Menu

الدّاخل المحتلّ: متاهةُ الموت

أحمد زقوت

تكثفت بالآونة الأخيرة جرائم القتل في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، وفي العقد الأخير كان أكثر الضحايا الجرائم المنظمة هم من فئة الشباب وغالبيتهم من الفلسطينيين. يأتي هذا في ظل تواطؤ الأجهزة الأمنية "الإسرائيلية" في محاربة هذه الظاهرة، الذي وصل إلى حدّ تواطئها مع المنظمات الإجرامية، وتغذيتها من خلال تسهيل إجراءات إصدار حمل السلاح. إذ تشير التقديرات إلى أنّ قرابة نصف مليون قطعة سلاح تنتشر بين فلسطيني الداخل بتخطيط "إسرائيلي"، والهدف من ذلك إشعال الفتنة بين الفلسطينيين ورفع نسب جرائم القتل، وهي سياسة تتبعها "إسرائيل" منذ سنوات، وقد سخّر منظمات إجرامية لتحقيق هذا الهدف.

منذ "هبّة الكرامة" في أيار/ مايو عام 2021م، بدأت الأجهزة الأمنية "الإسرائيلية" تستشعر خطر غيبوبتها المتعمدة وحالة التلكؤ التي اتبعتها، وباتت تكتوي بالنار التي أشعلتها بنفسها، والدليل على هذا هو تخطيطها لإنشاء قوة "مستعربين" ووحدة "سيف" لـ "مكافحة الجريمة".

الارتفاع غير المسبوق في نسبة الجرائم هذا العام، دفع بالسلطات إلى طرح اسم جهاز الأمن العام "الشاباك" للمشاركة في عمليات ملاحقة الجرائم، وذلك على الرغم من عدم شرعيّة هذا الطرح قانونياً. بالأساس، تستهدف هذه المحاولات والتشكيلات الفلسطينيّين الناشطين في الوطن العربي في مواجهة المخططات "الإسرائيليّة" ضد العرب. يتمّ هذا بتواطؤ مع الأجهزة الأمنية "الإسرائيليّة" خصوصاً "الشاباك"، إذ أنّ معظم قادة الأعمال الإجرامية في المجتمع العربي متعاونون معه، وهو ما يفسّر رفضه التدخلَ في محاربة ظاهرة الجريمة، لأنّ ذلك يحدّ من قدرته على العمل ضد قادة الإجرام الذين يمتلكون علاقات وطيدة مع السلطات "الإسرائيلية"، في أكثر من مجال، منها تجارة السلاح والمخدّرات، وتبييض الأموال، والصيرفة والسوق الموازية (أكثر من 20% من محالّ الصيرفة مملوكة أو تابعة لها)، والحماية، والخوّات، والابتزاز، وجباية أموال الديون، والخردوات، وإعادة التدوير، وغيرها. كل المحاولات باءت بالفشل ولم يتقلص حجم الجرائم، وحتى لو تم إشراك الشاباك أو غيره من الوحدات الأمنية الأخرى بمسميات مختلفة، فستكون مساهمتها شكليةً. تعبّر هذه الجرائم عن التطرف الصهيوني والعداء تجاه الفلسطينيين، وبالتالي استهدافهم شخصيًا لمحاولة تهجيرهم من أرضهم، وخنقهم اقتصادياً واجتماعياً ومحاولة عزلهم عن محيطهم.

لم يأتِ سقوط أكثر من 1800 قتيل منذ عام 2000 بين ليلة وضحاها، بل نتيجة الجهد "الإسرائيلي" المنظم على جميع المستويات العسكرية والسياسية منذ سنوات عديدة. في العقدين الأخيرين دعا العديد من المسؤولين "الإسرائيليين" إلى تسهيل إجراءات الحصول على سلاح مرخص بدءاً من وزير الداخلية الصهيوني "إيلي يشاي" في عام 2010، ومرورًا بوزير الأمن الداخلي السابق "غلعاد أردان"، الذي ومنذ توليه ذلك المنصب، وهو داعمٌ لتسليح "الإسرائيليين"، عبر رفع أعداد من يحملون السلاح بشكلٍ شخصي عام 2018، وقد سوّغ موقفه هذا بـ"ارتفاع التوتر الأمني والعمليات المسلحة بالبلاد". بعد تصريحه هذا، ارتفع عدد المتقدمين لتصريح حمل السلاح إلى 200 ألف مواطن. أمّا لوزير الأمن القومي "الإسرائيلي" "إيتمار بن غفير" فقد صرّح بعد توليه منصبه قائلًا: "أريد سلاحًا أكثر في الشوارع"، وبالفعل صادق على تقليص إجراءات إصدار رخصة السلاح، مما أدى لارتفاع عدد التراخيص 5 مرات خلال شهر واحد، ولإصدار 402 رخصة سلاح في يوم واحد، وتقدر أعداد التراخيص المحصلة في الآونة الأخيرة 12 ألف رخصة سلاح. أخيراً، يضاف للقائمة دعوة رئيس وزراء "إسرائيل" "نتنياهو" إلى حمل السلاح "كإجراء احترازي" لمواجهة ما أسماه "عمليات محتملة في الشوارع".

تجاهل المسؤولون "الإسرائيليون" توصية ائتلاف "المسدّس على طاولة المطبخ" في عام 2005 بالحدّ من حجم التسليح في "إسرائيل"، وحذرت من وجود عدد كبير جدًا من الأسلحة النارية في السوق وتفوق الحاجة الحقيقية، معتبرةً هذه الخطوة هي "إجازة كاسحة لعمليّات الإعدام بدون محاكمة".

منذ العام 2020 نظمت مستوطنات الضفة المحتلة دورات خاصة بالنساء للتدرب على استعمال السلاح وأقيمت خصوصًا في مستوطنة "كريات أربع" الواقعة شرق مدينة الخليل وجنوب الضفة، وشارك في تلك الدورة زوجة وزير الأمن القومي الصهيوني المتطرف "إيتمار بن غفير" الذي يترأس حزب "عوتسما يهوديت" الذي يعتبر أنصاره من السباقين في تقديم طلبات شراء السلاح. نسبة حمل السلاح بحسب التوزيع المناطقي هي كالتالي: 92% في مستوطنة "آرائيل" أما "معاليم أدوميم" فالنسبة فيها تصل إلى 6%، تليها قرية المغار بنسبة مشابهة، أمّا "تل أبيب" و القدس المحتلة نسبتها 1.5%، وأخيراً في حيفا 1.8% يحملون السلاح.

تؤكّد معطيات الأجهزة الأمنية داخل "إسرائيل" أنّها تلقت في عام 2021 قدم 19375 طلبًا للحصول على رخصة سلاح خصوصًا بعد "هبّة الكرامة" في أيار/مايو بالداخل المحتل وبعد معركة "سيف القدس في غزة". صادقت وزارة الأمن على 9037 طلبًا لحمل السلاح أي 47% في مجمل الطلبات في 2021م، مقابل المصادقة على 8814 طلبًا عام 2020 ما يعنى ارتفاع الطلبات بنسبة 120% عن عام 2019م. بالانتقال إلى شهر مارس من العام 2022م، قدم 2356 "إسرائيليًا" طلبًا لحمل السلاح، وباعتراف وزارة الداخلية أنّ هذا الرقم "مرتفع وغير معتاد" وهو تعبير واضح عن انعدام الأمن والأمان الشخصي. رصدت صحيفة "يسرائيل هيوم" ارتفاعًا ملحوظًا، عام 2022، في نسب التقدم للحصول على رخصة سلاح بين "الإسرائيليين"، فقد ارتفعت إلى 700% مقارنةً بالفترات العادية، وغداة عملية الخضيرة تم التقدم بـ 430 طلب رخصة في أقل من 12 ساعة أي أنّ النسبة قفزة بـ7 مرات مقارنةً بالمعتاد.

ووفقاً لإحصائيات مختلفة، قتل 67 فلسطينياً في الداخل خلال عام 2017، بينما شهد عام 2018 مقتل 58 شخصاً بينهم 13 امرأة، وفي العام 2019 قتل 93 فلسطينيًا بينهم 11 امرأة، في حين قُتل 99 مواطناً بينهم 16 امرأة في سلسلة جرائم قتل شهدها العام 2020. يذكر أن حصيلة ضحايا جرائم القتل في المجتمع الفلسطيني بلغت نهاية عام 2022، 109 قتلى ‏بينهم 12 امرأة، بينما في عام 2021، ارتكبت أكثر من 111 جريمة قتل في حصيلة قياسية غير ‏مسبوقة، أمّا هذا العام حتى شهر يونيو هناك تقريبًا 100 جريمة قتل وهي الحصيلة الأعلى منذ عقود.

يتضّح مما سبق ذكره أنّ الأجهزة الأمنية "الإسرائيلية" غذّت وساهمت في انتشار السلاح في المجتمع العربي بطرقٍ شتى، حتى تتمكن من تفتيته عبر الأسلحة، ونشر فكرة الاقتتال الداخلي. بعد هذا امتلك العديد من الفلسطينيين السلاح وتشكّلت المنظمات الإجرامية المسلحة، حيث يوجد في "إسرائيل" قرابة 150 ألف قطعة سلاح لا تشمل سلاح الجيش والشرطة وشركات الحراسة. تنظر "إسرائيل" للعرب الفلسطينيين كأعداء دماؤهم رخيصة، لهذا ‏يغض الطرف عن جرائم العنف تحت شعار "العربي الجيد هو العربي الميت"، وهذا ما يدخل فلسطينيي الداخل المحتل بـ "متاهة الموت".
إجراءات "إسرائيل" الشكلية وادعاءاته بمكافحة المنظمات الإجرامية ما هو إلا "فقاعة وتنفيس ضغط" حتى لا ينفجر الشارع الفسطيني في وجهها، خصوصًا مع التصاعد المستمر منذ مطلع العام في جرائم القتل. على الرغم من كل تلك التشكيلات العسكرية، لم ينجح أي منها في كبح جرائم القتل في المجتمع العربي أو تقليصها، وبات الناس ينتظرون كل يوم "الجريمة التالية". كل ما سبق يخبرنا أنّ السلطات تغض الطرف عن الجرائم التي ترتكبها قبل المنظمات الإجرامية دون حسيبٍ أو رقيب، كونها تضمن عدم ملاحقتها بسبب المصالح التي تربطها مع السلطات "الإسرائيلية".

باختصار، النقطة المحورية هي تعامل الأجهزة الأمنية "الإسرائيلية" مع جرائم القتل على أنّها قضية أمنية بشكلٍ كامل، متجاهلةً ما يعيشه الفلسطيني بالداخل المحتل من تهميش وفقر وبطالة وضائقة بالسكن ‏وتراجع بالغايات السياسية النبيلة. كل هذه العوامل تساهم وتزيد من تفشي حالات القتل اليومية، إضافةً للسياسة العنصرية التي تتبعها السلطات مع المجتمع الفلسطيني، حيث صرّح مفتش الشرطة الحالي "يعقوب شبتاي" خلال جلسة مع "بن غفير" قبل شهور، أنّ "العرب يقتلون بعضهم البعض، هذه عقليتهم، ليس ثمّة ما يمكن فعله"، هذه الكلمات تعكس الفكر "الإسرائيلي" تجاه العرب باعتبارهم خطراً أمنياً وبالتالي الاستهتار بأرواحهم دون عمل أي مجهود أو اتباع أي سياسة للقضاء على تلك الجرائم ومرتكبيها. تظهر أذرع الاحتلال السياسية والأمنية والقضائية نفسها على أنّها عاجزة عن كشف رموز الجريمة وحل الإشكاليات القائمة لكنها في حقيقة الأمر تغطي على المجرمين وتساعدهم على الإفلات من العقوبة والمحاكمات.