عاش معظم السوريون على أمل انفراج أزمتهم، والتي شهدت شيئا من التبريد على إثر عودة العلاقات السورية العربية، والتي كان المأمول منها، حل بعض القضايا الداخلية التي أجمعوا عليها في الجانب الأمني والمعيشي وعودة النازحين والمهجرين وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والبدء بالحل السياسي للأزمة السورية وبما يحافظ على الثوابت الوطنية ومدنية الدولة وعلمانيتها، وتلبية طموحات كافة مكونات الشعب السوري المتعدد الثقافات في دولة المواطنة الديمقراطية الموحدة، إلا إن أطراف الصراع الخارجية المتداخلة في شأن أزمتهم قد خيبت آمالهم بشروطها المتعلقة بإعادة تلك العلاقة.
فعلى الصعيد العربي، تكشف إن ما كان يهم قادة الدول العربية، هو الحفاظ على نظمهم من المخاطر التي قد تتعرض لها لاحقاً في حال إطالة أمد الأزمة السورية وبقاء اللاجئين السوريين الذين ضاقوا بهم ذرعاً على أراضيهم، وما فتأت تتباكى تلك النظم فوق موائد "المنظمات الدولية والدول المانحة" من سوء الأحوال المادية وضرورة إعادتهم "عودة آمنة إلى مناطق سكناهم الأصلية".
وأمًا على الصعيد الأميركي لقد أضاءت بضوئها الأخضر على ثلاثة شروط تحت طاولة التطبيع وعودة العلاقات العربية السورية وهي كما تداولتها الصحافة والإعلام:
١-ضمان أمن إسرائيل والذي يعني إنهاء الوجود الإيراني وحزب الله من الجنوب السوري ومن سوريا عامة.
٢- تمثيل المعارضة السورية المقبولة أميركياً في الحكومة السورية بمعنى تكريس الوجود الأميركي بالوكالة.
٣- شرعنة الوجود الأميركي في الشرق وشمال شرق السوري والذي يعني رفع صفة الاحتلال عنه وبالتالي شرعنة سرقة الثروات السورية من جهة، ومن جهة أخرى، رفع صفة التحرر الوطني عن من يقاومها، وبالتالي بإمكانها وضع أي قوى شعبية ترفع السلاح بوجهها في لائحة الإرهاب الدولي.
وأعادت الأطراف المتداخلة في الأزمة السورية تموضعها فور انتهاء قمتي جدة وأستانا وبما يحقق مصالحها، فبدأت بتسخين القنوات العسكرية بعد فترة التبريد الدبلوماسي، والتي أعقبها التحرك العسكري الروسي السوري وقصف مواقع جيش تحرير الشام والنصرة وأخواتها من المعارضة السورية الموالية ل تركيا والمصنفة على قوائم الإرهاب في الشمال السوري، وقصف هذه الأخيرة المناطق الساحلية بمسيرات، والتي تزامنت معها القصف الإسرائيلي على مناطق في حمص، إضافة للمناورات العسكرية الأميركية بمشاركة "جيش سوريا الحر" في المنطقة الشرقية، والمناورات العسكرية الروسية بمشاركة الجيش الوطني السوري في المنطقة الشمال الغربي، ورافقت التسخين العسكري تسخين دبلوماسي في جلسة مجلس الأمن بشأن سوريا، حيث تناولت نجاد رشدي نائبة المبعوث الأممي لسوريا في إحاطتها لمجلس الأمن "ملف المفقودين والقرار الدولي 2254 والقصف الروسي والسوري لشمال السوري، وقصف التركي لشمال شرقي سوريا، وقصف قسد المناطق التركية…." وكذلك تناول مارتن جريفيث مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في إحاطته بعد زيارته للعاصمتين السورية والأردنية "الأوضاع المعيشية المأساوية التي يعيشها السوريين مؤكداً على إن ٩٠./. منهم يعيشون تحت خط الفقر …. ".
فما الذي حدث؟ هل جاء التسخين نتيجة لتعارض مخرجات القمة العربية مع مخرجات قمة أستانا ؟ أم أن أميركا تلمست عدم تلبية شروطها مقابل التطبيع؟ لذلك توجهت إلى التسخين في الشرق عبر تشكيل "الحزام السني العربي المسلح" من عشائر الشرقية - والتي تطمح زعمائها لإمارات متصلة ما بين التنف واليعربية "تل علو" على الحدود العراقية في شمال شرقي سوريا على غرار الإمارات العربية المتحدة – وذلك كخطة أميركية تحسبا لقيام إيران والحكومة السورية بدعم مقاومة شعبية مسلحة على غرار ما حدث في العراق لمحاربة الاحتلال الأميركي، والتي تكتسب بذلك صفة حركة التحرر الوطني لمقاومة الاحتلال، والمشروعة وفق القانون الدولي من جهة، ومن جهة أخرى، تحاول أميركا محاربة المقاومة الشعبية الشرقية تلك، بمكونات شرقية مسلحة أخرى وإظهارها على إنها حرب أهلية وصراع داخلي وهي موجودة "لحماية الطرف المظلوم من قوى الظالمة والإرهابية".
وتظهر الأطراف الدولية والإقليمية المتصارعة على الأرض السورية تفادي الصدام المباشر فيما بينها، فها هي أميركا تلمح بعدم رغبتها في مجابهة روسيا وتكتفي بالحرب الأوكرانية وكالة، وتبدد مخاوف الاتراك بشأن طموحات الكرد السوريين، وذلك بتشكيل ميليشيات عربية سنية في موازاة المليشيا الكردية السورية، ووضع الأخيرة بين فكي كماشة، ميليشيات العشائر الشرقية من الجنوب، وميليشيات الموالية لتركيا من الشمال، بينما روسيا تتحاشى التصادم مع تركيا خشية دورها في الحرب الأوكرانية وترضيها على الأرض السورية، ولا تصادم إيراني تركي الذي يجمعهم "الفوبيا الكردية"، ولا تصادم إيراني أميركي الذي تبعده "ملف النووي الإيراني" والكل لا دخل لهم بعربدة إسرائيل وتعدياتها المتكررة في الأراضي السورية، إنما الخشية باتت من تصادم الأطراف الميليشوية السورية المسلحة المدعومة من تلك الأطراف، والتي تشرذمت على خلفية الارتزاق ومصالح الأسياد الداخليين الذين تسيل لعابهم الجلوس على عروش إمارات سورية بحماية إقليمية ودولية، في واقع معيشي مأساوي يعيشه معظم الشعب السوري، ومن كثرة تكرار الحديث عنه، بات البعض يسخر منا بقولهم "أنتم تنفخون في القربة المثقوبة " وقول: "إذن من الطين وإذن من العجين"، فليس هناك من يسمع آهات الشعب السوري وأنينه والذي بات يهدأ نفسه بقول :"لا حول ولا قوة إلا بالله "ليثبت صحة مقولة ماركس الشهيرة: (الدين هو زفرة المظلوم، هو قلب لعالم بلا قلب، وروح في أوضاع بلا روح، هو أفيون الشعب) والتي حُرفت إلى "الدين أفيون الشعوب إذا استغل"، والمؤسف في الأمر ما زال يتغيب ما يشير إلى تحرك داخلي صادق لبناء الثقة فيما بين السوريين وتفادي الكوارث وخطر تفتيت الدولة السورية.

