Menu

المقدّماتُ الرسميّةُ للتسوية والتطبيع دور اتفاقيّات الهدنة العربيّة الإسرائيليّة في تكريس النكبة

د . عابد الزريعي

نشر في العدد 50 من مجلة الهدف الرقمية

مدير مركز دراسات أرض فلسطين للتنمية والانتماء/ تونس

كثيرةٌ هي الكتاباتُ التي تتحدّث عن النكبة، لكن التركيز قليلٌ في أغلبها على اتفاقيات الهدنة بوصفها الفصلَ الأهمّ في تلك النكبة؛ لأنّه كان بمثابة ترسيمٍ وتكريسٍ لها على مدى الخمسة والسبعين عامًا الماضية. فإذا كانت النكبة بمعناها الأشمل هي اللحظةُ التاريخيّة لتحوّل التراكم الكمّي الاستيطاني على أرض فلسطين، إلى كيفيّة ونوعيّة جديدتين حملت اسم "دولة إسرائيل" فإنّ اتفاقيات الهدنة التي ولدت على أرضية النتائج التي تمخّضت عنها حرب عام 1948، كانت بمثابة الإقرار والاعتراف بذلك التحوّل. وقد تجسّدت تلك الاتفاقيات في مجموعة الاتفاقيات الموقّعة خلال عام 1949 بين "إسرائيل" والدول العربيّة التي شاركت في حرب عام 1948 باستثناء العراق. وتمثّلت حسب الترتيب التاريخي في الاتفاقية الموقّعة مع مصر في 6 يناير 1949، ومع لبنان في 23 مارس 1949، ومع الأردن في 3 ابريل 1949، ثمّ مع سورية في يوليو 1949. وهدفت إلى وضعّ حدٍّ "للأعمال العدائيّة" الرسميّة للحرب العربيّة - الإسرائيليّة 1948. ولقد جاء التوقيع على هذه الاتفاقيات تنفيذًا لقرار مجلس الأمن رقم 62 الصادر في 16/11/1948 والداعي إلى إقامة هدنةٍ دائمةٍ "رغبةً في تمهيد الطريق للانتقال من الهدنة الحالية إلى سلمٍ دائمٍ في فلسطين". وقد أصدر مجلس الأمن قرارًا بتاريخ 26/11/1948 دعا الطرفين؛ اللبناني والإسرائيلي إلى التفاوض لإقرار هدنةٍ وَفقًا لأحكام المادة (40) من ميثاق الأمم المتحدة، وأنشأت الأمم المتحدة وكالاتٍ للإشراف وتقديم التقارير، لرصد خطوط الهدنة المقرّرة. وبالإضافة إلى ذلك، أدّت المناقشات المتعلّقة بإنفاذ الهدنة إلى التوقيع على الإعلان الثلاثي المنفصل لعام 1950 بين الولايات المتّحدة وبريطانيا وفرنسا، وتعهّدوا فيه باتّخاذ إجراءٍ داخل الأمم المتّحدة وخارجها لمنع انتهاكات الحدود أو خطوط الهدنة، كما أوضح التزامها بالسلام والاستقرار في المنطقة، ومعارضتها لاستخدام القوّة أو التهديد باستعمالها، وكرّرت الإعراب عن معارضتها لتطوير سباق التسلّح. لقد ترتّب على هذا التوجّه الأممي الذي وقّعت الاتفاقيات على أساسه مجموعة نتائج تتبدى فيما يلي:

أوّلًا: التشتيت الديمغرافي والتقسيم الجغرافي

ترتّب على اتفاقيات الهدنة من حيث المبدأ الإقرار بالنتيجة الديمغرافية التي تضافرت جميع أشكال الإرهاب الصهيوني على إنتاجها، وتمثّلت في تهجير ما يزيد على 800000 فلسطيني، ولم يبقَ إلا 160000 منهم في مناطق الجليل والناصرة ويافا والنقب. وكذلك الإقرار بالنتيجة الجغرافية الناجمة عن العدوان والتكيف معها، فقد قسم الخط الأخضر (الأخضر نسبة إلى لون القلم الذي رسمت به خطوط الهدنة) الناجم عن اتفاقيات الهدنة فلسطين إلى ثلاثة أقسام. الأوّل وتبلغ مساحته 50777 كلم أي 4,77 % من مساحة فلسطين أقيمت عليه "إسرائيل". والثاني وتقدر مساحته 5878 كلم أي 3,20 % من مساحة فلسطين، ويعرف بالضفّة الغربيّة، ألحق بالأردن. والثالث وتبلغ مساحته 363كلم أي ما يعادل3,2 % من مساحة فلسطين، ويعرف بقطاع غزة، وضع تحت الإدارة المصريّة، وبذلك تكوّنت المنطقة السياسيّة الفلسطينيّة من قسمين متباعدين، هما الضفة الغربية وقطاع غزة، تفصل بينهما أراضي دولة معادية، وبذلك أنهت النتيجة الجغرافية الناجمة أيّة إمكانيّة لتنفيذ قرار الأمم المتّحدة رقم 181، وهو الهدفُ الذي سعت العصابات الصهيونيّة إلى تحقيقه من خلال الاستيلاء عنوةً على جزءٍ كبيرٍ من الإقليم المخصّص لإقامة الدولة العربيّة. هذا إضافةٌ إلى جملةٍ من الانعكاسات السلبيّة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والإداريّة على حياة أبناء الشعب الفلسطيني.

ثانيًا: تفكيك التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني:

أدّت اتفاقيات الهدنة دورًا حاسمًا في نفي الشخصيّة التمثيليّة للشعب الفلسطيني ومصادرتها وتقسيمه، فقد حُرم الفلسطينيّون بعد النكبة من وجود إطارٍ سياسيٍّ موحّد، بعد أن سُلبت الأرض وشرّد السكان وتوزع القرار السياسي. وقد تبدى ذلك من خلال استبعاد الشعب الفلسطيني تمامًا من تلك الاتفاقيات التي لم تتطرّق لوجوده بوصفه ممثّلَ منطقة القلب "فلسطين". ولم يُسأل الفلسطينيون رأيَهم في الخط الأخضر أثناء التوقيع على تلك الاتفاقيات، وبالنتيجة قُسم الشعب الفلسطيني ووزّع بين من هم داخل "إسرائيل"، ومن هم تحت الحكم الأردني، ونالوا الهُويّة الأردنيّة؛ بسبب إلحاق الضفة الغربية بمملكة شرقي الأردن، استنادًا لمقررات مؤتمر أريحا، في أول كانون الأول 1948، الذين وقّعوا تحت الحكم المصري في قطاع غزة ونالوا الهُويّة المصريّة، إضافةً إلى من تشتّت في مختلف البلدان العربيّة. كما انقسم العرب بشأن الاعتراف بحكومة عموم فلسطين التي رفضت كلّ من الأردن و العراق الاعتراف بها؛ بهدف ضمان استمراريّة إلحاق الضفة بشرقي الأردن.

ثالثا: استلاب مزيد الأراضي والموارد لصالح إسرائيل:

تسبب توقيع اتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل في خسارة 59 كلم مربع من مساحة قطاع غزة البالغة 565 كم لصالح إسرائيل، وبموجب اتفاقية «التعايش» الموقعة بين الطرفين في العوجا سرًّا بتاريخ 22 شباط 1950، أي بعد سنة من اتفاقية الهدنة، وسجّلت في مجلس الأمن في 17 آذار1950، اقتطع على أثرها 200 كلم مربع من مساحة القطاع ليصبح 365 كلم مربعًا تفتقر للموارد الاقتصادية وتفتقد للاتصال بالعالم الخارجي إلا عبر مصر، كما قسم خط الهدنة مدينة القدس إلى قسمين منفصلين. كذلك طالت عملية القضم منطقة المثلّث التاريخيّة التي تقع جغرافيًّا ضمن نفوذ جبال نابلس، وتمتدُّ من جنين شمالًا حتى مدينة نابلس جنوبًا وطولكرم غربًا، ذلك أنّ إحدى بنود الاتفاقية ينص على أن تقوم المملكة الهاشمية الأردنية بإعادة القسم الغربي من منطقة المثلث لإسرائيل، التي تمتدُّ من كفر قاسم جنوبًا حتى مفترق مجدو شمالًا على طول 50 كلم وعرض 5 كلم على شكل مستطيل، كما تجاهل خط الهدنة بين الضفة الغربية و"إسرائيل" انتشار أراضي الفلسطينيين وموارد رزقهم، فقطع أثناء سيره أراضي 75 قرية، يبلغ عدد سكانها نحو 96 ألف نسمة، إضافةً إلى عشرات الآلاف من السكان من سكان القدس وقلقيلية وطولكرم. ومنع القرويين في المنطقة الحدوديّة من الوصول إلى أراضيهم السهلية الموجودة في مرج بن عامر والسهل الساحلي ومدنه. إضافةً إلى ذلك تمّ رسم خطّ الهدنة في الضفة الغربيّة بين منطقةٍ جبليّةٍ مرتفعةٍ في الشرق، ومنطقةٍ سهليّةٍ منخفضةٍ في الغرب، بما يسمح بوضع يد إسرائيل على مخزون المياه الجوفيّة، وهو الهدفُ الذي سعت إليه وتمكّنت منه من خلال الضغط على لجنة الهدنة، في قطاع غزه، بحجّة منع المتسللين للاستيلاء على أراضي عبسان وخزاعة، لتقليص مساحة القطاع قدر الإمكان، والاستيلاء على المياه الجوفية في شماله.

رابعًا: تأسيس الاعتراف بإسرائيل:

ليست خطوط الهدنة بالمعنى الاصطلاحي حدودًا سياسيّةً أو إقليميّة، ويتلخّص هدفها في تعيين الخطوط التي يجب ألا تتجاوزها القوّات المسلّحة التابعة للأطراف المتحاربة. لكن في الحالة الناجمة عن اتفاقيات الهدنة العربيّة الإسرائيليّة، فقد تطابقت تلك الحدود إلى حدٍّ ما مع حدود فلسطين في عهد الانتداب البريطاني، وجرى فيها تحديد الخط الأخضر الذي أصبح حدودًا رسميّةً بين إسرائيل والدول العربية، بما ترتّب عليه من مكاسبَ جغرافيّةٍ صافيةٍ لإسرائيل، وبذلك أسفرت موضوعيًّا عن الاعتراف بها، وتحديد حدودها، بما سمى بـ«الخط الأخضر» الذي بات يمثّل سياجًا ذهنيًّا لما تمّ السيطرة عليه. وبالنتيجة القبول بها ـــ بغض النظر إن كان ضمنيًّا أو صريحًا ــ خنجرًا في قلب الوطن العربي، وربط كل حديث أو صيغ تسوية معها بالحدود المترتّبة على تلك الاتفاقيات.

خامسًا: تأسيس مبدأ الحماية و" السيادة":

ترتّب على الترسيم الحدودي المترتّب على تلك الاتفاقيات، تحمل الدول العربية الموقعة مسؤوليّة أي اعتداءٍ تتعرّض له إسرائيل عبر تلك الحدود، وبالنتيجة منع مقاومة الشعب الفلسطيني، وقيامها بدور حارس الحدود والحامي لإسرائيل؛ الأمرُ الذي يفسّر عمليات قمع المقاومين سواء قبل 1967 إلا باستثناءاتٍ قليلةٍ أو بعدها. ومن المفارقات في هذا الجانب أن مناهضي المقاومة اللبنانية يتذرعون باتفاقيات الهدنة للمطالبة بسحب سلاح المقاومة، ولم يتورع هؤلاء عن القول بوضوح: "لا يزال الالتزام باتفاقية الهدنة من جانب لبنان الرسمي؛ لأنّ هذا الالتزام ميثاقي لبناني توافق عليه اللبنانيون على أساس أنّه جزءٌ أساسيٌّ من استراتيجية معالجة الوضع الجنوبي وتحرير الأرض من الاحتلال. إنّ اتفاقية الهدنة تلزم كلتا الدولتين الموقعتين عليها بضبط القوى غير النظاميّة وشبه العسكريّة التي تستخدم أراضيهما لإطلاق عمليّاتٍ عسكريّةٍ ضدّ الطرف الآخر. ومن ثَمَّ من ضمن الالتزامات القانونية الملقاة على عاتق الدولة اللبنانية، بموجب الاتفاقية أن تعمل الدولة على منع المنظمات غير النظامية ومنها الميليشيات المسلحة اللبنانية والفلسطينية عن القيام بأي عملٍ حربيٍّ أو عدائيٍّ ضد القوى العسكريّة أو شبه العسكريّة للفريق الآخر أو ضد مدنيي أرضٍ واقعةٍ تحت سلطانه أو أن تتعدى أو تجتاز خط الفصل للهدنة".

سادسًا: تأسيس مبدأ الاتفاقيات المنفردة:

جاءت اتفاقيات الهدنة لتكرّس مبدأ التفاوض المنفرد باعتبارها سابقةً تفاوضيّة، لم تكن غائبةً عن ذهن المفاوض الإسرائيلي والأطراف الدوليّة منذ ذلك الحين، فالدولُ العربيّةُ لم تتفاوض فريقًا واحدًا، وإنّما تفاوضت إسرائيل مع كلّ دولةٍ على حدة، حيث وقعت مع مصر بتاريخ 24 فبراير 1949 ثمَّ لبنان في 23 مارس 1949 ثمّ الأردن بتاريخ 3 أبريل 1949، ولينتهي الأمر بسوريّة بتاريخ 20 يوليو 1949. وقد شكلت الاتفاقية المصريّة الإسرائيليّة الأرضية التي حكمت مسارات التفاوض بين (إسرائيل) ولبنان والأردن وسورية للتوقيع على اتفاقات هدنةٍ دائمة، وقبول نصوص لعلّه ما كان ليرضى بها لولا توقيع الاتفاقية المصريّة – الإسرائيليّة أوّلًا، وهذه أحد أساليب العمل الإسرائيلي، وهو جرّ دولةٍ عربيّةٍ إلى اتّخاذ مواقفَ معيّنةٍ تصبح حجةً تجابه بها الدول العربيّة الأخرى، مستوى مقبولًا من التعامل بين الطرفين، وهو المسار الذي شق طريقه في اتفاقيات التسوية والتطبيع اللاحقة.

خاتمة

كانت اتفاقيات الهدنة بمثابة الترسيم والإقرار بوجود "إسرائيل" بوصفها الحالة الكيفيّة الجديدة الناجمة عن التراكم الكمّي للتموضع الاستيطاني في فلسطين، وهو إقرارٌ دوليٌّ وعربيٌّ في الوقت ذاته، ترتّب عليه مجموعةٌ من النتائج الكارثيّة على الشعب الفلسطيني ومستقبل الصراع مع الكيان الصهيوني؛ الأمرُ الذي يفرضُ تسليط الضوء عليها لنقدها ونقضها تمامًا، مثل اتفاقيات التسوية والتطبيع التي لم تكن إلا امتدادًا لها.