بعد تجاوز حالة الإعراب عن "القلق" وهي الحالة التي لازمت تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون طوال رئاسته للمنظمة الدولية، إزاء مختلف قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، متخطياً واجبه باتخاذ موقف حازم وحاسم إزاء ما تشكله الدولة العبرية من عدوانية عنصرية ترتكب المجازر الوحشية في إطار هذا الصراع.
ها نحن نشهد أن هذه الحالة تم مغادرتها من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، ليعرب في تصريح له هو الأشد والأوضح والأكثر جرأة إزاء هذا الصراع غير المتوازن بين القوة المتغطرسة للدولة العبرية، وبين شعب أبى إلاّ أن يستمر في مقاومة الاحتلال بكل ما أوتي من عناصر القوة وأدوات ما بتناول اليد، في تصريحه أمام مجلس الأمن ، برر الأمين العام للمنظمة الدولية هجمات الشباب الفلسطيني ضد المستوطنين "إن الإحساس العميق بالعزلة واليأس يدفع بعض الفلسطينيين وخصوصاُ الشباب إلى شن مثل هذه الهجمات، ذلك أن الاحباط الذي يشعر به الفلسطينيون يتزايد تحت وطأة نصف قرن من الاحتلال وشلل عملية السلام"، لكن بان كي مون حاول أن يتوازن، عندما أدان الهجمات الفلسطينية، إلاّ أنه برر ذلك معتبراً بناء المستوطنات يلقي بالشك على التزام إسرائيل بهدف إقامة دولة فلسطينية إلى جانبها، إلاّ أن أكثر ما يمكن اعتباره أهمية في هذا التصريح غير العادي من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، قوله: كما فعلت الشعوب المضطهدة على مر العصور، فإن الطبيعة البشرية تقضي بصدور رد فعل على الاحتلال، غالباً ما يكون حاضنة قوية للكراهية والتطرف.
وإذا ما توقفنا عند السياق الذي أدلى به بان كي مون بهذا التصريح، ربما لتوقفنا عند هذه الجرأة المفاجئة أكثر من توقفنا حول التصريح بحد ذاته، إذ أن الأمر
لا يتعلق بالجرأة ولا بالدهشة بقدر ما يتعلق بسياق تصاعد إدانة إسرائيل من قبل أصدقائها التقليديين بوتيرة غير معهودة أو مسبوقة، مثل تصريح السفير الأمريكي في إسرائيل دان شابيرو حول القضاء الإسرائيلي الذي يكيل بمكيالين عند تطبيق القوانين على العرب الفلسطينيين، وفي سياق مشابه، أصدر مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، قرارات اعتبرت نقلة نوعية في المواقف الأوروبية حول الاستيطان والشرعية الدولية ومساءلة إسرائيل على خروقاتها وانتهاكها المتواصل للحقوق الفلسطينية، في حين، وفي توقيت متزامن مع كل هذه التصريحات، أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تقريراً تحت عنوان "المتاجرة مع الاحتلال" والذي رصد الانتهاكات الاقتصادية للقانون الدولي التي تنفذها شركات إسرائيلية ودولية عاملة في إسرائيل في الضفة الغربية.
في هذه السياقات، فإن السيد بان كي مون، لم يكن أكثر من مغرد مع أسراب معادلة جديدة عبر تصريحات محددة في زمن محدد، خلال أسابيع قليلة، لم تكن خروجاً عن المألوف، بقدر ما هي رسالة، ليست موجهة إلى الدولة العبرية -كما يعتقد البعض- بل موجهة إلى القيادة الفلسطينية، مفادها بإيجاز: ها نحن ندين بأقسى العبارات، وتجاوزنا تصريحاتنا ومواقفنا السابقة في إدانة إسرائيل.. لكن.. لكن هذا هو أقصى ما يمكن عمله من جانبنا، لا تراهن على ما هو أكثر من ذلك، وعليكم
أنتم اتخاذ الخطوة القادمة بإعادة الاعتبار للعملية التفاوضية مع حكومة نتنياهو.. المجتمع الدولي وقواه الأساسية، أمريكا والاتحاد الأوروبي وأمين عام الأمم
المتحدة، لم يبخلوا بإدانة إسرائيل، لكن هذه هو أقصى ما يمكن عمله من أجلكم.. تحركوا إذن...ماذا تنتظرون!!

