مسألة خلافة الرئيس الفلسطيني ظلت تؤرق المستويات الرسمية والشعبية ومازالت تثير العديد من التساؤلات والسيناريوهات، ليس إلاّ من الآليات الديمقراطية غير متوفرة في حال الفراغ الرئاسي لأي سبب من الأسباب. القانون الأساسيّ الفلسطيني كان كافيًاً لسد هذه الثغرة في وجهة نظر بعض المحللين، غير أن غياب القناعة بتناوب السلطة من خلال الانتخابات، يجعل من مواد قانون الأساسي غير ذات صلة، إذا لم يسد هذا الفراغ رئيسًاً من حركة فتح، أو على الأقل هذا ما يمكنني استنتاجه من تجارب السنوات القليلة الماضية، إثر فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية السابقة، ما يعني أن رئيس المجلس التشريعي هو المسؤول في ملء الفراغ الرئاسي في حال غياب الرئيس النهائي لأي سببٍ من الأسباب.
وهكذا، ترى هذه الأيام، صراعًاً، بين أطراف مختلفة في الأوساط القيادية لحركة فتح، باعتبار أن هذا المنصب، حكرًاً على هذه الحركة دون سواها، ويتم التعامل مع هذا الأمر باعتباره قدراً لا يمكنني رده أو حتى النقاش بشأنه، ومع التسليم التقليدي بهذا الشأن، فإن حالة الصراع التي اكتسبت "مؤامرات" بين الأقطاب المرشحة والتي ترشح نفسها لهذا المنصب تضيف المزيد من الانقسامات في الشارع الفلسطيني، على ضوء بروز الجديد من التكتلات والأحلاف والخنادق بين مختلف المتطفلين للوصول إلى الرئاسة من قيادات حركة فتح.
لكن الرئيس أبو مازن، ليس بمنأى عن هذه السجالات والتكتلات، خاصة بعد ما تبين لدى المكلفين على خبايا الأمور، أنّ جلب صائب عريقات إلى أمانة سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بديلاً عن ياسر عبد ربه في لحظة اعتبرت تشكل انقلابًا سياسيًا بامتياز نظرًا لعدم توفر أية شروط لهذا الاختيار وتأكيدًا متجددًا على تفرد الرئيس الذي بيده كل السلطات من الناحية العملية، باتخاذ قرارات فردية مشكلةً هذا القرار، أنّ ليس هناك فصلاً بين رئاسة السلطة ورئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، وفي حيال غياب الرئيس، فإن أمين سر اللجنة التنفيذية يصبح رئيسًاً للسلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية وبطبيعة الحال إلى رئاسة حركة فتح. قرار عباس بهذا العدد تم تفسيره وبسرعة إلى أنه يهيئ عريقات لهذا المنصب ضاربًاً بذلك تطلعات آخرين اعتقدوا أنّ فرصهم في الوصول إلى هذا المنصب بات أكثر صعوبة، ما يفرض إعادة التحالف والتقاطعات، والمؤامرات إن صحّ القول، فتم الكشف عن جاسوس لدى مكتب عريقات، مع أنّ اعتقاله قد تم قبل أسابيع من احتدام القتال حول الخلافة، وهناك أحاديث عديدة حول الجهة التي سربت الخبر لأحد المواقع تحديدًا، ما أثار غبارًا حول تلك الجهة التي ترتبط بمسألة الخلافة.
تدخلت إسرائيل لتطرح سيناريوهات مختلفة، بعيدة عن المطروح من الأسماء المرشحة والمتداولة، الأمر الذي زاد من مستوى التطاحن على هذا المنصب في أوساط القيادات الفتحاوية، بالتوازي مع سلسلة إجراءات رئاسية، اعتبرت انتقامية، طالت مؤسسة التلفزيون ووكالة وفا الرسمية، إثر المقابلة التي أجراها التلفزيون مع جبريل الرجوب، الذي انتقد السلطة والقيادة الفلسطينية بشكلٍ ساخر، واعتبر البعض أن ذلك يجري في إطار تطلع إلى الخلافة!!
إلاّ أن أخطر ما في هذا الصراع، قناعة البعض أن أيّ مرشح للرئاسة لا يحظى بمباركة إسرائيل لن يكتب له الوصول إلى الرئاسة، وربما هذا ما دفع مدير المخابرات الفلسطينية ماجد فرج إلى الإقدام على خطوة غير مسبوقة بمثل هذه "الصراحة المفرطة" عندما صرح لمجلة "رفيفس نيوز" الأمنية الأمريكية، بتفاخر أنّ أجهزته الأمنية اعتقلت خلال الأشهر الثلاثة الماضية - منذ انطلاق الانتفاضة الثالثة - أكثر من مئة فلسطيني، وصادرت أسلحة وأحبطت 200 عملية ضد الاحتلال سيحافظ على التنسيق الأمني مع إسرائيل.
هذه الأقوال الفجة والوقحة غير المسبوقة اعتبرت رسالة ومسألة ولاء لإسرائيل، باعتبارها من وجهة نظره، وربما يتفق مع الكثير من المحللين، عربون تأييد إسرائيلي لسعي ماجد فرج إلى الرئاسة، خاصة وأنه قيل على أنه يحظى تأييد بعض القيادات العربية!!
والمثير في كل ما يجري اعتبار ذلك "ورطة فتحاوية"، الفصائل الفلسطينية، تدين ما يجري في إطار الصراع على الرئاسة من دون أن تستطيع أن تكون طرفًا مباشرًا بهذا الشأن، وكأن مسألة الرئاسة تخص حركة فتح دون غيرها وتبدو أكثر عجزًا وهي تقوم بدور المراقب للأحداث من دون أن تصبح طرفًاً، ليس في الصراع على الخلافة، ولكن في تقويم ما يحدث باتجاه توفير الآليات التي تجعل في هذه الخلافة، أقرب إلى الآليات الديمقراطية، ونقصد هنا التوافق الوطني في ظل غياب الوحدة الوطنية الفلسطينية واستمرار الانفصال بين الضفة و غزة والمحتلين!!

