصف بعدد من السمات التي تجعله محايدا ونزيها، وفي هذا الكلام الأخير بعض الصحة لكن ذلك لا ينفي عن الإعلام انحيازه، لا بل إنه من أهم أدوات الهيمنة السياسية والاجتماعية لكونه يوظف من قبل مالكيه في صناعة الرأي العام وصياغة الثقافة والمواقف المختلفة بما فيها مواقف التأييد أو الرفض أو الحماس لفكرة ما، أو الركون والتسليم بمنطق معين ومواقف وتوجهات معينة تصوغها الفئات المهيمنة وتفرضها على المجتمع كله.
هذه المقدمة ضرورية للإجابة على سؤال كيف يعكس الإعلام في فلسطين قضايا المرأة وهو سؤال لا يقتصر على فلسطين وإنما يشمل قضايا المرأة وحقوقها السياسية والاجتماعية في كل مكان. فالإعلام ليس طرفًا محايدًا تجاه القضايا الوطنية والاجتماعية، وإنما هو أداة تعكس مواقف ومصالح الطبقات والفئات التي تمتلك الوسيلة الإعلامية وتوظفها في الترويج لأهدافها، في فلسطين لدينا إعلام رسمي تديره السلطة الوطنية الفلسطينية ويشمل الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء الفلسطينية وفا، ولدينا وسائل إعلام حزبية فصائلية، وإعلام مستقل، إما تجاري أو يتبع لمنظمات أهلية وبتقديري الفئة الأخيرة هي الأضعف، مع ملاحظة أن سلطة حماس في قطاع غزة (سلطة الأمر الواقع) تمتلك أدوات إعلامية مؤثرة، ولا شك أنه في عصر الانفجار المعرفي وثورة الاتصالات يتأثر الجمهور الفلسطيني بوسائل الإعلام الخارجية مثل الفضائيات ووكالات الأنباء الدولية والمواقع الاليكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي.
بشكل عام صورة المرأة التي يعكسها الإعلام تعبر إلى هذه الدرجة أو تلك عن مواقف الجهات والأطراف التي تمتلك الإعلام وتديره، ولذلك نرى أن ما يغلب على صورة المرأة هي وجهة النظر المحافظة والتقليدية التي تتحدث بشكل ضبابي وغير محدد عن حقوق المرأة وانصافها وتمكينها، وتتحدث عن مساهماتها النضالية وأن المرأة نصف المجتمع وضرورة العمل على الاهتمام بالمرأة ورفع شأنها، ولكنها تتجنب الحديث عن المسألة الرئيسية وهي قضية المساواة ورفع كل أشكال التمييز والاجحاف.
تظهر الصورة النمطية للمرأة في الإعلام بما يكرس دورها التقليدي (برامج الطبخ والموضة والأسرة والعناية بالأطفال) أو تقوم بتسليع المرأة لجهة الاهتمام بجمال المرأة وشكلها الخارجي بمعزل عن طاقاتها الفكرية والعقلية، فالمرأة في برامج التلفزيون هي مقدمة برامج جميلة وصغيرة وليست محاورة ذكية تعتمد على ثقافتها مثلا.
ويمكن القول: أن القوى الدينية المحافظة هي أكثر تقليدية وتزمتا في إظهار صورة المرأة، ولكننا لا نعدم ظهور برامج وأخبار وأنشطة إعلامية تظهر المرأة العاملة والمنتجة والمثقفة، وتتحدث عن حقوق المرأة بشكل حقوقي ونسوي متقدم كما في برامج بعض وسائل الإعلام الخاصة والمستقلة وضمن برامج محدودة ويعود ذلك بشكل كبير إلى جهود الهيئات النسوية أو انحياز ملاك الوسيلة الإعلامية لهذا الفهم.
بشكل عام تغلب على صورة المرأة الصورة النمطية التقليدية التي تعكسها الثقافة السائدة والقوى الاجتماعية والسياسية المسيطرة، وهذه الصورة جرى تكريسها في المناهج التعليمية، كما انعكست في التشريعات والقوانين وفي الخطاب الرسمي الحكومي والديني وحتى الفصائلي الذي ما زال يحاذر الاقتراب من المسألة الرئيسية وهي قضية المساواة، فيناور حولها بمصطلحات فضفاضة من قبيل الانصاف والتمكين والاعتراف بحقوق المرأة التي تنص عليها المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها دولة فلسطين وخاصة اتفاقية مناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، فصورة المرأة في مناهج التعليم لم تخرج بعد عن الصورة الكاريكاتورية الشائعة "ماما تطبخ .. بابا يقرأ الجريدة"، فالمرأة هي مخلوق مكرس للعمل المنزلي والإنجاب ورعاية الأطفال، بينما الرجل مكرس للعمل ومصدر الدخل وهو الذي يعنى أيضا بالقضايا المهمة والكبيرة كالسياسة والشؤون العامة.
أما الخطاب الديني فلم يفارق صورته النمطية التمييزية والقائمة على مبدأ "قوامة الرجل"، وعدم جواز تولي المرأة المناصب العامة، وكل ذلك انعكس في منظومة التشريعات وبخاصة في قانون الأحوال الشخصية وحتى في قانون الخدمة المدنية الذي يحرم المرأة من توريث راتبها التقاعدي كما يحرم المرأة من الاستفادة من بعض العلاوات كالأولاد.
ولعل ما سبق يفسر استمرار تردد السلطة الفلسطينية في إعمال اتفاقية سيداو ومواءمة القوانين والتشريعات المحلية التي تنسجم مع هذه الاتفاقية.

