كان لدى دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء "إسرائيل"، تحفظات جدية على منظمة الأمم المتحدة. كان قوميًا يهوديًا قويًا ومؤيدًا للاعتماد على الذات والعمل المباشر، وكان مبدأه التوجيهي في السياسة الخارجية: "ليس ما يقوله الغوييم (غير اليهود) هو المهم، بل المهم هو ما يفعله اليهود". وتماشيًا مع هذه "الحكمة"، أشار باستخفاف إلى الهيئة العالمية باسم "أوم-شموم". كلمة "أوم" اختصار عبري للأمم المتحدة، أما لقب "أوم-شموم" فيشير إلى أن الأمم المتحدة ليست ذات أهمية ويمكن تجاهلها دون عواقب.
وبينما يستمر ازدراء بن غوريون في تحديد نظرة "إسرائيل" للأمم المتحدة، فإن هذا لا يقابل برد من طرف المنظمة الدولية مما يفسح الطريق للتشهير كقاعدة عامة للصهاينة. ومن الأمثلة الصارخة، الجهود التي تبذلها "إسرائيل" وأنصارها لتشويه سمعة فرانسيسكا ألبانيز، "مقرر الأمم المتحدة الخاص الحالي المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967" واستبعادها.
ومن المعلوم أن المقرّرين الخاصين للأمم المتحدة هم خبراء قانونيون بارزون يعينهم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومكلفون بمراقبة حالة حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم وإعداد تقارير عنها. ويتمتع هؤلاء الموظفين، الذين لا يتقاضون رواتب ويعملون بعقود محددة المدة، باستقلال سياسي أكبر من موظفي الأمم المتحدة الذين يتقاضون رواتب.
يعد المقرر الخاص لفلسطين، عدة مرات في السنة، تقارير مفصلة عن التجاوزات "الإسرائيلية"، في بعض الأحيان يتعلق الأمر بقرارات تدين أفعال "إسرائيل". ومع ذلك، نادرًا ما تستجيب "إسرائيل" لمحتوى واستنتاجات هذه التقارير، وتتجاهل أي قرار ينتقدها أو تصفه على أنه معاد للسامية. وتعتمد "إسرائيل" رد الفعل هذا حتى ولو كان المقرر الخاص يهوديًا كما حدث في قضية ريتشارد فولك الذي شغل هذا المنصب من عام 2008 إلى عام 2014.
إن انتقاد دولة إسرائيل ليس بطبيعته معاد للسامية، معاداة السامية ومعاداة الصهيونية ظاهرتان مختلفتان. الصهيونية هي الأيديولوجية الرسمية لدولة "اسرائيل"، أما اليهودية فهي دين يعيش أتباعه في "إسرائيل" وخارجها. معاداة السامية هي كراهية اليهود بصفتهم يهودًا أينما كانوا، أما معاداة الصهيونية فهي معارضة الأيديولوجية التي تقوم عليها "إسرائيل" أو بعض سياساتها وممارساتها المحددة كقوة احتلال.
لذا من الممكن جدًا أن تكون معاديًا للصهيونية دون أن تكون معاديًا للسامية ومن الممكن أيضًا أن تكون معاديًا للصهيونية ومعادًيا للسامية. إذا كانت كراهية اليهود هي الدافع لانتقاد "إسرائيل"، فهذه هي معاداة السامية. لكن "إسرائيل" وأنصارها في الغرب ما زالوا يخلطون بين الظاهرتين، وبشكل متعمد في كثير من الأحيان، من أجل تشويه صورة معاداة السامية وأنصار حقوق الشعب الفلسطيني ومنتقدي "إسرائيل". وكما كان متوقعًا، تم توجيه الاتهامات بمعاداة السامية للمقررة الخاصة الحالية لفلسطين، فرانسيسكا ألبانيز. مع العلم أن ألبانيز مؤهلة بشكل استثنائي للقيام بهذه المهمة الثقيلة، فهي أكاديمية ومحامية دولية وخبيرة رائدة في معهد اللاجئين الفلسطيني. وهي مؤلفة، بالاشتراك مع ليكس تاكنبرج، "اللاجئون الفلسطينيون في القانون الدولي"، الأطروحة القانونية الأكثر اكتمالًا حول هذا الموضوع، وقد نشرت طبعتها الأولى في عام 1998 عن طريق مطبعة جامعة أكسفورد (وصدرت طبعة ثانية محدثة في عام 2020).
في ديسمبر 2022، تعرضت ألبانيز للتشهير من قبل مجموعة من المسؤولين الإسرائيليين والصحفيين ذوي الدوافع الأيديولوجية، ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، بدعوى تعليقات معادية للسامية التي تم الإدلاء بها منذ سنوات من طرف ألبانيز الأمر الذي يجعلها في نظرهم غير مؤهلة لهذا المنصب. فقد وصفتها البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة، التي كانت تعارض تعيينها في هذا المنصب، بأنها ناشطة مؤيدة للفلسطينيين وأنها تحمل تحيزًا كبيرًا ضد الدولة اليهودية. أما الحكومة الإسرائيلية، التي منعت أسلافها المباشرين، مايكل لينك وريتشارد فالك، من القيام بزيارات ميدانية إلى الضفة الغربية، فتعرقل بالمثل قيام فرنسيسكا بمهامها، وقد التحق مجموعة من كبار المسؤولين الأمريكيين بالجوقة الصهيونية. هكذا كتب مركز سيمون ويزنطال، في رسالة بتاريخ 14 ديسمبر 2022 إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، أنه "يجب فصل ألبانيز، ويجب إيقاف مطاردة مجلس حقوق الإنسان لإسرائيل إذا كانت الأمم المتحدة تأمل في الحفاظ على مصداقيتها". الحقيقة أن هذا ليس نقدًا جديدًا، بل هو لازمة قديمة تُستخدم ويعاد استخدامها لإسكات أي صوت داخل الأمم المتحدة ينتقد دولة "إسرائيل"، حتى ولو كان خجولًا أو مبطنًا. هذا، حقا عمل يشبه مطاردة الساحرات.
ألبانيز صريحة، ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك. على عكس العديد من دبلوماسيي الأمم المتحدة، فهي لا تخشى قول الحقيقة. تفويضها هو "التحقيق في انتهاكات "إسرائيل" لمبادئ وأسس القانون الدولي"، وهي تفعل ذلك دون خوف أو مصلحة ذاتية. تصف نفسها بأنها ناشطة حقوقية وتحب وظيفتها وتصر على أنه لا يمكن أن تكون هناك عدالة إذا لم تكن للجميع. على عكس منتقديها الذين يمنحون معاداة السامية وضعًا خاصًا، فهي تعارض، باهتمام كبير وفي انسجام تام، جميع أشكال العنصرية، بما في ذلك معاداة السامية وكراهية الإسلام، وهي تحظى بالإعجاب في دفاعها الذي لا يتزعزع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير.
الأدلة المقدمة لدعم الادعاء بأن ألبانيز معادية للسامية تحتقر الذكاء الإنساني وقد قادت جريدة تايمز الإسرائيلية هذا الاتهام في 14 ديسمبر 2022. فقامت بنشر إحدى تدوينات ألبانيز على فيسبوك تعود لسنة 2014، كتبت فيها: "أمريكا وأوروبا، الأولى تحت سيطرة اللوبي اليهودي، والثانية غمرها الإحساس بالذنب تجاه الهولوكوست، تظلان بعيدًا". كُتبت ألبانيز هذه التدوينة قبل ثماني سنوات من توليها منصبها في الأمم المتحدة. أما سياق نشر هذه التدوينة، الذي عادة ما يتجاهله منتقدوها، فهو العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة الذي أودى بحياة أكثر من 2000 فلسطيني، من بينهم 550 طفلًا. وقد تم استخدام القوة ضد المدنيين لأغراض سياسية، وهو، على هذا النحو، يشكل عملًا من أعمال إرهاب الدولة.
كان لدى ألبانيز كل الأسباب لانتقاد أمريكا وأوروبا لعدم قيامهما بأي شيء لاحتواء المعتدي. لكنها تأسفت لاستخدام مصطلح "لوبي يهودي" لأنه يغذي الصورة النمطية للقوة اليهودية الخفية. كان من الأدق استخدام مصطلح "اللوبي الإسرائيلي". والقول إن أمريكا "تحت تأثير" هذا اللوبي ربما كان مبالغة.
اعترفت ألبانيز بأنها أخطأت في التعبير ونأت بنفسها عن اللغة التي استخدمتها في ذلك الوقت. وفي الوقت نفسه، أكدت عزمها على عدم صرف انتباهها عن ولايتها للإبلاغ عن انتهاكات حقوق الإنسان من طرف "إسرائيل"، ولكن أيضًا أكدت على عدم السماح للآخرين بتحديد هويتها أو ما هي قناعاتها. هذا التوضيح من قبل ألبانيز لم يغير شيئًا من سلوك منتقديها لأن مشكلتهم معها ليست اللغة التي تستخدمها، بل في التدقيق في انتهاكات "إسرائيل" الجسيمة للقانون الدولي التي يولدها عملها، ودفاعها المبدئي عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني. الهدف بالنسبة للصهاينة هو ردع أي شخص يجرؤ على تحميل "إسرائيل" المسؤولية عن انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين ووصفه بأنه معاد للسامية لكنهم لا يجرؤون على قول ذلك بصراحة، وكذلك تهدف هذه الهجمات إلى صرف الانتباه عن الحقيقة، التي أكدها الشعب الفلسطيني لعقود وأكدتها في السنوات الأخيرة منظمات حقوقية عالمية رائدة، وهي أن ملايين الفلسطينيين - رجالًا ونساءً وأطفالًا - يعيشون في ظل نظام فصل عنصري يحرمهم من حقوقهم الأساسية.
ويهدف التركيز على التعليقات القديمة التي نشرتها ألبانيز على وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا إلى تشتيت الانتباه عن العمل الموضوعي الذي أنتجته منذ تعيينها من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. يعكس تقريرها الأول، الذي قدم في سبتمبر 2022، فحصًا تحليليًا عميقًا وبحثًا دقيقًا للحق في تقرير المصير كما ينطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. وفيه، تذهب ألبانيز إلى أبعد من ذلك، حيث خلصت إلى أن معاملة إسرائيل للشعب الفلسطيني ترقى إلى مستوى جريمة الفصل العنصري. يكمن الجديد في تحليلها، في الواقع، في إنشاء إطار قانوني يجعل من الاحتلال نتاجًا للاستعمار الاستيطاني. هذا الواقع الاستعماري يجعل من حق الفلسطينيين في تقرير المصير، المفتاح لتغيير هذا الواقع وبدونه لن يتمكن الشعب الفلسطيني من تأمين أي من حقوقه الأساسية. لذلك، فإن تفكيك الاحتلال ونظام الفصل العنصري المرتبطين به ارتباطًا وثيقًا هو بالتالي، في رأيها شرطًا أساسيًا لأي تسوية سلمية في إسرائيل وفلسطين.
تنتقد ألبانيز علنًا المجتمع الدولي لنفاقه في الدفاع عن حل الدولتين دون فعل أي شيء للترويج له. يمثل تقريرها نقلة نوعية: يجب أن يقود القانون السياسة، وليس العكس. لا عجب أنها لا تحظى بشعبية لدى "إسرائيل" واللوبي المؤيد لها. ولأنهم غير قادرين على دحض حججها، فإنهم يلجؤون إلى هجمات التشهير، هدفهم تشويه سمعتها وصرفها عن تنفيذ تفويضها الصادر عن الأمم المتحدة وتقويض جهودها لمحاسبة "إسرائيل" على انتهاكاتها اليومية للقانون الإنساني الدولي.
في الآونة الأخيرة، تم إطلاق عدة حملات للضغط على الأمم المتحدة لعزل ألبانيز من منصبها، وتم استخدام التغريدة المشار إليها كذريعة لتكثيف الهجمات الشخصية عليها، وأطلق المنتدى القانوني الدولي، الذي يقدم نفسه على أنه شبكة عالمية تضم أكثر من 4000 محام وناشط مؤيد لإسرائيل، في رسالة بتاريخ 11 أبريل 2023 إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس والمفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، هجومًا محمومًا ضد ألبانيز مستشهدًا بتغريدتها على أنها "دليل إضافي" على "تحيزها الصارم والمنهجي والجنون الصريح ضد إسرائيل". ودعا الأمين العام ليس فقط إلى إقالة ألبانيز، بل إلى إلغاء منصبها أصلًا. واختتم حديثه قائلًا: "ستكون خدمة الأمم المتحدة أفضل بكثير من خلال استبدال ولاية السيدة ألبانيز بتفويض المقرر الخاص لمكافحة معاداة السامية"، مع الإشارة إلى أن هذا المنتدى يتعاون بشكل وثيق مع الحكومة الإسرائيلية وقد استفاد أيضًا من دعمها المالي.
بعد ذلك، تدخلت الحكومة الإسرائيلية بشكل مباشر على المستوى الرسمي في محاولة عدوانية لنبذ المقرر الخاص وإسكاته. عميشاي شيكلي، وزير شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية الإسرائيلي، أرسل بدوره رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان يدين فيها "تصريحات ألبانيز البغيضة وغير المسؤولة والتحريضية" ويحث بدوره الأمم المتحدة على "إلغاء منصب السيدة ألبانيز بشكل دائم"، وطبعًا يتماشى السلوك الشكلي هذا مع انتماءه السياسي باعتباره عنصر يميني قومي متطرف. في بودكاست سنة 2021، على سبيل المثال، رفض شكلي بشكل قاطع أي فكرة عن الهوية الفلسطينية ودعا إلى إزالتها تمامًا. وقال إن "الهوية الفلسطينية بنيت فقط على معارضة الصهيونية، وأنه لا توجد هوية فلسطينية بمحتوى خاص، لذلك لن نتخلص من هذا الصراع إلا بمجرد إلغاء هذه الهوية الوطنية".
وتستهدف "إسرائيل" كذلك، "لجنة التحقيق الدولية الدائمة للتحقيق في الأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل"، التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عام 2021 التي تتمثل مهمتها في التحقيق في جميع الانتهاكات لحقوق الإنسان الدولية، وكذلك الأسباب الجذرية للنزاع، "بما في ذلك التمييز والقمع الممنهج" في الأراضي المعنية. كشف التقرير الأول لهذه اللجنة، الذي نُشر في ماي 2022، عن شبكة واسعة من الأدلة تشهد على انتهاكات "إسرائيل" الواسعة النطاق لحقوق الإنسان الدولية والقانون الدولي الإنساني، فضلًا عن الإفلات الممنهج من العقاب الذي تتمتع به "إسرائيل"، التي ترفض التعاون مع اللجنة كما رفضت تقريرها ووصفته بأنه "معادٍ للسامية بشكل واضح".
مسؤول آخر كبير في الأمم المتحدة استهدفته حملة تشويه هو كريج مخيبر، مدير مكتب نيويورك لمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان. هذا الرجل لديه سجل حقوقي مثير للإعجاب يمتد لأكثر من أربعة عقود. بسبب انتقاداته الصريحة لمعاملة "إسرائيل" للشعب الفلسطيني، شنت وسائل الإعلام والمنظمات المتخصصة في الدفاع عن "إسرائيل"، مثل منظمة مراقبة الأمم المتحدة ومركز سيمون ويزنتال، هجومًا منسقًا عليه في مارس 2023، واصفة إياه بأنه "مناهض متطرف لإسرائيل" و "معاد للسامية"، ثم أصدرت البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة في جنيف بشكل غير مفاجئ بيانًا يؤجج هذه التهجمات على المعني بالأمر.
سلاح "إسرائيل" المفضل لشن حملاتها العالمية لنزع الشرعية عن منتقديها هو التعريف العملي لمعاداة السامية، الذي تبناه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) في ماي 2016، وأشار العديد من المعلقين والمحامين والمتخصصين في مجال معاداة السامية، أن هذا "التعريف" ضعيف الصياغة وغير منسجم وفضفاض وسهل الاستعمال لأغراض سياسية مبيتة وغير مناسب تمامًا للهدف المعلن. إنه لا يفي بأبسط متطلبات التعريف الذي يجب عليه أن يعرف. في التعريف الأساسي، جملتان لا معنى لهما بحيث لا تذكر "إسرائيل" بالاسم، في المقابل هناك ما لا يقل عن سبعة من أحد عشر "أمثلة معاصرة لمعاداة السامية" لاستخدامها كرسوم إيضاحية تتعلق بإسرائيل.
وكما هو متوقع، فإن أحد عناصر مساءلة ألبانيز هو انتقادها الشديد لتعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) ودعوتها الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في المصادقة عليه وإعادة النظر فيه واستخدامه لهذا التعريف. وأشارت إلى أن الخلط بين انتقاد "إسرائيل" ومعاداة السامية يؤدي في كثير من الأحيان إلى اتهام جماعات حقوق الإنسان بمعاداة السامية، في حين أنهم في الواقع يعبرون عن مخاوف مشروعة ووجيهة بشأن السياسة الإسرائيلية. نقلًا عن كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لـهيومن رايتس ووتش، كتبت ألبانيز على تويتر أن "مثل هذه الصياغة تحط من مغزى معاداة السامية وتضعف النضال ضدها".
لقد اتخذت الأمم المتحدة، التي تشبهها السيدة ألبانيز بالديناصور، نظرًا لبطئها وحذرها المفرط، مؤخرًا بعض الخطوات الجديدة التي تسعى إلى محاسبة "إسرائيل"، ففي يناير 2023، طلبت الجمعية العامة من محكمة العدل الدولية في لاهاي إصدار رأي استشاري حول العواقب القانونية لاحتلال "إسرائيل" للأراضي الفلسطينية، وقد استنكرت "إسرائيل" الطلب، بحجة أن محكمة العدل الدولية منحازة ضدها ووصفه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنه "قرار حقير"، كما وصف المسؤولون الإسرائيليون الدعم الفلسطيني لفكرة اللجوء إلى محكمة العدل الدولية بأنه عمل من صنف "الإرهاب الدبلوماسي". الحقيقة أن "إسرائيل" تخاف من محكمة العدل الدولية، ليس لأنها منحازة، بل لأنها محايدة!
الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لإسرائيل هو قرار المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، فاتو بنسودة، بالتحقيق في جرائم الحرب في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تتولى محكمة العدل الدولية المساطر المدنية؛ فيما تتكلف المحكمة الجنائية الدولية بالجانب المتعلق بإجراء تحقيقات جنائية. نعرف أنه مهما كانت طبيعة التحدي، فإن رد الفعل الغريزي لإسرائيل لإيمانها منذ زمن طويل بأن الهجوم هو أفضل طريقة للدفاع، والحق فإنه كلما انفضحت ممارسات "إسرائيل" الأكثر وحشية وإجرامًا، ازدادت عدوانية المتحدثين باسمها ومجموعات الضغط المتفانية في جهودها لتشويه سمعة منتقديها وردعهم.
القاسم المشترك بين الحكومة الإسرائيلية وحلفائها في الخارج هو عدم القدرة أو بالأحرى عدم الرغبة في قبول أي معطيات موضوعية عن "إسرائيل"، وهي مبرمجة للتعامل مع أي انتقاد لإسرائيل، مهما كان منطقيًا وعقلانيًا ومستندًا إلى الحقائق، كدليل على التعصب الأعمى ضد اليهود. ومن المفارقات، أن الوحيدين الذين يستفيدون من شيك على بياض هم معادون حقيقيون للسامية مثل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وجاير بولسونارو، رئيس البرازيل السابق. الثلاثة هم سياسيون معروفون بالعنصرية لكنهم مؤيدون قويون لإسرائيل. معاداة السامية ومناصرة الصهيونية ليسا متعارضين كما يظهر للوهلة الأولى، تمامًا كما تنبأ بذلك تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية والرؤية المستقبلية للدولة اليهودية، منذ أكثر من قرن مضى، حيث قال: "سيصبح المعادون للسامية أصدقائنا الأكثر وفاءً".
اليوم "إسرائيل" هي التي تقف في قفص الاتهام، وليس المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. ألبانيز خبيرة دولية تتمتع بالكفاءة والضمير. إنها تستحق كل التهاني على الشجاعة والالتزام اللذين أظهرتهما في تنفيذ ولايتها في الأمم المتحدة، حتى أنه يحق لها أن ترتدي معظم الهجمات عليها من كل الجهات الصهيونية كوسام شرف.
مفارقة أخيرة: الأركان الرئيسية الثلاثة للديانة اليهودية هي الحقيقة والعدالة والسلام. تجسد ألبانيز هذه القيم بطريقة رائعة، وسيكون هناك العديد من اليهود في جميع أنحاء العالم، منزعجين من خيانة "إسرائيل" لهذه القيم اليهودية الأساسية، خاصة منذ تشكيل حكومة ائتلافية من اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.
***
آفي شلايم أستاذ فخري للعلاقات الدولية بجامعة أكسفورد وزميل في الأكاديمية البريطانية. أحد أبرز "المؤرخين الجدد" في إسرائيل، وهو مؤلف، من بين أمور أخرى، التواطؤ عبر الأردن: الملك عبد الله، والحركة الصهيونية، وتقسيم فلسطين (1988) والجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي (2000).
رابط المقال الأصلي: https://ujfp.org/oom-shmoom-la-bataille-disrael-contre-les-nations-unies
المصدر: موقع Jadaliyya- 7 يوليو 2023

