Menu

أحمد جابر.. المثقّفُ المدميُّ بالجراح

موسى جرادات

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة الهدف الإلكترونية

"لستُ أملكُ إلا القميصَ الذي فوقَ جِلدي

وقَلبي وراءَ القميصِ يَلوح.." مظفّر النواب

يختصرُ ما قاله الشاعرُ مظفّر النواب كل صفات أحمد جابر، الذي عاش وفيًّا لقناعاته حتى الرمق الأخير، والوفاء لتلك القناعات لم يكن مصدره الإيمان العميق بها، بل محصّلةٌ حتميّةٌ لرؤيته للحياة على امتداد سنين عمره التي أمضاها بحثًا عن حلولٍ عمليّةٍ لهواجس شعبه منذ عقود؛ حلول يتخطّى بها ما هو فرديٌّ وآنيٌّ ومتاحٌ لأيّ مثقّف، لهذا كان أحمد شديد الحساسيّة والتوجّس والقلق الدائم، على دور المثقّف وخاصّة الفلسطيني، وبالتحديد في أتون الصراعات والانقسامات التي حدثت في صفوف الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة؛ فالفرز واضحٌ بالنسبة له، إمّا أن تكون مع فلسطين، وإمّا أن تكون خارج هذه المعادلة، والتوسّط بينهما، مجرّد وهمٍ لا طائل منه.

من هنا قد تكون تجربة أحمد، في العمل الثقافي، قد رسخت قناعةً مفادُها، ضرورة أن يؤدي المثقف دور الناقد الحر، القادر على إبداء الرأي، بعيدًا عن كل الضغوط والمغريات، بعيدًا حتّى عن التبعات المترتّبة على هذا الرأي.

لقد تجاوز أحمد في هذا المضمار أشواطًا كثيرة، ليس فقط فيما قدّمه من نصٍّ مكتوب، بل طالت آليّات النقد لديه، مجمل ما قدمه الوسط الثقافي الفلسطينيّ من نصوص، رآها بعينٍ ثاقبة، ووضعها تحت ثوّابته التي لا تتزحزح، ليخرج بعدها كاشفًا الغطاء عمّا هو سياسيٌّ متبلورٌ تحت قناع الثقافة؛ سياسي يتغطى بالعنوان الثقافي، في محاولةٍ للهروب من باب المسائلة.

وهنا ليس المقصود بالتعبير السياسي، الحط من قيمة السياسة، بل قدرة السياسة على إخضاع البعد الثقافي لها، وتوظيف هذا البعد في خدمتها، وجميعنا يعرف أنّ الرؤية السياسيّة المنحرفة في الساحة الفلسطينية، قد وُلِدت من تنظيراتٍ ثقافية، قبل أن تجد لها مكانًا في مشاريعَ سياسيّة، تحوّلت فيما بعد للفتك بكل منجزات الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، ففي منظور أحمد أن إعادة الاعتبار للثقافة ودورها ومكانتها، هي النقطة الأولى التي ستعيد الاعتبار إلى المكانة الفعلية للسياسة والسياسيين الفلسطينيين، وليس العكس، وليس غريبًا أن نرى اليوم مكانة الثقافة والمثقفين بعد عقودٍ من هيمنة المشاريع السياسيّة، على كل الفضاء الفلسطيني. صحيحٌ أن الحالة تصح على كل التجارب اليوم، لكن في الحالة الفلسطينيّة، لديها خصوصيّتها؛ فهيمنة السياسة على ما عداها فتح الباب على غياب معايير التقييم، فأصبح الخطاب السياسي الفلسطيني مسكون بكل أشكال الزيف والخداع، وأصبح السياسيون الفلسطينيون خارج حدود المسائلة، والمراجعة أيضًا، حتى وصل الأمر إلى الجمود والتحنيط والصنمية التي نراها ماثلةً أمامنا.

أحمد جابر لم يختر الصحافة مهنةً أراد منها الحرفيّة، وقد نجح فيها، خياره في الأصل كان منصبًّا على إيجاد اللحمة ما بين دور الصحافة ومحدوديتها، إن غابت عنها الرؤية الثقافيّة الجامعة. لقد جاء للصحافة من باب الثقافة، التي عزّزها بمخزونٍ كبيرٍ من قراءته للتاريخ الإنساني ولعلومه الإنسانيّة المختلفة، لهذا نفهم قدرته على تحرير وصياغة النص، بذائقته الخاصة والمتميزة والفريدة، لقد أعطى للنص الصحفي معنى، وهو المجبول بمحبة الشعر، قديمه وجديده؛ ذائقة تحمل معها المفردات والمفاهيم والمصطلحات يُجيرها في قالبه الخاص، حيث بتنا نرى الأعداء على حقيقتهم الفعلية، مهما تغطّوا بداء العظمة الذي يسكنهم منذ أن تربّعت على أرضنا مشاريعهم، من خلال لغته وكتاباته ومفرداته الحية؛ كشفت موات لغة الآخر "العدو" وتصحّرها، وكشفت أيضًا محاولات الأعداء التفلّت من النهايات الحتميّة التي تنتظرهم على الأبواب.

كتب أحمد جابر في كل ما يختصّ بشؤون العدو، بقضاياهم السياسيّة والثقافية والاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة، وعينه على المشهد الكلي، ليقدم بعدها الخلاصات التي نحتاجها في معرفة اللحظة الحقيقيّة التي تسكنهم، لم يقدمها على سبيل العرض لها نصوصًا ومتونًا، بقدر ما قدّمها بما تحمله من معاني ودلالات عميقة، تكشف المستور وتحيلها إلى معاني واضحة، علنا نستفيد منها، قدّم الواجب كما يراه وفق منطوقه، وترك لنا مهمة الحكم عليه.

المثقّفُ المدميُّ بالجراح:

حمل أحمد القلم سلاحًا له في المعركة مع الأعداء، كما حمل السلاح قبله، لكن معركته كانت واحدة؛ فالكلمة الملتزمة الواعية المنخرطة في المعركة، هي أخت الطلقة في المعركة، فلا طلقة من دون كلمة تشرعنها، تصوبها وتبقيها حيةً في ذاكرةٍ يراد لها أن تمحى، وأن يحل بدل منها ذاكرةٌ مصنعةٌ في مختبر الأعداء، وما بين الوعي وكي الوعي مسيرة الفلسطيني منذ النكبة حتى الآن، ولم تشذ مسيرة أحمد عن هذا المسار، لكن حتى تبقى للمسيرة معنى، لا بد من أن يكون لرواد الكلمة في مسيرة الكفاح الفلسطيني دورهم الفعلي والحقيقي، دورٌ فاعلٌ ومؤثّر، مؤطّرٌ قادرٌ على تفعيل دور الثقافة في الحياة الفلسطينية؛ فالبطولات الفردية في هذا المضمار، تكتب على شكل تجاربَ فرديَة، فيها من البطولة والتضحية والفناء من أجل القضية، لكنها لا تغني عن حضور الثقافة بكل مكوناتها، كما بدأت مع مطلع الثورة الفلسطينية المعاصرة، التي فتحت الباب وآخت ما بين البندقية والكلمة، لهذا وصل الصوت مدوّيًا إلى كل أرجاء العالم؛ لنعود بعدها إلى مسيرة الانحدار من جديد. ولكي نصون إرث أحمد ومن سبقوه من الشهداء، علينا البحث عن مخرجٍ لهذا المأزق الذي نحياها اليوم؛ البحث عن حلولٍ مقنعة، قابلةٍ للفعالية والحياة، قادرةٍ على حماية "المثقّف المشتبك" وحماية رسالته؛ فأحمد الذي عاش مثخنًا بالجراح، دون أن يعلن ذلك، بعد أن سكنته الفكرة وسكنها، أصبح الألم جزءًا من هذا العراك، حتى غاب جسدًا، وبقيت الفكرةُ التي لا تموت؛ لأنّ ما ينفع الناس دومًا يسكن في الأرض.. سيظل أحمد يسكن معنا دومًا كما عهدناه.