تُعَد الجامعة الأميركية في بيروت واحدة من أهم الصروح الأكاديمية في المشرق العربي. وهي شكلت، إلى جانب صفتها هذه، مساحة تفاعل بين طاقات شابة، كان لبعضها دور في كتابة التاريخ السياسي العربي المعاصر. فمن رحمها تمخضت أفكار سرعان ما تبلورت عملاً حزبياً، ومن أنديتها انطلق مفكرون وناشطون لعبوا في ما بعد أدواراً بارزة في بلدانهم وفي ما خصّ قضاياهم. وقد بدأ الحراك السياسي والفكري في الجامعة مبكراً، أي قبل أن ينال أي من الدول العربية استقلاله. فبرزت، على سبيل المثال، «جمعية العروة الوثقى» (تأسست كجمعية ثقافية في العام 1919) التي كان المفكر القومي والأستاذ الجامعي قسطنطين زريق أحد رعاتها البارزين، خصوصاً في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، وهي التي شكلت نواة «حركة القوميين العرب» لاحقاً، فرفدتها بالكوادر المثقفة والفاعلة في تاريخ الحركة (مؤسسو الحركة الثمانية الرئيسيون أعضاء في الجمعية ومن متخرجي الجامعة)، علماً أن الجمعية حُلّت بقرار من مجلس شيوخ الجامعة العام 1954، الذي رأى أنها تجاوزت مجال عملها الثقافي الذي أُنشئت من أجله، وبالغت في الانخراط بالعمل السياسي المباشر.
وقد كان لتقاليد العمل الطالبي في الجامعة الأميركية وسِعَة مساحاته نسبياً دور بارز في جعلها فضاء حيوياً للناشطين السياسيين، فاستفادت الحركة الطالبية من التقاليد الديموقراطية التي ميّزت الجامعة لناحية اختيار المجالس الطالبية، ومن فتح المجال أمام التفاعل الثقافي والسياسي داخل حرمها. علماً أن الأمر كان إشكالياً بحد ذاته. إذ إن العمل السياسي كان مركّزاً على قضايا عربية كثيراً ما لم تراعها سياسات واشنطن، بل تضاربت معها معظم الأحيان، بدءاً من نهاية الخمسينيات من القرن الماضي تحديداً.
من التأسيس حتى الاستقلال و«النكبة»
تأسست الجامعة الأميركية في بيروت (اسمها الأول «الكلية البروتستانتية السورية») في العام 1866، وترافق ذلك مع نمو الدور السياسي للعاصمة اللبنانية بيروت في أواخر القرن التاسع عشر، وارتباط شخصيات منها بحركة النهضة العربية. وقد كان الدور «الرسالي» للمؤسسة محورياً في تقديمها نفسها، حيث يشرح المفكر اللبناني الراحل منح الصلح في سيرته التي رواها العام 1980، أنه بحكم سكن عائلته في منطقة رأس بيروت قرب الجامعة (التي تخرّج منها فيما بعد)، كان منذ صغره على معرفة برئيسها آنذاك بيار دودج، فيصفه بأنه كان في نظره «أشبه بالقديس: أميركي بيوريتاني، مفعم بالخلقية الروحية الدينية البروتستانتية، محبّ للناس، وهجر بلاده حيث له مصانع ومزارع وجاء إلى بيروت يخدم الإنسان ويسوع المسيح، ولا يتقاضى راتباً سوى دولار واحد في السنة».
على أن النشاط السياسي سرعان ما تسلّل إلى حرم الجامعة، حيث شكل صنواً للحيوية الفكرية والثقافية فيها، خصوصاً مع تفكّك السلطنة العثمانية ونهاية الحرب العالمية الأولى وانفتاح آفاق للحالمين بالتغيير. فمع الولادة الجديدة لكيانات المشرق العربي في العشرينيات من القرن الماضي، زادت المساحة التي تحتلها السياسة في النشاطات الجامعية، وانعكست وعودُ استقلال لبنان على وعي الحركة الطالبية داخلها. وكان من بين متخرجيها في العشرينيات من القرن الماضي شارل مالك، وزير الخارجية اللبناني لاحقاً (1956-1958) ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة بعدها بعام (1958-1959)، والمشارك في إعداد «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» قبل ذلك (1948)، والذي قضى سنوات أستاذاً في الجامعة بُعيد تخرجه وأثّر في تكوين الوعي السياسي لعدد من تلامذته (يروي المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي في كتابه «الجمر والرماد» أنه بدأ يتقرّب من «الحزب السوري القومي الاجتماعي» ولاحقاً من زعيمه أنطون سعاده بعدما طلب منه أستاذه مالك إعداد دراسة عن الحزب، الذي كان، للمفارقة، خصماً فكرياً لمالك ذي النزعة «الاستقلالية»). وفي الأربعينيات بعد الاستقلال، تخرّج الوزير والنائب والصحافي اللبناني الراحل غسان تويني من دائرة الفلسفة في الجامعة، قبل أن يحاضر في قسمها الخاص بالعلوم السياسية ويدخل الندوة البرلمانية في الخامسة والعشرين من العمر، أي بعد سنوات قليلة؛ تبعه سليم الحص في مطلع الخمسينيات، رئيس الحكومة اللبنانية لاحقاً خمس مرات، متخرجاً من قسم الاقتصاد وإدارة الأعمال، علماً أن الرئيس الحص، برغم ميوله «العروبية» الباكرة، لم يكُن منخرطاً في العمل السياسي وقت كان طالباً.
في موازاة ذلك، جاء بروز الملامح الأولى للقضية الفلسطينية مع انتفاضة العام 1936 وبداية دخول «فلسطين» قاموس الحركة الطالبية، وهو أمر ضاعفت من تأثيره دراسة فلسطينيين من جيل «النكبة» في بيروت، فتركوا بصماتهم على مناخ الجامعة واهتمامات الطلبة فيها. هكذا، شكّل القياديان الفلسطينيان المؤسسان في «حركة القوميين العرب» ثم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، جورج حبش ووديع حداد، الطالبان في كلية الطب آنذاك، مثالين بارزين في هذا السياق. كذلك كان حال زميليهما في الطب وفي تأسيس «حركة القوميين العرب»، السوري هاني الهندي، والكويتي أحمد الخطيب الذي أصبح نائباً بارزاً في مجلس الأمة الكويتي بدءاً من الستينيات، وجميع المذكورين كانوا طلاباً في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي وأعضاء في «جمعية العروة الوثقى». ومن الأمثلة البارزة أيضاً حيدر عبد الشافي، الطالب في كلية الطب مطلع الأربعينيات، والذي التحق لفترة وجيزة بـ «حركة القوميين العرب» كطالب ثم اختط لنفسه مساراً سياسياً مغايراً فيما بعد في «منظمة التحرير»، إلى أن ترأس الوفد الفلسطيني في مؤتمر مدريد للسلام العام 1991. كذلك شفيق الحوت، أحد مؤسسي «منظمة التحرير الفلسطينية»، وهو الذي كان مقرباً من «الشيوعيين» أثناء دراسته وتخرّج من الجامعة الأميركية - التي كان يحلو له وصفها بـ «مصنع الرجال» - في العام 1953.
من الخمسينيات حتى الحرب الأهلية
وقد شهدت مرحلة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، في كنف الجامعة الأميركية، نشأة عدد كبير ممن أصبحوا لاحقاً رموزاً في الحركات القومية واليسارية والإسلامية في لبنان والمشرق العربي. ولعبت الأندية الحاضنة لنشاطهم، بالإضافة للتفاعل بين أصحاب الجنسيات المختلفة منهم وارتباط حراكهم بهموم المنطقة العربية عموماً، دوراً مسهّلاً لناحية انخراطهم في العمل السياسي.
فضمت الأندية المعبرة عن جنسيات منتسبيها عدداً ممن أصبحوا في ما بعد مسؤولين في بلادهم، خصوصاً الأردن، حيث إن التجمّعات تلك كانت تحوي منتمين إلى عائلات مقربة من جهات رسمية أو حكومية، وكانت أكثر «تقليدية» في تعاطيها مع الشأن السياسي. ومن بين الأردنيين الذي ارتادوا الجامعة الأميركية وتخرجوا منها مثلاً، هناك وصفي التل الذي ترأس ثلاث حكومات أردنية في الستينيات (علماً أنه كان مقرباً من «حركة القوميين العرب» لفترة وجيزة)، وعبد الحميد شرف الذي تبوأ منصب رئاسة الوزراء في الأردن نهاية السبعينيات، وعبد الكريم الكباريتي الذي أصبح رئيساً للحكومة ووزيراً للخارجية في التسعينيات، وقد كان رئيساً للتنظيم الطالبي الأردني في الجامعة الأميركية مطلع السبعينيات، وعبد الله نسور الذي صار رئيساً للحكومة العام 2012. في المقابل، وبما أن الجامعة كانت مقصداً لطلاب من دول عربية مختلفة، فقد انصهر كثير منهم في تشكيلات حزبية قومية وكان بعضهم أساسياً في نشر دعوتها في الوسط الطالبي، كـ «البعثي» العراقي سعدون حمادي الذي أصبح رئيساً للحكومة وللمجلس الوطني العراقي في أكثر من محطة لاحقة، والناشط السياسي الفلسطيني، «البعثي» هو الآخر، عبد الوهاب كيالي.
وقد أثّرت مرحلة الستينيات والسبعينيات على خيارات عدد من الشخصيات التي لعبت أدواراً سياسية لاحقة في بلدانها، علماً أن تشكّل هوية الطلبة في المرحلة الجامعية أخذ أشكالاً مختلفة. فالمعارض الإسلامي الأردني ليث شبيلات، مثلاً، بدأ حياته في الجامعة بعيداً عن التديّن وعن أي نشاط سياسي يُذكر، برغم كونه ابن السياسي والديبلوماسي الأردني المعروف فرحان شبيلات. وفي حين باشر معن بشور نشاطه السياسي في الجامعة «بعثياً» وأكمله خارجا قومياً عربياً بالمعنى الأوسع، تماماً كرفيقه في الحزب، وزير الداخلية اللبناني لاحقاً بشارة مرهج، كان رئيس الحكومة اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة متابعاً لنشاط «حركة القوميين العرب»، ليصبح بعد ذلك من أركان الخط الاقتصادي «الليبرالي» والسياسي الحليف للمملكة العربية السعودية في لبنان. وقد مرّت على الجامعة الأميركية شخصيات صدف أن ورثت أعباءً سياسيةً ثقيلةً بُعيد تخرجها مباشرة، كوليد جنبلاط الذي أنهى دارسته قبل الحرب الأهلية اللبنانية بسنتين وقبل اغتيال والده كمال جنبلاط بأربع، فيما انخرط آخرون في العمل الأكاديمي طويلاً قبل التحول نحو السياسة في ما بعد، كالنائب الكويتي الإسلامي عبد الله النفيسي.
وقد انسحبت المتغيرات العربية («النكسة العام 1967 ثم وفاة عبد الناصر العام 1970) والأوضاع اللبنانية المتفجرة في السبعينيات على الحركة الطالبية وخطابها وتنافس أطرافها. كما تأثر الوعي الطالبي بتراجع المد الناصري واتساع الفجوة بين اليساريين والقوميين (كان يحلو لشفيق الحوت أن يقول مازحاً إنه لم يحدث أن تقاطع أيديولوجياً مع جورج حبش، فحين كان الأول ماركسياً والثاني عروبياً أيام الجامعة، كانا على تنافس، وحين انقلبت الآية وتبادلا الضفاف، ظلا متمايزين لكن بشكل معاكس). ومع انتقال «منظمة التحرير» إلى لبنان بعد أيلول 1970، بات العمل الفدائي يشكل واحداً من متون الخطاب الطالبي الأساسية، تأييداً له أو تحفظاً عليه. وانعكس ثقل العامل الفسطيني على الساحة اللبنانية على أوجه الحراك الجامعي، فتحوّل مجلس ممثلي الطلاب إلى ما يشبه ذراعاً تعبوية للأحزاب والحركات الناشطة في لبنان، كما حطّت أفكار اليسار داخل الجامعة وارتبطت المسائل المطلبية بالقضايا والشعارات السياسية العامة (احتجاجات عامي 1970 و1974 على رفع معدل الأقساط واحتلال أبنية جامعية في إطار «الاحتجاج» مثلاً).
بعد الحرب الأهلية
مع بداية الحرب الأهلية، تراجع دور النشاط السياسي في الجامعة الأميركية شأنها شأن بقية الجامعات في لبنان، حيث أصبح الأمن والفكر والسياسة محاور مترابطة، ولم يعد النقاش السياسي ترفاً متاحاً في ظل لعلعة الرصاص. ثم دخل هذا النشاط طوراً جديداً مع مرحلة السلم الأهلي، حيث بدت المجموعات اليسارية والتكتلات المستقلة قادرة على إدارة دفة العمل الطالبي في مرحلة التسعينيات، قبل أن ينعكس الاستقطاب السياسي الحاد في البلاد على النشاط الطالبي داخل الجامعة، خصوصاً بعد العام 2005، فبدا وكأن الطبقة السياسية التي ولّدها «اتفاق الطائف» أنتجت كامل مفاعيلها، بخرقها أسوار «الأميركية» وبسط هيمنتها على المجالس الطالبية، التي لطالما تميّزت بحفظها هوامش واسعة للثقافة السياسية البديلة أو غير التقليدية. بيد أن الحركة الاحتجاجية الأخيرة في لبنان أثبتت أن المسار الراهن ليس عصياً على التغيير، حيث بدت اللوائح المتعاطفة مع «الحراك» نِهاية العام الفائت نداً لتلك التي تمثل أحزاب الطبقة السياسية الراهنة. علماً أنه، خلافاً لمراحل سابقة، يصعب تخيّل مسؤولين لبنانيين من متخرجي الجامعة في المستقبل ممن لا ينتمون إلى أحزاب حاكمة اليوم، إلا إذا حصل تغير جذري في طبيعة العلاقة بين المواطن الفرد والطبقة الحاكمة بأدوات الريع الزبائني. فيما يصعب تنبؤ المدى الذي يمكن لهذا أن يحصل في دول عربية في المشرق العربي تحديداً، نظراً لغياب الاستقرار فيها، برغم أن كمية الطلبة السوريين اللامعين في «الأميركية»، بمختلف اتجاهاتهم السياسيّة، تشي بإمكانية أن يلعب بعضهم أدواراً سياسية مهمة في المستقبل، بعد أن تنهض سوريا من بين ركام حربها.
ما ذُكر في هذه المقالة مجرد نماذج من بيئات ومشارب ومراحل تاريخية مختلفة تعاملت مع الفضاء الذي أمّنته لهم الجامعة الأميركية، كل وفق هويته وأسلوبه وأولوياته. لكن المشترك بين كل هؤلاء وآخرين هو دور هذه المرحـلة في تشكيل وعيهم وبلورة أولى ملامح هويتهم السياسية، التي ثُبّتت من دون تغيير عند البعض، فيما أعيد تشكيلها على نحو مختلف عند البعض الآخر.
يبقى القول إنه طوال المراحل المذكورة، كان ارتباط الجامعة بـ «الشارع» السياسي مركّباً، عضوياً أحياناً، لكن مرتبك أحياناً أخرى، لناحية أنه يعكس إشكالية العلاقة بين الخطاب النخبوي والممارسة العملية، كما بين الطبقات الاجتماعية الميسورة أو المتوسطة والطبقات الدنيا، علماً أن دخول الجامعة كان أيسر لمن لا يملك مالاً في السابق، في ما هو اليوم يعتمد أساساً على تسهيلات مالية للمتفوقين منهم (رئيس الحكومة اللبناني الأسبق سليم الحص كان يصنّف نفسه فقيراً ومضطراً للعمل توازياً مع دراسته الجامعية التي لم تكن أقساطها بالغة الكلفة أصلاً). وقد فرضت العلاقة تلك أسئلة تتصل بمدى كون الجامعة نموذجاً مصغراً عن الحركة السياسية العامة في لبنان والمشرق العربي، وبمدى الفاصل بين أحلام النخبة فيها وواقع «العامة»، وبمدى تشكيلها مرآةً، ولو بشكل جزئي، لواقع مدينة بيروت وتاريخها ودورها.. طوال مئة وخمسين عاماً.
المصدر: السفير

