وأنا أقرأ خبرًا تناقلته وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية عن تكثيف أجهزة السلطة الفلسطينية جهودها لتفكيك المقاومة في مدينة جنين ومخيمها، خطر على بالي بيتُ شعر قاله الشاعر عُمر أبو ريشة وهو: "لا يُلام الذئب في عدوانه... إن يك الراعي عدو الغنم"؛ ففي هذا البيت يلخّص أبو ريشة ما يجري في فلسطين، عبر ما يُعرف بالتنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والمخابرات الإسرائيلية برعاية أمريكية، بهدف حماية الإسرائيليين، تنفيذًا لاتفاق "أوسلو" الموقع عام 1993، وكذلك اتفاق "طابا" الموقع عام 1995، اللذين يُلزمان السلطة الفلسطينية بمحاربة المقاومة ونشطائها ضمن ما أسماه الاتفاق "الإرهاب"، وجعل السلطة مسؤولة عن اتخاذ الإجراءات المناسبة ضد "الإرهابيين" من خلال التعاون أمنيًا مع إسرائيل، وهي مفارقة عجيبة أن يناط بالسلطة الفلسطينية (الراعي) مسؤولية محاربة المقاومة، التي لا يجوز أن نضعها في مقام (الغنم) بالتأكيد، ولكننا نفعل ذلك فقط بمقتضيات التشبيه في بيت أبو ريشة. وهذه المفارقة تقودنا إلى مفارقة أخرى هي أنّ التنسيق الأمني هو "الناجي الوحيد الباقي" من اتفاقية أوسلو، بعد أن استباحت إسرائيل كلّ ما يُعرف بالثوابت الفلسطينية: الأرض.. والحدود.. وحق عودة اللاجئين.. وإقامة الدولة.. وتقرير المصير..، وجعلتها صعبة المنال بفرض الحقائق على الأرض؛ لكنها - كما يقول الكاتب عاطف دغلس في موقع "الجزيرة نت" في الثالث من سبتمبر 2022 - ربطت المفاوضات وتقدّمها والدعم الدولي للسلطة بمدى قدرة الثانية على كبح جماح المقاومة وتقديم المعلومات عن أنشطتها في إطار "التنسيق الأمني".
وهناك أحداث لا يمكن أن نجد لها تفسيرًا منطقيًا، تجعل الحليم حيرانًا، وقد تدفع به إلى حافة الجنون، وكلها تدور حول "عدم لوم الذئب، لأنّ الراعي هو عدو الغنم"، ومن ذلك ما نشرته وسائل الإعلام الفلسطينية المختلفة، عن خطة أعدتها قيادات الأجهزة الأمنية لدى السلطة الفلسطينية للقضاء على المقاومة في محافظة جنين؛ إذ نقل موقع "قُدس برس" عن مصادر مطلعة أنّ مخطط الأجهزة الأمنية الفلسطينية يهدف إلى تفكيك المقاومة في جنين والقضاء عليها، وأنّ اجتماعات أمنية عُقدت، بعضها في رام الله والأخرى في جنين بهذا الخصوص، واتُفق فيها على تطبيق الخطة ذاتها، التي طبقتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية في مدينة نابلس وأفضت إلى تسليم عدد من مقاومي مجموعة "عرين الأسود" أنفسهم وأسلحتهم لها، مقابل مبالغ مالية ونيل رتب بالأجهزة الأمنية، والوعود بالحصول على عفو من الاحتلال الإسرائيلي في وقت لاحق. ويشمل مخطط تفكيك المقاومة بث إشاعات ومعلومات مغلوطة بين المواطنين لضرب النسيج الاجتماعي، وإصدار بيانات مفبركة، تتسبب بإشعال خلافات بين المقاومين، وأقرت لهذه العملية ميزانية خاصة.
والمخيمات الفلسطينية تشكّل - عادة - مركزًا رئيسيًا للمقاومة الفلسطينية، وأثبت مخيم جنين بصموده أنه رأس حربة المقاومة في الضفة الغربية المحتلة، ورمزٌ ثوريٌّ لها، وتحوّل إلى مصدر إلهام وفخر للشعب الفلسطيني. من هنا كان على الكيان الإسرائيلي أن يتخذ عدة إجراءات لمواجهة ظاهرة المقاومة هذه التي انتشرت في المخيم، الذي أصبح منطلقًا لتنفيذ العمليات الفدائية؛ ومن ضمن تلك الإجراءات، فرض حصار وعقوبات اقتصادية واجتماعية، هدفها تحريض الحاضنة الشعبية على المقاومة، وعزل الفدائيين، من أجل تخويف سائر المدن والقرى والمخيمات في الضفة الغربية المحتلة وردعها، حتى لا يمتد إليها العمل الفدائي المقاوم، وخصوصًا تكرار اختراق الجدار وتنفيذ عمليات داخل فلسطين المحتلة، هذا إلى جانب عمليات الاغتيال والاعتقال والهدم.
حتى الآن ما تزال السلطة الفلسطينية متمسكة بمسار التسوية السلمية، وما تزال ترى في المقاومة المسلحة "أعمالا صبيانية"، والسؤال المطروح: هل سينجح الاحتلال الإسرائيلي في القضاء على المقاومة في جنين؟ يبدو حتى الآن أنّ كلّ المخططات التي وضعها الكيان للقضاء على المقاومة داخل المخيم قد فشلت ولم تؤت ثمارها، فما كان منه إلا أن يلجأ إلى السلطة الفلسطينية لتكثيف الجهود لتحقيق القضاء على المقاومة، وهذا من المضحكات المبكيات فعلا؛ فالمقاومة هي خيار شعبي، ومستمرة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، سواء في جنين أو بلاطة أو غزة أو القدس أو في أي مكان آخر. ومن البديهي أنّ ارتفاع وتيرة ملاحقة واعتقال المقاومين وقادتهم من أمن السُلطة الفلسطينية، تصب بالدرجة الأولى في خدمة الاحتلال الذي يحاول السيطرة على الضفة كاملةً بقوة السلاح.
تابعتُ موضوع مخيم جنين في أكثر من موقع فلسطيني، وكانت معظم التعليقات حول الموضوع لا تخرج عن إطار بيت شعر عمر أبو ريشة، إذ رأى معظم المعلقين أنّ "العدو الأخطر الآن على المقاومة الفلسطينية هو عدو الداخل الذي يتربص بها، كما تتربص الحية بفريستها. العدو هو سلطة التنسيق الأمني وعملاؤها ومنتسبوها، الذين ارتضوا أن يقمعوا المقاومة الشريفة لحساب الكيان المغتصب". فهل نلوم الكيان الإسرائيلي على عدوانه وننسى الراعي؟! مهما بحثنا عن مبررات، لذلك فإننا لن نجدها أبدًا.

