Menu

في الذكرى الـ 61 لاستقلال الجزائر.. الاقتصادُ قبلَ السياسة!

محمد صوان

نشر هذا المقال في العدد 52 من مجلة الهدف الإلكترونية

    في الخامسِ من شهر تموز عامَ 1962، وبعد 132 سنةً من الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، لم تنتهِ علاقةُ الجزائر بفرنسا فحسب، بل انزاحت تلك العلاقةُ عبرَ الزمنِ الذي تلاه، لتطرحَ أسئلة العلاقات من جذورها بين دولتي الاستقلال والاستيطان.. وهل حقّقت الثورةُ تحريرَ الوطن، أم إنّها اكتفت باستقلاله عن محتلّه؟ تتداخلُ في المفهومين تفاصيلُ "مكر التاريخ" والعلاقات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة معًا.

    لم تحمل الثورةُ الجزائريّةُ أيّ صبغةٍ أيديولوجيّة، بل كانت نتيجةَ تراكماتٍ فجّرتها سنواتٌ مديدةٌ من النجاحات والتضحيات. كان محرّكَها النضالُ السياسيُّ والجماهيري، والوعود الفرنسيّة الكاذبة، وكانت جدليّة "المثقّف والعنف الثوري" ترفًا فكريًّا لم يتح لكوادر الثورة الخوض فيه حينذاك، بالرغم من طغيان المدّ التحرّري للبلدان الأفرو-أسيوية في تلك المرحلة المتّسمة بانعتاق الشعوب المستعمرة. وهذا لا يعني أنّ الثورة انطلقت من "العدم الفكري" أو أنّ المثقّف غيرُ معنيٍّ بالعنف الثوري، بل كان للثورة روافدُ شبابيّةٌ وطلابيّةٌ مثقّفةٌ زوّدتها بالكوادر، وجعلتها تتحوّل من "العفويّة الثوريّة" إلى التنظيم المنضبط والمتماسك للثورة فيما بعد.

    تتيحُ المسافةُ الزمنيّةُ التي تفصلنا عن انطلاقة الثورة الجزائريّة "61عامًا" فرصةً حقيقيّةً لكتابة التاريخ الصادق للثورة، بعيدًا عن الإفراط في عاطفة التمجيد، أو التعالي القومجي، وتطرح أمام الباحث الآن فرصة لقراءةٍ متأنيّةٍ في تفاصيل الثورة، بتضحياتها وأمجادها، بعثراتها وأخطائها، وعلى الباحث في حقل علم الاجتماع إدراك أنه أمام منعرجٍ تاريخيٍّ حاسمٍ في مصير الشعوب العربيّة – الجزائري خاصّة - وليس أمام مجرّد حربٍ محدودةٍ في الزمان والمكان.

العلاقات الجزائريّة – الفرنسيّة:

    واضحٌ أنّ العلاقات الجزائريّة - الفرنسيّة مرّت وتمرُّ بأسوأ أحوالها، وذلك على خلفيّة التصريحات المستفزّة، التي يطلقها مسؤولون فرنسيّون، إثر إصدار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مرسومًا يقضي "بأداء النشيد الوطني كاملًا في المناسبات الرسميّة، والتأكيد على إدراج الفقرة الثالثة منه، التي تحفّظت عليها فرنسا؛ لأنّها تنصّ: "يا فرنسا قد مضى وقت العتاب/ وطويناه كما يطوى الكتاب/ يا فرنسا إن ذا يوم الحساب/ فاستعدي وخذي منا الجواب/ وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر/ فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا"!

الفقرة أعلاه إشكاليّة، وسبق أن جرى التغاضي عنها، خاصةً في عهدي الشاذلي بن جديد وعبد العزيز بوتفليقة!

    على الرغم من الجدل الواسع الذي أثاره المرسوم الرئاسي؛ فإنّ مسؤولين جزائريّين يعتقدون أنّه أوجد مسافةً لتحجيم الجانب الفرنسي، وشكّل بدايةً لتغييرٍ جذريٍّ في التعامل معه. لكنّه في المقابل استدعى ردّات فعلٍ غاضبةٍ من مسؤولين فرنسيين، وقد عبّرت وزيرةُ خارجيّة فرنسا (كاترين كولونا)، عن استيائها من إعادة ما وصفته "قد تجاوزه الزمن"، ورد عليها نظيرها الجزائري (أحمد عاطف) ساخرًا بالقول: "إنّ بعض المسؤولين الفرنسيين أصبحوا يستغلون اسم الجزائر لأغراضٍ سياسيّة". وفي الأثناء، دعا رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي (جيرارد لاريشر) إلى إعادة النظر في الاتفاقيّة الفرنسيّة – الجزائريّة عام 1968، بشأن تسهيل دخول الجزائريين لفرنسا، وإقامتهم فيها بذريعة أن الاتفاقية أبرمت عندما كان عدد سكان الجزائر لا يتجاوز "10 ملايين نسمة، وكانت فرنسا آنذاك بحاجةٍ إلى اليد العاملة الجزائرية، وتغيّرت الأوضاعُ كثيرًا في المرحلة الراهنة". في المقابل قال الرئيس تبون أكثر من مرة: "إن إلغاء الاتفاقية سيكون بمثابة إعلان حربٍ على بلاده"؛ نظرًا إلى أهمّيتها بالنسبة للجزائر.

    تاريخُ العلاقات الجزائريّة - الفرنسيّة، حافلٌ بالأزمات والتوترات، على الرغم أنّه في الآونة الأخيرة حملت معها مراهناتٍ على تغييراتٍ تخفّف من وطأة حمولة الماضي، حيث وعد الرئيس الفرنسي ماكرون، ببناء علاقاتٍ سليمةٍ مع الجزائر تنهي التوتر، وتحقق نوعًا من الثبات، وقال في زيارةٍ سابقةٍ إلى الجزائر في شباط 2017، أن "استعمار فرنسا للجزائر الذي استمر 132 سنة، كان جريمةً ضد الإنسانيّة"؛ الأمرُ الذي رحّب به الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، الذي راهن على أن ماكرون سيغير كثيرًا في سياسة فرنسا تجاه الجزائر.. لقد عاد التوتر إلى علاقات الدولتين، عند تولي عبد المجيد تبون في كانون الأول 2019 الرئاسة. في ظل الموروث التاريخي الاستعماري بينهما، والاعتبارات الأمنية، والتوازنات الاستراتيجية، خصوصًا بعد تصريح الرئيس ماكرون المستفز "أن لا وجود لأمة اسمها الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي، وأن الجزائر قامت بعد استقلالها عام 1962 على منظومة ريع الذاكرة الذي كرسه الجنرالات فيها".. بعد ذلك، تمكن مسؤولو الدولتين من إنهاء مرحلة جفاء دامت سنوات عديدة، سمحت بأن يزور الرئيس ماكرون الجزائر في شهر آب 2022، وجرى الاتفاق خلالها على تعزيز اللقاءات والمشاورات الرفيعة المستوى بينهما، وفق عقيدة جديدة عنوانها "الندية والاحترام المتبادل". وبالفعل استؤنفت العلاقات القنصلية بين الجزائر وفرنسا في 12 كانون الأول 2022، وعاد منح التأشيرات إلى الجزائريين لمعدله الطبيعي، فضلًا عن عقد مؤتمراتٍ ولقاءاتٍ بين رجال أعمال ومستثمرين من البلدين في مجالات الطاقة، التعليم، الصحة والرياضة. لكن التوتر سرعان ما عاد، حيث استدعت الجزائر سفيرها في باريس للتشاور على خلفية قضية الناشطة الجزائريّة – أميرة بوراوي - التي تحملُ الجنسيّة الفرنسيّة أيضًا، التي تمكّنت من عبور الحدود الجزائريّة إلى تونس – بطريقةٍ غير شرعيّة - قبل أن تتابع طريقها إلى باريس. بعدها بقيت العلاقات محل جذب وشد، قبل أن تصدر الرئاسة الجزائرية في نيسان الماضي بيانًا أعلنت فيه عن زيارةٍ رسميّةٍ ستقود الرئيس تبون إلى باريس منتصف حزيران 2023، لكن الرئيس تبون ذهب إلى موسكو بدلًا من باريس.

    لم تكن العلاقاتُ الجزائريّةُ - الفرنسيّة يومًا طبيعيّة، ولم تحكمها أعراف دبلوماسيّة تقليديّة.. كما أن الذاكرة التاريخية للجزائريين حيال الفترة الاستعمارية تضغط بقوة عليهم، إضافةً إلى مسائل التدخل في شؤونهم الداخلية، وما تعدّه الحكومة الجزائرية "دعمًا فرنسيًّا لنشاطاتٍ معاديةٍ للجزائر من الأراضي الفرنسيّة"، وكذلك الدعم الفرنسي للمغرب فيما يتّصل بقضيّة الصحراء (البوليساريو)!. والخلافات في ملفّاتٍ إقليميّةٍ أخرى، مثل "مالي والصومال"..  والأهم التموضع الجيوسياسي لكل من الدولتين، في محورين متناقضين "الروسي – الصيني – التركي - الإيراني" من جهة الجزائر، "والأوروبي – الأمريكي - الإسرائيلي" من جهة فرنسا.

وأبرز المؤشّرات على زيادة حدة التوتر أن جولة وزير الخارجية الجزائري – أحمد عاطف - الأولى إلى أوروبا مؤخّرًا، لم تشمل فرنسا؛ الأمرُ الذي يدخلُ في سياق استكمال توجه الجزائر نحو البحث عن عقد شراكاتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ مع دولٍ أخرى، غير فرنسا، سواءً في أوروبا "إيطاليا وألمانيا والبرتغال" أم في الشرق "روسيا والصين و تركيا وإيران" وفي كل الأحوال لن تصل الأمور إلى حد القطيعة بين البلدين!

الأولويات الجزائريّة:

    تُظهرُ الجولةُ الأخيرة من الزيارات التي قام بها الرئيس عبد المجيد تبون إلى كلٍّ من: روسيا والصين والبرتغال وإيطاليا وتركيا والكويت و قطر ، ومجموع الفعاليات المرافقة لهذه الزيارات؛ وجودَ تحوّلٍ في الأهداف الأساسيّة من جولات الزيارة الخارجيّة، التي باتت تعدّ الاقتصاد وشراكات التنمية والاستثمارات – العنوان الأساسي -  أولويةً قبل مسائل السياسة والسلاح، وتجري الحكومة الجزائرية إعادة تقييمٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ لعلاقاتها الإقليميّة والدوليّة في المرحلة الحالية، وتوضح خريطةُ الزيارات التي قام ويقوم بها الساسة الجزائريون وجودَ توجهٍ نحو إعادة بناء علاقات الجزائر وشراكاتها – في الفترة المقبلة - على أساس المصالح الاقتصادية والمنافع المتبادلة "رابح - رابح" بحثًا عن روافع تسعف الاقتصاد الجزائري في مرحلة تحوّله عن "الريع النفطي".

    أما زيارة الرئيس تبون الأخيرة إلى موسكو التي تعدّ علاقتها شديدة الوضوح مع الجزائر من حيث اقتصارها على مجال التعاون العسكري، فإنّها وفّرت فرصة مشاركة الرئيس تبون في المنتدى الاقتصادي لسانت بطرسبورغ 2023، حيث ألقى خطابًا ضمنه "عدم الحاجة إلى الحروب والسلاح". إضافةً إلى سلسلة الاتفاقيات التي وقعت مع الجانب الروسي حول التعاون والشراكة في قطاعاتٍ حيوية، كالذكاء الاصطناعي والإنتاج الدوائي والتعليم العالي والطب والزراعة وغيرها، كما التقى رجال الأعمال الروس ودعاهم للاستثمار في الجزائر، كل ذلك يشير للاستحقاقات الاقتصادية التي تتطلع إليها الجزائر بالشراكة مع روسيا.

    ويؤكّد الخبير الاقتصادي وعضو مجلس الأعمال الجزائري مراد ملاح الذي رافق الرئيس تبون في جولة زياراته الأخيرة: "أنّ المتتبّع لمحطّات الزيارات من موسكو إلى بكين مرورًا بأنقرة وروما ولشبونة وبرلين، يجد قاسمًا مشتركًا هو استهداف مؤسّسات وشركات بعينها"، ويستطرد:" يؤكّد هذا أن محاولةً جديّةً لتحديد احتياجات الجزائر في المرحلة الحالية، ومجالات التعاون والشراكة مع كل طرف، إن لم يكن معهودًا هذا التركيز والاستهداف للشركات والمؤسّسات الاقتصاديّة بهذا الشكل الحيوي، حيث بات هناك تعاطٍ و توجّهاتٌ اقتصاديّةٌ للزيارات الرئاسية التي يسبقها معرفةٌ ودراسةٌ للشركات الأجنبية".

    ويعدُّ الخبير ملاح أن "زيارات الرئيس تبون إلى الدول الكبرى تحمل رسائلَ واضحةً مفادُها أنّ الجزائر ما تزال وفيّةً لمحور تحالفاتها وصداقاتها وشركائها التاريخيين، لكنّها في الوقت نفسه تختار حلفاءها الاقتصاديين والسياسيين بعناية، وتعزّز تفاهماتٍ جديدةً خارج المشهد النمطي القديم، الذي كان يدور في فلك المؤسّسات الفرنسيّة التي هيمنت لعقودٍ على السوق الجزائريّة".