Menu

مقاربات فجة: الجرافات في الذاكرة الفلسطينية وضرورة "التجريف"*

هند شريدة

بأسنان جرافة الاحتلال الحادة، وتحديدا في 16 آذار/ مارس 2003؛ قتل الاحتلال الناشطة الأمريكية راتشيل كوري، وهي إحدى أعضاء حركة التضامن العالمية المناصرة لفلسطين، أثناء قيامها بالدفاع عن بيوت مدنيين أمام استهداف الجرافات الفاشية لبيوت العُزّل في مدينة رفح.

وفي 23 من شباط 2020، وفي مشهد تقشعر له الأبدان؛ نكّلت جرافة الاحتلال بجثمان الشاب الشهيد محمد الناعم بعدما استشهد برصاص اسرائيلي عند السياج الفاصل قبالة عبسان شرق خانيونس.

وفي مقاربة فجة، وعقولة زياد رحباني "فإن هذه الواقعة وقعت.. فهي إذن واقعية"؛ قامت جرافات للأمن الوطني في 29 من أيلول 2021 بهدم منازل مواطنين من عشيرة الكعابنة في منطقة النويعمة بأريحا، حيث تم الهدم وقتئذ دون قرار قضائي، ومن دون سابق إنذار، وقد رجّح السكان حينها، وعبر أكثر من وسيلة إعلامية، أن الهدم قد يكون مرتبطا بوجود استثمارات في المنطقة. فيما قتل يوم أمس الخميس ٢٧ تموز ٢٠٢٣  المواطن شادي أبو قوطة، في جريمة قامت بها جرافة بلدية خانيونس، حيث هدمت سور المنزل الخارجي، فسقط عليه، بينما كانت عناصر الشرطة متواجدة في المكان، فيما أشار بيان العائلة أن الأخيرين قاموا بدفع أبو قوطة ما أدى الى استشهاده أمام بيته، المفترض أن يكون حصنه الآمن. حصل ذلك كلّه أثناء قيام البلدية بتنفيذ حملة إزالة "تعديات"، علما بوجود قضية لدى المحكمة، تحمل رقم (١٠٣٨- ٢٠٢٣) بتاريخ (٣-٧-٢٠٢٣) معنونة بعدم الإزالة، حسب بيان العائلة أيضا. 

يأخذنا الحدث الأخير لترجمة الحاصل سياسيا، حيث امتنعت حركة حماس عن إجراء انتخابات لمجالس الهيئات المحلية في قطاع غزة في الأعوام 2012 و2017 و2021 و2022، فيما أبقت على وسيلة الاختيار والتعيين لأعضاء المجالس الجدد عند إجراء تغييرات في عضوية المجالس البلدية في قطاع غزة، وبهذا الحال، صادرت حق المجموع في اختيار ممثليهم، حتى في إدارة حيوات الناس من خلال تقديم الخدمات الأساسية لهم.

لا أدري لماذا يجدر بنا الصراخ على الملأ لكلتا "الحكومتين" دون إضفاء شرعية لكلتاهما، أن الانتخابات العامة بأنواعها كافة، ليست منّة من أحد، وهي استحقاق وطني وقانوني للمواطن الفلسطيني، وأداة من أدوات ممارسة المواطنة ضمن العقد الاجتماعي المعمول به. يتوجب على حكومة حماس تحييد حقوق المواطنين عن أي تجاذبات ومناكفات، ومصالح حزبية، والاستجابة لآمال وطموحات المواطنين في القطاع، والذهاب نحو إجراء انتخابات محلية، أقل ما فيها تقدم الخدمات الأساسية للمواطن، تماما كما يجدر على السلطة التنفيذية في الضفة الغربية الكفّ عن مصادرة حق الشعب في انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني، يستطيع المواطن الفلسطيني على إثرها أن يحيا بكرامة، ويحافظ على سيرورة الحياة الديمقراطية، وتحديد أولوياته وخياراته كشعب يسعى للتحرر من نير الاحتلال.

تجدر الإشارة هنا، إلى استطلاع أجراه الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة: أمان العام الماضي، حيث أشارت ما نسبته 84% من المواطنين المستطلعين تعطشهم لإجراء انتخابات محلية في القطاع. بعدما حصل الأمس، هل يا ترى ستستجيب حكومة حماس لمآلات المواطنين في القطاع؟ وهل سيتمخص عن لقاءات القاهرة -إن حدثت- حكومة وحدة وطنية تسد رأب الانقسام، وتنبئ بحقبة وحدوية مستجيبة لصوت الشارع؟

تكفينا جرافات الاحتلال التي تهدم بيوت الفلسطينيين صباحا ومساء. فبدلا من استعراض القوة بجرّافات أو غيرها من وسائل بسط النفوذ والسيطرة، واعتقالات سياسية، والاستقواء بزعران بزيّ رسميّ أو دونه لقمع المواطنين، وسَيْل من قرارات بقوانين مفصّلة على المقاس تهبط علينا من علٍ، تعكس بفحواها تفرّد سلطة تنفيذية في احتكار كل شيء، بغية شراء زمن أطول يضمن استمرايتها، ويحافظ على حزمة امتيازات حصرية لبعض أشخاص في سدة الحكم، لا ينفكون باختطاف أجسام ومؤسسات البلد الحيوية على نحو يكفل بقاءهم في الحكم؛ نحن بأمسّ الحاجة الى "تجريف" في وعي السّاسة في الضفة الغربية والقطاع، ومن يؤثرون مصالحهم الحزبية على الوطنية، والذهاب نحو صندوق الاقتراع وإجراء انتخابات عامة من تشريعية ورئاسية ومجلس وطني.