يكثرُ الحديثُ، هذه الأيّام، عن "الحرب العالميّة الثالثة" التي تدور رحاها في كلّ أرجاء المعمورة، وتحديدًا، في جنوب الكرة الأرضيّة، بين مجموعة دول المركز الرأسمالي السبع الكبرى، ومجموعة "البريكس" الآخذة في التعاظم والتوسّع بقيادة الثنائي الصيني – الروسي.
والحديثُ عن تلك الحرب الثالثة يشغل الجميع، خاصّةً القيادات السياسيّة والخبراء الماليين في الولايات المتّحدة الأميركيّة التي تعاني حاليًّا أزمةً مزدوجة، ناتجةً عن تزايد الدين العام للدولة إلى درجةٍ لم يعد بالإمكان اللجوء فيها إلى حلولٍ ترقيعيّة، أهمّها طباعة المزيد من العملة الورقيّة أو اللعب بسعر صرف الدولار والفوائد... خاصّةً أنّ دور قطاعات الإنتاج في تراجعٍ مستمرٍّ لصالح اقتصاد الريع الذي يشكّل العامل الأساس في الأزمة الخانقة التي يعيشها النظام الرأسمالي العالمي ككل، التي قد تؤدّي إلى انهيار هذا النظام من الداخل، كما تنبّأ ويتنبأ العديد من علماء الاقتصاد، مستندين فيما يقولون إلى ما جرى للإمبراطوريات التي نشأت سابقًا في الغرب، وتحديدًا الإمبراطوريتين؛ الإغريقيّة والرومانيّة. وإذا ما عدنا إلى تقييم علماء تلك الأيام، فإنّ السبب الأول لتحوّل تلك الإمبراطوريات إلى ديكتاتورياتٍ وانهيارها من ثَمَّ يكمنُ في عدم تمكّن الاقتصاد من مجاراة سرعة ارتفاع معدّلات الدين العام، بما يؤدّي، كما قال أرسطو، إلى "سيطرة فئة المرابين – الدائنين الذين بفعل حصولهم على المزيد من المال، يصلون إلى تحويل الدول من النظام الديمقراطي إلى حكم الأقليّة الذي يتحوّل بدوره إلى نظامٍ وراثي؛ وهكذا تنشأ الأرستقراطيّات".
كيسنجر والحرب العالميّة والنظام العالمي الجديد:
وما يشدُّ النظرُ في هذه الأيّام هو كثرة التحليلات والتصريحات المتعلّقة بـ "الحرب العالميّة الثالثة" التي يطلقها منظّرو الحروب الإقليميّة الأميركيّة.
أوّل هؤلاء هنري كيسنجر، الذي كان له باعٌ طويلٌ في الانقلاب الدموي في التشيلي، عامَ 1973، وقبل ذلك وبعده في العدوان على فيتنام، دون أن ننسى أنه صاحب "سياسة الخطوة خطوة" التي رفضت الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.. يقول كيسنجر في المقابلة التي أجرتها معه مجلّة "الايكونوميست" البريطانيّة بمناسبة بلوغه مئة عام[1]: "نحن اليوم في مرحلةٍ كلاسيكيّةٍ تشبه مرحلة ما قبل الحرب العالميّة الأولى، حيث لا يمتلك أيٌّ من المتنازعين هامشًا واسعًا للتوافق السياسي، وحيث أي إخلالٍ بالتوازن سيؤدي إلى نتائجَ كارثيّة". ويضيف أن الفارق بين تلك المرحلة واليوم هو أنّ العالم كلّه في وضعٍ سيؤدي إلى "دمارٍ متبادلٍ أكيد"، إلّا إذا توصّلت الولايات المتحدة إلى اتفاقٍ مع الصين الشعبيّة، خاصّةً في مسألتين أساسيتين هما تايوان والذكاء الاصطناعي. أما ما يقترحه كيسنجر على إدارة بايدن فيتلخص، من جهة، عدم الاستمرار في التصعيد حول تايوان؛ إذ إنّ حربًا كتلك التي شنت في أوكرانيا ستؤدّي ليس فقط إلى تدمير الجزيرة، بل إلى تدمير الاقتصاد العالمي، ومن جهةٍ ثانيةٍ تحويل الذكاء الاصطناعي تجاه الأمن العالمي، وليس تجاه تدمير الإنسانيّة.
وما يخشاه هنري كيسنجر، من منطلق ترسيخ الموقع الذي احتلّته الولايات المتّحدة في النظام العالمي ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؛ وهو أمرٌ ظاهرٌ فيما قاله عن الفرق بين الصين التي "لا تريد السيطرة على العالم على الطريقة الهتلريّة، بل تتبعُ نظريّة كونفوشيوس في إظهار القوّة" وروسيا التي يجب تحجيمها عبر قرارٍ بضم أوكرانيا إلى حلف الناتو، وكذلك في الاقتراح المكمل الداعي إلى خلق نظامٍ عالميٍّ جديدٍ تشارك فيه الصين والهند وأوروبا الغربيّة إلى جانب الولايات المتّحدة.
أمّا ثاني محللي احتمال الحرب العالميّة الثالثة، فهو المستشار السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية جايمس ريكاردز[2] الذي يرى حتمية سقوط الدولار في حال قرّرت دول البريكس خلق عملتها الخاصة للتداول.. والملاحظ أنّ ريكاردز، كما كيسنجر، دعا الولايات المتحدة إلى التغيير في سياساتها الخارجيّة، إنّما، هذه المرّة، من باب التخفيف من سياسة فرض العقوبات التي تعتمدها - خاصةً تلك الممارسة اليوم ضدّ روسيا - التي أدّت إلى "خوف العديد من الدول من تلك السياسة واستعجالها للخروج الكامل من نظام الدولار"؛ الأمرُ الذي سيؤدي - بحسب رأيه - إلى "موجةٍ جيوسياسيّةٍ صادمةٍ لم يستعد لها العالم" ستطال "التجارة العالميّة والاستثمارات الأجنبيّة المباشرة وبورتفوليو المستثمرين بطريقةٍ دراماتيكيّةٍ وغير متوقّعة".
الثاني والعشرون من آب:
باعتقادنا أن كثرة الحديث عن الحرب ووضع الاقتصاد العالمي ارتباطًا بالدولار المهدّد من قبل المحور العالمي الجديد ناتجٌ عن اقتراب موعد قمة البريكس المزمع عقدها في 22 آب 2023، التي ستطرح مسألة العملة المشتركة، التي سبقها حدثان غير عابرين؛ الأوّل هو بدء التبادل باليوان والروبل، ليس فقط بين روسيا والصين، بل بين العديد من الدول التي أنشأت علاقات اقتصاديّة مع هاتين الدولتين، بدءًا بالإمارات العربيّة المتّحدة التي وافقت على اليوان عملةً لبيع منتجاتها البترولية وشراء المواد المصنّعة من الصين وكذلك البرازيل.. والثاني يتلخّص في تكاثر طلبات الانضمام إلى مجموعة البريكس، حيث ستبتُّ قمة 22 آب بتسعة عشر طلبًا، نذكر منها أربع دول عربيّة نفطيّة هي: المملكة العربيّة السعوديّة، والإمارات العربيّة المتّحدة، و البحرين ، والجزائر، إضافةً إلى عددٍ من الدول التي كانت تدور في فلك الولايات المتحدة، التي تريد الخلاص من سياسة العقوبات وفرض الممارسة عليها، أو التي تخشى أن تصل يومًا إليها. وهو ما يخيف كيسنجر وغيره من المسؤولين السابقين؛ إذ إنّ دول البريكس تمثّل اليوم قوّةً لا يستهان بها من النواحي الاقتصاديّة والعسكريّة، خاصّةً في منطقة شمال شرقي آسيا، حيث يشكل التحالف غير المحدود بين الصين وروسيا نقطة استقطابٍ كبيرة يمكن لها أن تغيّر الصورة جذريًّا، فكيف إذا ازدادت رقعة وجود المجموعة جغرافيًّا وبشريًّا واقتصاديًّا؟
التوازن الذي فقد والتحوّلات الكبرى:
وهنا، لا بدّ من التوقّف أمام المتغيّرات الكبرى التي حصلت ما بين مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي والسيطرة الآحاديّة للولايات المتّحدة على مصير العالم، منذ تسعينات القرن العشرين الماضي، وما بين الواقع الحالي والتنبؤات لمرحلة السنوات الخمس المقبلة[3].
تشير المعطيات إلى التراجع الكبير في حصة "مجموعة السبع" من الاقتصاد العالمي؛ إذ انخفضت من 45،8 في المائة (عام 1992) إلى 29،9 في المائة (عام 2022)، ويرجح أن تنخفض أكثر لتصل إلى 27،8 عام 2028. هذا، في وقتٍ تصاعدت فيه حصة الدول الخمسة التي تشكّل مجموعة البريكس، وفي الفترة نفسها، من 16،4 في المائة إلى 32،1 في المائة، ومن المنتظر أن تصبح هذه النسبة 33،7 في المائة عام 2028.
هذا ما تلحظه تقارير البنك الدولي التي تناست أن تتحدّث عن دور الأزمة التي انفجرت عام 2008 في بلدان المركز الرأسمالي وتأثيراتها المستمرّة على الاقتصاد العالمي عمومًا.. إلّا أنّ الكلّ يعرف موقع البنك ودوره في الترويج للسياسات الأميركيّة عالميًّا. بكلّ الأحوال، نشدُّ النظر إلى هذا الواقع الجديد من باب ضرورة متابعة التغيرات المتسارعة، من جهة، ومن جهةٍ ثانية، إلى توقّع ما يمكن أن ينتج عن دخول الدول التسع عشرة الجديدة إلى مجموعة البريكس، وتحوّل هذه المجموعة إلى قوّةٍ اقتصاديّةٍ هائلةٍ لم يشهد لها العالم مثيلًا من قبل..
غير أنّه لا بدّ من القول: إنّ خروج العالم من الآحاديّة القطبيّة وسيطرة الولايات المتّحدة عليه لأكثر من ثلاثين عامًا لا يعنيان أنّ المشاكل التي تعاني منها الإنسانيّة قد حلّت، وأن الفقر والجوع والأوبئة، التقليدية والمفتعلة، ستتوقف، وكذلك الحروب الداخليّة والإقليميّة، وصولًا إلى ما بدأنا به من إشارةٍ إلى ما تلوح به بعض الأطراف من احتمال اندلاع حربٍ عالميّةٍ ثالثةٍ يمكن أن تلجأ لها الإمبريالية من المنطلق الهتلري نفسه الذي أشار إليه هنري كيسنجر في مقابلته مع مجلة الايكونوميست. إضافةً إلى أنّ خيار دول البريكس المطروح، وإن اعتمد بالأساس سياسات تؤمن قدرًا من الاستقلاليّة عن مؤسّسات المراكز الإمبرياليّة، غير أنّه غير واضحٍ كثيرًا فيما يتعلّق باتجاهات تطور النظام العالمي لاحقًا سياسيًّا عبر تطوير المشاركة والديمقراطيّة، واقتصاديًّا عبر وضع الخطط الكفيلة بتطوير التنمية وبالقضاء على الفقر والجوع والمرض... إلخ. ونضيف إلى ذلك ما سبق أن قلناه في مجال تحليلنا لتجربة الصين، التي تواجه، بحسب الرأي الذي طرحناه في المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي اللبناني[4]، جملة من التناقضات والمصاعب، خاصة في التطور المتفاوت بين المدينة والريف وبين القطاعات المتوجهة للتصدير وباقي القطاعات، علما أننا نراهن على نجاح تلك التجربة، التي تأتي في سياق ما طرحته ثورة أكتوبر 1917، لما يمكن لها أن تقدمه في سبيل تحرير البشرية من التبعية وبناء مجتمعٍ إنسانيٍّ جديدٍ مستندٍ إلى إنهاء كل أشكال الحروب والاعتداءات والتمييز العنصري، وتثبيت أسس التعاضد بين الشعوب، وتوزيع أكثر عدالة للثروات التي تزخر بها الأرض.
من هنا، ضرورة تضافر جهود قوى اليسار والتقدم في العالم اليوم، من أجل درء خطر الحرب التي تلوح في أفق صقور الإمبرياليّة الأميركيّة على وجه التحديد، والسعي إلى بناء مجتمع الرفاهية والتقدّم والسلم.
حواشي:
1 - عدد الايكونوميست الصادر في بداية شهر حزيران 2023 الحالي.
2 - مقالة منشورة على موقع دايلي ريكونينغ.
3 – تقرير البنك الدولي في نيسان الحالي 2023 بالنسبة لتطور اقتصادات الدول السبع الرأسمالية الكبرى خلال 30 عاما.
4 - الوثيقة السياسية، 2016.
- عدد الايكونوميست الصادر في بداية شهر حزيران 2023 الحالي[1]
- مقالة منشورة على موقع دايلي ريكونينغ.[2]
- تقرير البنك الدولي الصادر في نيسان من العام الحالي 2023 بالنسبة لتطور اقتصادات الدول السبع الرأسمالية الكبرى خلال 30 عاما.[3]
[4] - الوثيقة السياسية، 2016

