لم يعد الشارع الفلسطيني يحركه كثيرًا الهم الوطني، كما كان الحال من قبل أيام زمن انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة ووجود قواعد لها في الأردن ولبنان، حيث كان الالتفاف الجماهيري حولها واسعًا؛ فقد طغى الهم المطلبي اليوم على اهتمام الجماهير، فجل الاهتمام أصبح منصبًا على توفير متطلبات الحياة في ظل شيوع ظاهرة البطالة وتدني مستوي الدخل، وبذلك أصبح حالنا مثل حال شعوب المنطقة التي حولنا فقد حركها الهم المطلبي المعيشي واختفت من شعاراتها القضايا الوطنية والقومية... لم يحركها الاستقلال الكامل والخروج من دائرة التبعية للنظم الرأسمالية، لكنه حركها الفقر والقمع والاستبداد السياسي والفساد والشارع الفلسطيني؛ يحركه الآن الهم المطلبي، وبذلك أصبحت القضايا الوطنية تقابل بعدم الاكتراث كثيرًا، لأنها تعودت على الحالة السياسية الفلسطينية التقليدية، فالاحتلال يصعد من إجراءاته العنصرية في الضفة الغربية المحتلة ويمارس سياسة تهويد وقمع وارتكابه جرائم وحشية ومجازر دموية بتعليمات من الحكومة الإسرائيلية اليمينية الفاشية المتطرفة كما حصل مؤخرًا في مخيم جنين.
إننا أمام سياسة عدوانية تهويدية عنصرية لا سابق لها حيث تجاوزت كل الخطوط الحمراء... في حين أنه ما تزال في قطاع غزة تستمر مظاهر الانقسام السياسي البغيض التي تؤثر على كل مظاهر الحياة؛ من أزمة الكهرباء، إلى أزمة الرواتب، إلى غير هذه الأزمات التي تتوالى تباعًا ومع ذلك تقابل هذه الأزمات باستكانة طويلة، إلا من ثرثرة فارغة بين المواطنين الذين غالبًا ما ينقسمون بين مؤيد ومعارض لهذا الطرف أو ذاك، من طرفي الانقسام السياسي؛ دون أن تصل هذه الثرثرة إلى فعل حقيقي على الأرض، وكأن هذا الهم الوطني غير جدير بفعل جماهيري ضاغط، ينهي هذا الانقسام البغيض الذي طال أمده؛ دون أن تسفر كل الاتفاقيات الماضية على التخلص منه... والسؤال الكبير: أي جهد على شعبنا أن يبذله حتى لا يطغى الهم المطلبي على الهم الوطني حتى لا يهون علينا الوطن، مقابل توفير لقمة العيش؟!

