Menu

كيف لي ألا أكونَ على قدر الوصيّة؟

أحمد نبيل أبو زلطة

دائمًا ما يكون الحديثُ في مناسبات الفقد قاسيًا وصعبًا؛ من أين أبدأ رفيقي أحمد؟ فالكلامُ في حضرة الغياب يعجز، حاولت ألا أكتب في وداعك، ولكن أمام حضورك الغائب لم أستطع إلا أن أرثيك؛ أرثي الرفيق والصديق والقريب الذي لطالما عُرف بين أهله ورفاقه بتواضعه غير المتناهي وحبّه غير المحدود وعشقه للنضال من أجل قضيّتنا المركزيّة فلسطين.
رفيقي أحمد ما زالت تفاصيل لقائنا الأخير في مطار برج العرب حاضرة، لتمزج الدموع سيلًا من الذكريّات؛ عرفت من خلالك ما الغربة؟ والكلفة الحقيقيّة للغربة وفاتورتها؟ التي دفعتها في حياتك حتى رحيلك. لقد استطاع أحمد أن يخلق من ألم الغربة دافعًا للمزيد في حب الوطن والمزيد من التضحيات؛ فكانت فلسطين دائمةً وكثيفةَ الحضور في كلّ أماكن وجوده.
رفيقي أحمد لطالما حدثتني عن الحكيم و أبو علي مصطفى وعن شهداء الثورة الفلسطينيّة الذين آمنوا دائمًا بأنّ المقاومة سبيلنا للتحرير، وعن ويلات نهج التفريط المسمّى بالمفاوضات مع الاحتلال الصهيوني؛ كنت مثالًا حيًّا على المثّقف الذي يحمل بندقيّته في يد، وقلمه في اليد الأخرى، ورحلت على ذلك.
أرهقتني وصيتك بأن أكون حاضرًا يوم مماتك التي جاءت بلهجةٍ مازحةٍ تحمل في طيّاتها حديثًا جدّيًّا يائسًا من الغربة وويلاتها، بأن أكون من القائمين على تحضير تفاصيل الجنازة والدفن؛ كيف لا وأنت الحاضر الغائب يا رفيقي؟ كيف لا وقد رحلت نسرًا في سماء الثورة الفلسطينيّة؟ ليس من السهل تحمّل أعباء الوصيّة.. فكيف لي ألا أكون على قدر الوصيّة وإن كنت مازحًا؟ وأنت الجاد حتى في مزحك؟ 
رفضتك بلادٌ أغرقت في تقسيمها وفي اتفاقياتها مع الكيان الغاصب، وودعت أهلك ورفاقك هناك بعيدًا عن تراب الوطن في تركيا، بحضور أهلك ورفاقك مكفّنًا بالعلم الفلسطيني وعلم الجبهة الشعبيّة التي انتميت إليها وآمنت بها، طريقًا لتحرير فلسطين؛ ودّعك رفاقك بالقسم؛ وعهدًا أن نكون على قدر الوفاء لك يا رفيق الدرب ومشوار الكفاح الوطني الطويل والمستمرّ.
إلى اللقاء يا رفيق... سنكمل من بعدك المسيرة؛ فارقد بسلامٍ وطمأنينّة، وانقل سلامنا للرفاق الذين ساروا على الدرب ولم يحيدوا أبدًا.
أحمد مصطفى جابر المثقّف الوطني الواعي المدرك لعدالة قضيّته... وداعًا؛ فسلامٌ عليك يوم ولدت ويوم رحلت ويوم تبعثُ حيًّا.