Menu

محاور سياسية فيما يتعلق بأزمات المنطقة

محمّد جبر الريفي

ثمة إدراك لحقيقة واضحة في المنطقة العربية والشرق الأوسط بصورة عامة، وهي أن الوضع العربي ﻻ يمكن النظر إليه في الوقت الحاضر، بدون الحديث عن محاور سياسية ناضجة في تشكيلها، واضحة في تأثيرها، في كل ما يتعلق من أزمات تتعرض لها شعوب المنطقة وأنظمتها السياسية، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالقضية الفلسطينية وبمهمات النضال الفلسطيني التي لها علاقة جدليه بواقع النظام السياسي العربي، من حيث ارتباط بعض أطرافه بمصالح سياسية مع قوى إقليمية ودولية.. أول هذه المحاور هو المحور المصري الذي ينظر إليه بأنه يجسد تكتلًا سياسيًا في مواجهة قوى الإسلام السياسي، وبشكل خاص حركة الإخوان المسلمين، ويضم هذا المحور في إطاره قوى إقليمية عربية، كالسعودية والإمارات، بالإضافة إلى بعض دول الخليج العربية، باستثناء قطر، وهي دول تتميز بنظامها السياسي اﻻستبدادي الوراثي، وﻻ تعاني من أزمات اقتصاديه خانقة، بسبب الموارد المالية التي تجنيها من ثرواتها النفطية الهائلة، لكنها في المقابل تخشى من هبوب رياح التغيير التي تهب على المنطقة، والذي لدور قوى الإسلام السياسي تأثير واضح بها..
المحور المصري تعبر عنه دائمًا الوساطة المصرية المتعثرة في موضوع الانقسام السياسي، وكذلك في رعاية اتفاقية التهدئة بين حماس والكيان الصهيوني، والذي يتعرض لعدم الالتزام بين فترة وأخرى، وذلك لأن مصر قائدة هذا المحور، ينطلق دورها تجاه القضية الفلسطينية من اﻻلتزام بقضية اتفاقية كامب ديفيد، التي أبرمت في عهد السادات وظل اﻻلتزام قائمًا بها في عهدي مبارك ومرسي، أما في العهد الحالي عهد السيسي، فإن كل المؤشرات والمواقف السياسية، توحي بأن النظام في مصر سيعمل على توظيف كل جوﻻت الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لإيصال صواب وعقلانية هذه اﻻتفاقية في منهج وفكر تيار الواقعية السياسية العربي. 
أما المحور الثاني وهو المحور القطري، فإنه محور ينطلق من موقع مختلف، فقطر لم تبرم اتفاقية سلام مع إسرائيل، كما فعلت دولتي الإمارات العربية المتحدة والبحرين،  لكنها تقيم معها علاقات تجارية وإعلامية، بما يؤهلها لتلعب دورًا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكان لتراجع المد القومي بعد هزيمة يونيو 67 عام ﻻ محفزًا، لأن تلعب بعض دول الخليج العربية دورًا أكبر من حجمها لتوسيع رقعة نفوذها وتأثيرها في السياسة العربية الرسمية، وذلك على حساب دور مصر ودول المشرق العربي، ذات الثقل التاريخي والحضاري، كسوريا والعراق، وهكذا أصبحت إمارة قطر قاعدة ارتكازيه لحل بعض أزمات المنطقة.
أما علاقة قطر بحركة الإخوان المسلمين فهي علاقة مصالح سياسيه، وليست في الأساس علاقة انتماء تنظيمي، وقد تعمقت هذه العلاقة بين الطرفين لتكون مظلة تستقوي بها القيادة القطرية، في مواجهة الدور السعودي في مجلس التعاون الخليجي، وفي أزمات المنطقة عمومًا؛ فتحت مظلة الإسلام السياسي التي تخشاه السعودية والإمارات بشكل خاص، تظهر دولة قطر في المنطقة كقوة سياسية فاعلة وناشطة على الساحة العربية والإقليمية، توظفها الوﻻيات المتحدة وبعض القوى الغربية الكبرى كقناة اتصال مع قوى الإسلام السياسي المعتدل، لتليين مواقف بعض أطرافه من المشاريع والترتيبات التي تخطط للمنطقة، كمشروع الشرق الأوسط الجديد مثلا، الذي يقوم على تجاهل بل إلغاء الرابطة القومية، وهي الرابطة التي ﻻ تنسجم مع فكر الإسلام السياسي الهادف إلى بناء دوله خلافة إسلامية. 
أما في إطار المحور القطري، فتبرز تركيا كشريك استراتيجي في إعادة رسم خارطة المنطقة بنوع من فاعلية توجهها السياسي الإسلامي، الذي بدء بصعود حزب أردوغان إلى السلطة السياسية قبل أعوام والعمل من جديد، لإعادة ارتباط تركيا بالشرق وبإرث الخلافة الإسلامية العثمانية، وهكذا تنخرط تركيا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتعمل على "نصرة" الحق الفلسطيني من منطلق العقيدة الدينية، مدعومة بنزعة قومية طورانية، في سعي واضح لتجديد نفسها عبر هدف إعادة دور تركيا العثمانية في المنطقة، ولكن يحدث هذا الدور والتوجه التركي، بدون أي عمل جدي حقيقي ملموس لدفع ما يترتب على ذلك من استحقاقات سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية على مستوى العلاقة مع إسرائيل ودول الغرب المؤيدة لها، خاصة الوﻻيات المتحدة الأمريكية التي يضمها معها حلف الناتو اﻻستعماري.. 
والحال أن هذين المحورين، المحور المصري والمحور القطري، هما اللذان لهما فاعلية سياسية في أحداث المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالصراع  الفلسطيني الإسرائيلي المحتدم حاليًا في جبهة الضفة الغربية، نظرًا لتصاعد عمليات المقاومة البطولية فيها، بينما المحور الثالث الذي يسمي محور المقاومة أو الممانعة، والتي عملت الأزمة السورية على إضعافه وتفكيكه بطغيان المصلحة الطائفية والدينية، على أولويات اهتمام أطرافه... هذا المحور تميز خطابه السياسي بدعم المقاومة الفلسطينية  وبعدم اﻻعتراف بوجود الكيان الصهيوني، لكنه في ما عدا ذلك غابت فاعليته القتالية في الحروب العدوانية الصهيونية الماضية على القطاع.