Menu

عمليّةُ معبر العوجة حلقةٌ في سلسلة الغضب وتجسيدٌ لوعي الشهيد محمد صلاح

د . عابد الزريعي

نشر في العدد 51 من مجلة الهدف الإلكترونية

تشكّلُ عمليّة معبر العوجة البطوليّة التي نفّذها الشهيد محمد صلاح في تاريخ 3 يونيو 2023، دعوةً للتوقّف عند جوانبها وسماتها الخاصّة من ناحية، والبحث في نسيج علاقتها بعمليّات سبقتها، واتّخذت شكل المقاومة غير السلمية للتطبيع، والإمعان في مسار تلك العمليّات، ودوافعها، وآليّات تكوّن وعي منفذيها واشتغالهم من ناحيةٍ ثانية؛ وذلك بهدف التعرّف إلى عوامل التجسير بين ماضي هذا الشكل من المقاومة وحاضره ومستقبله. المقالُ محاولةٌ في هذا الاتجاه ضمن العناوين الآتية:

أوّلًا - روايةٌ متهالكةٌ وأخرى خبيثة:

ثمّة روايتان حول عمليّة العوجة، الأولى مصريّة متهالكة، تحاول لفلفتها، وذلك بتوصيفها مطاردةً لتجّار مخدّرات، قادت إلى عبور الحدود من قبل (فرد تأمين مصري) "ما أدّى إلى (وفاة) 3 جنود إسرائيليين وإصابة اثنين، و(وفاة) فرد التأمين". وبما أنّ حبل التهالك ضعيف، فإنّ الرواية لم تشر إلى مصير أي من التجار، ولم تفرق بين القتل والوفاة، وساوت "فرد التأمين المصري" الذي كان يؤدّي مهمّةً رسميّةــ حتى لو كانت مطاردة تجّار مخدرات ـــ بالجنود الإسرائيليين، ونزعت عنه وصف الشهيد، بإدراجه في خانة الوفاة. والثانية إسرائيليّة خبيثة، تقرّ بنجاح العملية، لكنّها تجرّد منفّذها من حنكته، وتحيل النجاح إلى استهتار أجهزتها. ولأنّ حبل الخبث قصير، فهي تضطر إلى تقديم مجموعةٍ معطيات، تتلخّص في أنّ المنفّذ قد خطّط لعمليّته بشكلٍ مسبق، وقام بالاستطلاع اللازم. وتجهّز ببندقيّة كلاشينكوف قديمة و6 مخازن ذخيرة وسكاكين ومصح، وسلك مسارًا بدأه بالدخول من معبرٍ خاص ليلًا، ومشى مسافة 5 كيلومترات من موقعه، واشتبك على مرحلتين يفصل بينهما قرابة 3 ساعات، حيث قتل جنديين في الاشتباك الأوّل، وقتل جنديًّا وأصاب ضابطًا في الاشتباك الثاني، هذه السردية تكشف تهافت التفسيرين، وتؤكد أن محمد صلاح لم يترك شيئًا للصدفة، وأنّه أعدّ خطّته بحنكةٍ ونفّذها بشجاعة.

ثانيًا- حلقة في سلسلة الغضب:

تتبدّى عملية العوجة حلقةً في سلسلة عملياتٍ سبقتها، حيث يفصل بينها أول احتجاج مسلح قام به الشهيد سعد حلاوة، الذي احتجز يوم 26 فبراير 1980 اثنين من موظفي الوحدة المحليّة، وطالب بطرد الياهو بن اليسار أول سفير إسرائيلي في مصر؛ ثلاثة وأربعون عامًا. كما يفصلها تسعة وثلاثون عامًا عن تأسيس تنظيم ثورة مصر الذي أسسه الشقيقان محمود وعصام نور الدين، وخالد نجل الرئيس جمال عبد الناصر، عام 1984 واستمرّ حتى 1987، ونفذ أربع عمليات ضد أهداف إسرائيلية وأمريكية في القاهرة. وثمانية وثلاثون عامًا عن عملية سليمان خاطر الذي أطلق النار على سياح إسرائيليين تسلّلوا الى داخل الحدود المصرية، وقتل منهم 7، خلال حراسته بمنطقة رأس برقة جنوب سيناء، في تاريخ 5 أكتوبر عام 1985م. وثلاثة وثلاثون عامًا عن عملية أيمن حسن الذي انطلق من موقعه العسكري بمنطقة رأس النقب بسيناء وعبر الحدود يوم 26 نوفمبر 1990، وقتل 21 جنديًّا إسرائيليًّا. وستة وعشرون عامًا عن عملية أحمد الدقامسة، الذي قام أثناء تأديته الخدمة العسكريّة بمنطقة الباقورة بغور الأردن في 13 مارس 1997، بإطلاق النار على إسرائيليات كن يزرن منطقة الباقورة، وقتل سبعًا منهن وجرح أخريات. وبتضفير العلاقة بين عملية معبر العوجة وما سبقها نجد أنّ هذا الشكل، قد ظهر في مصر بشكلٍ أساسي، وعملية واحدة في الأردن، وهما من البلدان التي وقعت اتفاقيات تسوية مع الكيان الصهيوني.

كما أن أغلب منفذي تلك العمليات هم من العسكريون، سواءً كانوا في الخدمة (سليمان خاطر ــ أيمن حسن ــ الدقامسة ـــ محمد صلاح)، أو خارجها، ومنهم محمود نور الدين مؤسس تنظيم ثورة مصر، فقد كان يعمل ضابطَ استخباراتٍ في السفارة المصريّة ببريطانيا، مكلف بمتابعة النشاط الصهيوني هناك، واستقال من عمله في السفارة المصريّة احتجاجًا على توقيع اتفاقيات كامب ديفيد. وقد واكبوا جميعهم كلّ أو بعض وقائع الصراع مع العدو الصهيوني، ومنهم من تأثّر بها بشكلٍ مباشر، فسليمان عاش آثار قصف القوّات الإسرائيليّة لمدرسة بحر البقر الابتدائيّة فى 8 أبريل سنة 1970، وتأثّر أيمن محمد حسن بأحداث الهجوم على المسجد الأقصى، وتابع محمد صلاح وقائع معركة سيف القدس وتأثّر بها. كما تشابهت مصائر أبطال تلك العمليّات، فقد استشهد محمد صلاح برصاص العدو، واستشهد سعد حلاوة برصاص قناص مصري، بينما استشهد سليمان خاطر ومحمود نور الدين في المعتقل، وقضى أيمن محمد حسن 10 سنوات، والدقامسة 20 عامًا في المعتقلات. كما اتّهمت الأجهزة الرسميّة كل من سليمان خاطر وسعد حلاوة بالجنون. وقد اتّسمت تلك العمليات بالطابع الفردي، باستثناء منظمة ثورة مصر التي اتخذت شكلًا تنظيميًّا، كما حظيت تلك بالتفافٍ جماهيري واسع على المستويين؛ الوطني والقومي، منذ الاحتجاج المسلّح لسعد حلاوة وحتى عملية العوجة 2023.

ثالثًا- الموقف والاستخارة النضاليّة:

تجسّد عمليّة معبر العوجة وعيًا تبدّت ملامحه في تدوينتين كتبهما محمد صلاح على صفحته قبل إغلاقها. تتعلق الأولى بالموقف، والثانية بالمسلك. الأولى سابقة لالتحاقه بالجيش عام 2022 عنصرَ أمنٍ مركزي في قطاع شمال سيناء، ويعود تاريخها إلى 19 مايو 2021، وبذلك تكون قد تزامنت مع معركة سيف القدس، ونصها: "الله يقف مع فلسطين" وإلى جانب العبارة علم فلسطين، ووسم ( غزة تحت القصف)، وهي عبارة عن رد على تغريدة لنائب الرئيس الأمريكي السابق مايك بنس، الذي كتب: (أمريكا تقف مع إسرائيل). تحليل نص التدوينة وسياقها يكشف عن ثلاثة قضايا: أوّلًا أنّه كان يتابع ما يجري على الساحة الفلسطينية. وثانيًا أنّه منحازٌ إلى القضية الفلسطينية بشكلٍ مبدئي. وثالثًا أن انحيازه ليس عفويًّا، وإنّما يستند إلى جدار من الوعي، يجعله يدوّن موقفًا ردًّا على موقفٍ صادرٍ من جهةٍ منحازةٍ إلى إسرائيل. ورابعًا أنّه يركن إلى الروحي في حجاجه، مع الموقف الذي يركن في حجاجه إلى القوة المادية. بينما يعود تاريخ آخر تدوينة كتبها الى 26 مارس 2023، وتأتي بعد عام من التحاقه بالجيش، ونصها: "اللهم كما أصلحت الصالحين، أصلحني واجعلني منهم". تفكيك النص يقود إلى أن محمد صلاح لا يطلب الهداية، فقد بلغها، وما يطلبه مرتبة أعلى، تتلخّص في الانضمام إلى كوكبة الصالحين الذين أرشدهم الله إلى ما هو أرقى وأكثر صلاحًا من صلاحهم المتحقّق بالفعل. والتدوينة في عمقها بحثٌ عن شكلٍ من أشكال الممارسة المتقدّمة، لذلك تتبدّى هذه التدوينة صلاةَ استخارةٍ نضاليّةٍ عمليّة، تتويجًا لصلاح الموقف النظري.

رابعًا- السير على طريق الصالحين:

ما دوّنه محمد صلاح كان مجرّد مؤشرات، نحو الطريق الذي سيسلكه لاحقًا. فقد ذكر أحد اصدقائه أنه يوم 16 مايو كان يشعر بالضيق، وبعدم الراحة في وحدته العسكرية، وقد أسرّ لصديقه بأنّ جنديًّا مصريًّا قتل على الحدود، و"محدش اتكلم ولا حد جاب سيرة". ويضيف: "لو في مصري مات على الحدود محدش بيهتم بيه زي الإسرائيليين". هذه المفردات العامية، التي ينتفي فيها الكلام والخبر والاهتمام، عندما يتعلق الأمر بالجندي المصري المغدور، مع القناعة بحضور، الكلام والخبر والاهتمام، لو أن جنديًّا إسرائيليًّا قد قتل، تمثّل عصارة الألم الذي يعانيه محمد صلاح، الذي يمثّل لحظة تشقّق الجلد إيذانًا بولادته الجديدة، وبدء السير على طريق الصالحين، بأخذ قرار الاشتباك مع العدو. لقد كان الشعور بالإهانة الناجمة عن الحطّ من قيمة الإنسان المصري في مقابل العدو، هو الحافز المحرّك للاشتباك. شعور محمد صلاح بالإهانة الذي يتجاوز الشخصي والذاتي الخاص، إلى القيمي والوطني والقومي العام، كون الآخر إسرائيليًّا، هو ذاته الذي تملك بقية السلسلة، وأدى دور الحافز على الاشتباك. فهو ذات الشعور الذي تملك سعد حلاوة الذي لم يستطع أن يحتمل صورة السفير الإسرائيلي في عاصمة مصر، وهو ذات الشعور الذي أحس به سليمان خاطر وهو يرى السياح الإسرائيليين يجتازون الحدود، ولا يعيرون اهتمامًا بتحذيراته، وكذلك أيمن حسن وهو يرى الجنود الإسرائيليين يمسحون أحذيتهم بعلم مصر، ويجعلون منه فراشًا لعهرهم، وهو ذات الشعور الذي دفع خالد عبد الناصر ومحمود نور الدين للتفكير والتخطيط للمقاومة، وهما يشاهدان علم الكيان الصهيوني يرفرف في سماء الكنانة، وهو ذات الشعور الذي حفز أحمد الدقامسة، عندما كانت الإسرائيليات يستهزأن به، ويضحكن ويطلقن النكات تجاهه أثناء صلاته.

خامسًا - سيرة ذات ومسيرة وطن:

تُجمِع كل الشهادات على أنّ محمد صلاح تلقّى تعليمًا لم يتجاوز المرحلة الإعداديّة، ويعيش ظروفًا ماديّةً صعبة، وعمل في مهنٍ متعدّدة لمساعدة أسرته وتحسين وضعها المادي. لكن الأساسي أنّه لم ينكسر نفسيًّا أمام الوضع المعيشي الصعب، يتأكّد ذلك من وصفه من قبل أصدقائه، بأنه يتمتع بالهدوء والسيرة الطيبة، ويهوى السفر والرسم والرحلات والقراءة، ويهتم بتصميم المطابخ، ومعروف بين أبناء حيه بالرسام. وتدعم هذه الرواية الابتسامة غير المفتعلة التي لا تفارق شفتيه في صوره المنشورة، والملتقط أغلبها في فضاءات وآفاق مفتوحة، وبما أن محمد صلاح كان يقيم مع أسرته بمنطقة عين شمس في شارع الهادي سلامة، المتفرع من شارع أحمد عصمت، حيث كان يعمل، فإنّ سماته الشخصيّة ستقوده بالضرورة إلى السؤال عن الشخص الذي استحقّ تسمية شارع باسمه. وسيأتيه الجواب: إنّه الشهيد أحمد عصمت، المولود عام 1922 بعين شمس، وهو طيّارٌ مدني ورياضي، التحق بصفوف المقاومة الشعبيّة بمنطقة القنال ضدّ الاحتلال البريطاني، واستشهد في اشتباكٍ مع دوريّةٍ إنجليزيّة على طريق الإسماعيليّة بورسعيد في 14 يناير عام 1952. ربما تكون تلك الإجابة هي التي قدحت زناد ذاكرته فاستعادت حكاية الشهيد سعد حلاوة الذي ينتمي إلى قرية (أجهور) المجاورة لقريته (كفر العمار) في محافظة القليوبية، ليجد نفسه في حضرة الصالحين الذين طلب من الله يوم 26 مارس 2023 أن يكون واحد منهم، وقد كان يوم 3 يونيو 2023.