Menu

في الذكرى 51 لاستشهاده.. غسان كنفاني.. الأطفال هم مستقبلنا

ثائر أبو عياش

يكون السؤال الأنسب في كل ذكرى لاستشهاد غسان كنفاني هو "ماذا يمكن أن نكتب عن غسان"؟ حيث البحث عن الإجابة في ظل أن غسان لم يتوقف قلمه يوماً بالكتابة عن فلسطين أمر صعب، كأن غسان كتب كل شيء يمكن أن يخطر في عقل الفلسطيني، فقد كتب عن اللجوء، والهزيمة، والنصر، والموت، والمقاومة، والحب...، ولكن يقفز سؤال أخر من صلب سؤال الكتابة عن غسان "ماذا يمكن أن نكتب نحن الأجيال التي لم تعش مع غسان ولكن كنا نعيش في روايته؟".

في حقبة الستينات والسبعينات كان يقول غسان: "الأطفال هم مستقبلنا"، لربما كان يؤمن أن جيله ليس جيل التحرير، ولهذا لم يكن يكتب لهم، بل كان يكتب لنا، وربما أكثر كان يوثق لنا التاريخ في ظل جريمة السرقة التي نهبت القضية الفلسطينية على طاولة المفاوضات، ولذلك رسم لنا خارطة الطريق بعد أن أدرك أن هناك من يقوم بإخفاء الزمن تحت الغربال، ولكن على الأجيال القادمة أن تدرك أن القضية قضية تاريخ.

 كانت القضية بالنسبة لغسان ليست فقط سلاح وصراع من أجل الوجود، بل هي أيضاً قضية كي وعي، وربما أدرك ذلك "دافيد بن غوريون" عندما قال: "الكبار يموتون والصغار ينسون"، ولذلك وضعت غولدا مائير غسان كنفاني على لائحتها، لأنها كانت تعلم أن استمرار غسان في الكتابة هو يعني استمرار الأجيال القادمة في المقاومة، ليس لأن غسان كاتباً فقط، بل هو مقاوم يؤمن بشروق الرجال الحقيقيين قبل كل شيء.

تمكن الموساد فعلاً من اغتيال غسان كنفاني جسداً، ولكنه ما زال وسيبقى باقٍ بكلماته يعيش بين أزقة المخيم الفلسطيني، وعلى رصيف الطريق الذي ينام عليه الفدائيين ليحرسوا قناديلهم، فقد أدرك هؤلاء الفدائيون أنهم يعيشون داخل جدران الخزان، ليس ذلك الخزان المصنوع من الحديد، بل خزان غزة، والضفة، والشتات، والداخل المحتل، وخزان أيضاً اتفاقيات التطبيع، والحصار، والمعتقلات، والمنع من السفر، والبطالة، والجريمة، والإحباط...، فاتخذوا قرار قرع الجدران بسكين حامد في رواية "ما تبقى لكم"، فهي التي تبقت لهم بعد أن حاصرهم الاحتلال، وخانهم المختار.

إن هؤلاء الفدائيين أصبح لديهم الإيمان بوصية غسان كنفاني، حيث استعادة البيت يحتاج إلى حرب حتى لو كان الثمن تدمير الحديقة، وليس بالبكاء، وأن الوطن بالفعل ألا يحدث ذلك كله، وأكثر أن الموت الفلسطيني يكون عبر الإدراك أن فلسطين هي قضية تستحق أن يحمل المرء السلاح لأجلها ويموت في سبيلها، كما أدرك من قبلهم "سعد" الذي كان يؤمن أن الخلاص من الوحل يكون بإغلاق مزراب الاحتلال.

كان يعلم غسان أن استعادة حيفا من مريام هو أمر مؤقت، لأن الأجيال القادمة سوف تشتري البنادق وتذهب إلى المقاومة كما فعل خالد من قبل عندما التحق بالفدائيين، لأن خالد كان المستقبل، ولذلك لم تُنكر حيفا هذه الأجيال التي كانت مجرد عود جاف في يد أم سعد، ولكنه اليوم أصبح يثمر ورقاً وعنب في جنين ونابلس و غزة وعقبة جبر...

 لقد شعر سعيد أن حيفا تقوم بإنكاره، فقد أسقط شعوره على حيفا، وهذا الشعور كان صادقاً، فالقضية كانت بالنسبة لحيفا هي في طريقة العودة فقط، كان يعلم غسان أن خيمة عن خيمة تفرق، وأن عود عن عود يفرق، فهو يدرك أن العود الحقيقي لن يكون إلا بالسلاح، فلا يمكن استرداد حيفا التي هي التعبير عن فلسطين بالنسبة لغسان إلا عبر الأجيال القادمة التي عليها ألا تبكي من أجل اجتراح المعجزات، وهي تنتظر الدول العربية التي أدرك غسان أنها سوف تجعلهم على الطرف الآخر كما فعل "دوف" منذ أن قدمت تلك الدول أسلحة تطلق للخلف، وأكثر أن لا ننتظر من تصريحات المسؤولين العرب إلا الثّغاء! كما قال في مقاله الذي حمل عنوان "ملحمة المعزاية والذئب".

لقد أدركت الأجيال وصية غسان كنفاني التي حاول إيصالها حتى للميس ابنة شقيقته التي استشهدت معه، حيث كان يعلم جيداً أن المقاومة الفلسطينية سوف تستمر مئة عام وأكثر فعلى قصيري النفس التنحي جانباً كما قال رفيق دربه " جورج حبش "، ولذلك ببراعة غريبة قام غسان بقتل جميع أبطاله في روايته رجال في الشمس إلا أبو الخيزران، إيماناً منهُ كما كتب في ملحمة المعزاية والذئب عندما تحدث عن شعار إسرائيل بالنسبة للعرب: "إنّ العربي الجّيد هو العربي الميت".

يقول غسان كنفاني: "إن أكبر جريمة يمكن لأي انسان أن يرتكبها كائناً من كان، هي أن يعتقد ولو للحظة أن ضعف الآخرين وأخطائهم هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم، و هي التي تبرر اخطاؤه وجرائمه"، وعليه كان يؤمن غسان كنفاني عندما يقرأ الاحتلال بالقاعدة الذهبية التي تقول: "إنَّ صاحب الحجر الأكبر، وحامل العصا الأتخن، والبلطجي الشرّاني، هو الّذي معه حقّ!"، حيث هنا يدعو الأجيال الفلسطينية بالابتعاد عن الضعف، وأن تدرك هذه الأجيال القاعدة الذهبية لأن هذا العالم سيبقى يرتكب الجرائم طالما كان الشعب الفلسطيني ضعيفاً.

لقد حفظت الأجيال التي راهن عليها غسان كنفاني الوصية، وكانت إجابتها على سؤال الكتابة عن غسان عبر زخات الرصاص، والعبوات الناسفة، والكمائن، وأكثر عبر الوحدة الوطنية، وستبقى هذه الأجيال تُغني جيلاً بعد جيل لغسان قائلة:

اغتالوك، ولم يغتالوا جبهتك الشعبية فينا

مقصدهم أبداً ما نالُوا

من عن عهدك قد يُثنينا

باقون وحقدهم الفاني

وسنجني النصر من الجاني

عهداً غسان كنفاني

بعد نحنُ نزيدُ صلابة..