Menu

السودان ومنزلق الحرب الأهليّة

حمدي عبد العزيز

نشر في العدد (51) من مجلة الهدف الرقمية

لم يكن الصراعُ الذى اندلع في الخامس عشر من نيسان إبريل 2023 إلا تفجيرًا لكوامن صراعاتٍ حادّةٍ ترقدُ في باطن المجتمع السودان ي، تتشابكُ فيها عواملُ التناقضات التي عجز المجتمع السوداني ونخبه السياسيّة المتعاقبة عن حلّها، التي جعلت المتابع لتاريخ السودان بعد الاستقلال يلخص أوضاعه السلطويّة في حلقات تتابعٍ بين حكوماتٍ ديمقراطيّةٍ تهتمّ بالمنحى الليبرالي للحصول على السلطة، لكنّها تخفق في إنجاز المهمتين الرئيسيتين اللتين ظلّتا فريضةً غائبةً عن الحكومات المدنيّة والعسكريّة، وهما إنجاز مشروعٍ تنموي ينهض بمقدرات السودان (وهى ليست هيّنة) يضمن تحديث حياة الإنسان والمجتمع السوداني بالتضافر مع المهمّة الثانية، وهى مهمّة الترسيخ لدولةٍ مدنيّةٍ حديثةٍ ذات أعمدةٍ مؤسّساتيّةٍ وطنيّةٍ تقوم على أساس مبدأ المواطنة الذى يساوى بين السودانيين على تنوّعاتهم العرقيّة والدينيّة والثقافيّة.. وظلّ الواقع السياسي السوداني منذ إعلان استقلال السودان في يناير 1956، وحتى تاريخه تحت رحمة تتابع سلسلةٍ طويلةٍ من الانقلابات العسكريّة التي أوصلته - مع انعدام أي مشروعٍ تنموي جاد - إلى أن يظلّ دائمًا على حافة حروبٍ أهليّة، منها ما قسم السودان إلى سودانين شمالي وجنوبي، ومنها ما يهدد بالمزيد لينتهي السودان الذي عرفناه منذ استقلاله بلدًا تزيد مساحته عن المليونين والنصف من الكيلومترات المربعة بما تحويه هذه المساحة من موارد طبيعية معدنية وزراعية ذات مياه وفيرة لم تستغل بعد إلى دويلاتٍ فقيرة... 
لم يكن انقلابُ 1989 هو الانقلاب العسكري الأوّل في تاريخ السودان منذ استقلاله عام 1956 فقد سبقته سبعة انقلابات (أو ربّما ما يزيد مما لم يعلن عنه) منها أربعة انقلابات عسكرية تم إحباطها وتصفية القائمين بها، وثلاثة انقلابات نجح الجنرالات عبرها في الاستيلاء على مقاليد السلطة مددًا طويلةً، كان المشترك الأعظم بين فترات حكمها هو الاستبداد القومي الإسلاموي والاستبداد والقمع المركزي الذى عمق الاستعلاء والازدراء لكل ما هو غير منتمٍ لثقافة الأرستقراطيّة العربيّة الإسلامويّة مقابل قهر السودانيين وتهميشهم من أبناء العرقيّات والثقافات غير العربيّة، وقبل ذلك المزيد من الإفقار والحرمان الاقتصادي لعموم الشعب السوداني؛ ما ساعد على امتداد التمزقات في عمق المجتمع السوداني وفقدان المجتمع المفعم بالتكوينات والثقافات الإثنية المتنوعة الأمل في سودان عادل بين أبنائه يرم تمزقاتهم الروحية والاجتماعية تحت عباءة المواطنة... تلك العباءة التي غابت بغياب فريضة إنجاز مهمة تأسيس الدولة الوطنية الحديثة القادرة على إيجاد رابط الأمّة وتعميقه.
وهكذا فقد ضاع الوقت من 1956 وحتى تاريخه دون الانتقال من دولة الاستقلال إلى النقطة التالية من جدول الأعمال، ألا وهى بناء الدولة الوطنية الحديثة، ليأتي انقلاب 1989 بمكوناته وكوارثه ونذير شؤمه فيظل نظام انقلاب البشير مهيمنًا على السلطة مدة ثلاثين عامًا متصلة، جرى فيها ما جرى من تجريفٍ لقدرات السودان وإعادة هيكلة الجيش لتسيطر عليه عناصر تحالف المؤتمر القومي (حزب البشير) والجبهة الإسلامية (اخوان حسن الترابي) فيبتعد الجيش السوداني بمسافةٍ أكبر من ذي قبل عن إمكانيّة أن يكون يومًا ما جيشٌ لكلّ الشعب السوداني ومن كونه مؤسّسةً عسكريّةً وطنيّةً قوميّةً محترفةً تأتمر بأمر الشعب عبر مؤسّساته الدستوريّة التي تستلهم عملها من دستورٍ مدنى يحكم الحاكم والمحكومين، وليتحول بعد أن تمزقت أوصاله في حرب تحمل كل  أوزار نظام نميري المستبد ورزاياه ضدّ الجنوب الذى تمرّد على مركزيّة الشمال واستبداد سلطته واستعلائها ونخبها وصلف حزب الأمة القومي حزب الأغلبية الدائمة، فكانت النتيجة تمزق الجيش وتحوله إلى ما يشبه المليشيات العسكرية التابعة للحاكم، بل زاد البشير الطين بلة بأن ضم عصابات الجنجويد التي ارتكبت أبشع الفظائع والمذابح في إقليم دارفور، وهى الفظائع التي وثقتها المحكمة الجنائية الدولية، وأصدرت لائحة بالمتهمين فيها يتصدرهم البشير وكبار أعمدة نظامه ومسؤولو أجهزته الأمنية والعسكرية، وهو ما يعرف بملف دارفور.
وهكذا حول البشير ميليشيات الجنجويد إلى نظام خاص داخل الجيش أطلق عليه (قوات الدعم السريع) ليترأسها فيما بعد رجل القبائل وتاجر الإبل محمد حمدان دقلو، الذي سيصبح فيما بعد نائب رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان وشريكه في قطع الطريق على قوى الثورة السودانية والاستيلاء على السلطة عام 2019. ليس هذا فقط ما صنعته يد نظام انقلاب 1989 أو نظام حسن البشير أو فلنقل تحالف المؤتمر القومي وإخوان السودان بل عندما تم - بفضل صلف هذا النظام وغبائه واستبداده بتحالفاته وحلفائهم وبتواطؤ ضمني من حزب الأمة القومي السوداني - الوصول لذروة اللحظة الحرجة التي شطرت السودان إلى سودانين عام 2011 (سودان شمالي، والآخر جنوبي) فذهب الجنوب بآبار النفط السوداني، ودخل السودان نتيجة ذلك في أزمةٍ اقتصاديّةٍ طاحنةٍ ارتفع فيها التضخّم إلى معدلاتٍ غير مسبوقة عالميًّا وبدرجاتٍ فوق الوصف؛ ما أدى لانسحاق الغالبية الساحقة للسودانيين تحت وطأة الإفقار رغم مقدرات السودان الطبيعية الهائلة والمتمثلة في المساحات الشاسعة التي تحوى على ملايين الأفدنة والهكتارات التي يمكن أن تحقق الكفاية الغذائية للسودان وجيرانها، وبينما تستولى شركات الإمارات على مساحاتٍ هائلةٍ من الأراضي الزراعيّة داخل السودان لتحقّق بها للإمارات كفايتها من الحبوب والمحاصيل الغذائية والثروة الحيوانية تظل الغالبية الساحقة من الشعب السوداني، ونتيجة لغياب المشروع الوطني التنموي الجاد فريسة للإفقار والتجويع للدرجة التي جعلت السودانيين يفرون من جحيم الجوع والحروب إلى الدول المجاورة رغم أنها دول عثرات اقتصادية واجتماعية، ولكن الهروب إلى الرمضاء على الأقل هو أفضل من البقاء في النار والجحيم السوداني.
كانت هذه الأحوال هي ما أدى إلى اندلاع انتفاضة 2013 التي تولى محمد حمدان دقلو، وهو على رأس قوات الأمن السريع قمعها لتهدر دماء مئات المحتجين من الشعب السوداني في الشوارع والميادين السودانية، وهكذا صعد نجم حميدتى رجل المهام الصعبة الذى سيصبح فيما بعد وكيلًا للمصالح الخليجية والدولية داخل السودان بعد أن قدم أوراق اعتماده لدول الخليج عندما شارك في حرب اليمن، وقدم أرواح أكثر من أربعمائة جندي من قوات التدخّل السريع، ثم تحوّله إلى وظيفة الكونستابل الذى يعمل لصالح دول الإتحاد الأوربي في الحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية القادمة من أثيوبيا وأريتريا عبر صحراء السودان. 
هذا هو حمدان دقلو تاجر الإبل الذي أصبح القائد العسكري صاحب مناجم الذهب وشريك دولة الإمارات ورجل مصالحها في السودان، الذى أصبح الشريك والحليف لعبد الفتاح البرهان الابن البار لتحالف جنرالات البشير مع الجنرالات الذين تخرجوا على يد الترابى (الجبهة الإسلامية) في القفز على أكتاف الثوار عام 2019 والاستيلاء على السلطة ثم شريكه في انقلاب أكتوبر 2021، ولذلك فالبرهان بمجرد أن اندلع الصراع بينه وبين نائبه دقلو أسرعت قواته في يوم 23 أبريل 2023 بفتح سجون كوبر وأم درمان ليتم تحرير أعمدة نظام البشير والحركة الإسلامية السودانية من السجون لينتزع دعم فلول نظام البشير والإخوان المسلمين قبل أن يسبقه إلى هذا الدعم خصمه دقلو.
وإذا كان دقلو قد لجأ بدوره إلى إحياء تحالفاته القبلية القديمة فإن التحالفات والقوى التي تقف وراء الرجلين ليست في الداخل السوداني فقط.
مع الوضع في الاعتبار أن القوى المدنية بدرجات متفاوتة لا تستطيع المجازفة بالانعطاف نحو هذا الصراع، فهي في مرحلة إعادة ترتيب الأوراق واسترجاع الدروس وتنظيم الصفوف لعلها تستطيع تجاوز أزماتها وأمراضها التاريخية المزمنة وضعفها الملحوظ، ثم أن ساحاتها هي ساحات العمل السياسي وسط الجماهير لا حمل السلاح مع هذا الطرف أو ذاك.
ففي حين أن الإمارات وقوات فاجنر الروسية وأطراف قد تكون منها أثيوبيا ودول أخرى تقف مع قوات الدعم السريع وتقدم لها الدعم اللوجستي باعتبار أن دقلو هو الضامن لمصالح هذه الجهات داخل السودان؛ فإن البرهان هو الآخر يتمتع بدعم أطرافٍ أجنبيّةٍ أخرى لم تعلن عن نفسها صراحةً ولكن إعلامها الرسمي يفضح توجّهاتها، كالسعودية ومصر، هذا كله إلى جانب تداخلات الدول الكبرى هنا أو هناك، كلٌّ طبقًا لما يخدم مصالحه لا مصالح الشعب السوداني، بالإضافة إلى تغلغل الدور الإسرائيلي في السودان على نحو يتطلب إفراد دراسةٍ مستقلّة.
لا يهم هنا تحديد التداخلات الإقليمية والدولية مع هذا الطرف أو ذاك، فالمهم هنا أن التدخل الأجنبي في السودان قد ظل طوال الوقت أحد محفزات اشتعال الحرب الأهلية السودانية واستمرارها، هذا إلى جانب المحفز الأول وهو تعمق التناقضات والصراعات العرقية والإثنية وتعقّدها، وتفاقم الأزمات الاجتماعية في ظل غياب الدولة عن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة. وهكذا ليعلمنا الصراع الحاد بين كل من الجنرالين السودانيين عبد الفتاح البرهان ودقلو كيف ينتقل التناقض المتداخل (الطموحات والمصالح الشخصية في السلطة والثروة بين أطراف نفس النظام وذات السلطة) من تناقضٍ يمكن السيطرة عليه، وإدارته بقدرٍ يبقى تحت السطح إلى تناقض حاد ينفجر فتنفجر معه كل التناقضات الأساسية والرئيسية والثانوية المتعلقة بالوضع السوداني، سواء تلك التناقضات الداخلية بجذورها الطبقية والاجتماعية والثقافية وانعكاساتها فيما هو عرقي وطائفي وجغرافي، أو التناقضات الإقليميّة والدوليّة التي تتقاطع وتتشابك في تعارضٍ وتوافقٍ لمصالح وأطماع دولية وإقليمية، تنعكس في حمى التدخلات الأجنبية التي تسهم في إشعال حرائق السودان البلد الإفريقي الذى يعيش التناقض الصارخ بين الغنى بالثروات الطبيعية، والتخلف البنيوي الذى يعيشه المجتمع السوداني والفقر والتهميش الاقتصادي الذي تعانى منه الغالبية الساحقة من الشعب السوداني خلافًا لما يترتب على ذلك من قهر واستبداد سياسي وتهميش اجتماعي لتلك الغالبية الساحقة من هذا الشعب. وكلها تناقضات ظلت كامنة (تنفس عن نفسها حممًا تمور وتتأجج وتضغط مقذوفاتها النارية للتدافع من تحت قشرة السطح) منذ استقلال السودان في خمسينات القرن الماضي وحتى تاريخه دونما حل تنموي حقيقي يخمد نيران هذه الحمم، ويؤمن الشعب السوداني من آثارها المدمرة.