Menu

خيمة الإضراب في رام الله: جوع الكرامة في مواجهة صمت العالم عن غزة

ثائر أبو عياش

الهدف الإخبارية ـ الضفة

في قلب مدينة رام الله، وعلى مدار أكثر من 10 أيام، يستمر اعتصام مجموعة من المناضلين الفلسطينيين المضربين عن الطعام تضامنًا مع غزة، في مواجهة حرب إبادة وتدمير وتجويع تطال أكثر من مليوني إنسان في القطاع المحاصر. الخيمة التي نصبت وسط المدينة ليست مجرد مأوى، بل إعلان صريح بأن الجوع هنا ليس ضعفًا، بل موقف، وأن الكفاح له أشكال عديدة، قد يكون أبرزها أن تضرب عن الطعام من أجل من لا يجد لقمة يسد بها رمق أطفاله.

قمتُ بزيارة هذه الخيمة، وجلست مع من فيها، وخرجت بشعور ممزوج بالألم والاحترام. هؤلاء لا يبحثون عن بطولات فردية، بل يحاولون، كما قال أحدهم، "أن يعيدوا النص إلى السطر"، أي أن يلفتوا الانتباه لما يُرتكب من مجازر صامتة في غزة، تحت سمع العالم وبصره، وأن يذكروا الضفة الغربية بمسؤوليتها التاريخية: أن تكون جزءًا من النضال، لا مجرد متفرج مشلول.

في الخيمة، تلتقي وجوهاً مألوفة، منها عمر عساف، الذي خرج مؤخرًا من سجون الاحتلال، ويواصل معركته خارج الزنزانة بجوع جديد، وأحمد غنيم، القيادي في حركة فتح، وربى النجار، الأسيرة المحررة التي خاضت إضرابًا سابقًا في السجون، لكنها تقول: "الإضراب هنا له طعم مختلف... هناك كنا نخاطب إدارة السجون، أما الآن فنخاطب مجتمعًا كاملًا يبدو كأنه فقد حساسيته تجاه الدم".

المضربون لا يملكون الكثير من الأدوات، لكنهم يملكون شيئًا عزيزًا في زمن التواطؤ: الضمير. كل مساء، وعند الساعة الثامنة، تنطلق مسيرة من أمام الخيمة، في محاولة لتشكيل حالة وعي جماعي. قد لا يتجاوز المشاركون العشرات، لكن كل نار تبدأ بعود، وكل كرة ثلج تبدأ بتدحرج صغير.

ومن أبرز ما صنعته هذه المبادرة أنها كسرت حاجز الخوف في الضفة الغربية، حيث لم يكن سهلاً أن يُقدم أشخاص على مثل هذا الفعل النضالي الجريء. فالخوف من الاعتقال، من التهديدات، ومن تقاعس المؤسسات الرسمية، كان يجعل الكثيرين يترددون في التعبير عن موقف علني قوي تجاه ما يجري في غزة. لكن هذا الإضراب أعاد إحياء روح المقاومة والتمسك بالحق، وأكد أن هناك من لا يخشى التضحية، ولو بجسده.

ما يفتقده هذا الحراك حتى الآن هو التغطية الكافية والربط الاستراتيجي بينه وبين ما يحدث في غزة. بمعنى آخر، كيف يمكن تطوير هذا الإضراب ليكون جزءًا من حملة وطنية – بل وعالمية – لفضح جرائم الاحتلال وتسليط الضوء على سلاح التجويع؟ أولى الخطوات هي نقل الإضراب من موقعه الرمزي المحدود إلى مساحة أوسع إعلاميًا وشعبيًا.

نحن بحاجة إلى توحيد ساحات الجوع، بحيث تقام خيام إضراب في نابلس، وجنين، والخليل، وطولكرم، بل وفي كل المخيمات الفلسطينية، وأن تتسع الدائرة لتشمل فلسطينيي الشتات في الخارج. فهذه الخيام، إن انتشرت، تتحول من حدث رمزي إلى مشهد سياسي وإنساني يصعب تجاهله، ويخلق ضغطًا داخليًا وخارجيًا على الاحتلال.

كما أن على المؤسسات الإعلامية الفلسطينية، الرسمية والمستقلة، أن تتعامل مع هذا الحراك ليس كخبر عابر، بل كحدث محوري في الزمن الفلسطيني. تغطيات يومية، لقاءات مباشرة، وكل أشكال التوثيق التي تربط بين وجع غزة وصوت الضفة.

من المهم أيضًا العمل على إنتاج مواد بصرية مؤثرة – مقاطع فيديو قصيرة، شهادات حية من المضربين، وربط قصصهم الشخصية بما يحدث في غزة. هذه الوسائط قادرة على اختراق جدران الصمت، وتحريك الرأي العام في العالم العربي والدولي، خاصة إذا تمت ترجمتها وترويجها عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ولعل الأهم، هو أن تُرافق هذه الجهود بحملات ضغط شعبي على القوى السياسية والقيادات الرسمية، كي لا تظل هذه الخيمة مجرد مبادرة فردية، بل تتحول إلى عنوان لموقف فلسطيني موحد، يُعلن بوضوح أن ما يجري في غزة جريمة إبادة، وأن الصمت عنها هو مشاركة فيها.

الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر قال: "الحرية هي ما تفعل به ما فعل بك الآخرون". هؤلاء المضربون عن الطعام، في اختيارهم الجسدي هذا، يرفضون أن يكونوا ضحايا سلبيين، بل يعيدون تعريف الحرية في ظل القهر. كذلك، يقول ألبير كامو إن "المقاومة هي فعل الرفض والتمرد أمام العبث". الإضراب هو بذلك فعل مقاومة غير تقليدي، لكنه قوي يحمل معنى عميقًا في زمن تتآكل فيه الحقوق وتختفي فيه الأصوات.

الضفة اليوم تقف أمام مفترق حاسم. إما أن تعيد تموضعها كجزء فاعل من المعركة، أو تظل في موقع المتفرج المرهق. لكن ما يحدث في خيمة الإضراب برام الله يقول إن هناك من لم يستسلم بعد، من ما زال يؤمن أن فعلًا صغيرًا قد يوقظ ضميرًا، وأن الجوع إذا ارتبط بالكرامة، يصبح أقوى من الرصاص.

خرجتُ من الخيمة بجوع أكبر: جوع للعدالة، جوع لضمير فلسطيني موحد، جوع لفعل جماعي قادر على أن يقول للعالم إن غزة ليست وحدها. وأننا، بكل ما نملك من ضعف، ما زلنا نقاوم.

إن توسعة دائرة التضامن وتنظيم حملات متواصلة يضمنان أن يكون الإضراب عن الطعام ليس صوتًا في وادٍ منفصل، بل حركة شاملة تضرب بقوة في وجدان الشعب الفلسطيني والعالم أجمع. حينها، سيصبح صوت الجوع هو صوت الثورة الحقيقية التي لا تقبل القهر أو الصمت.