تشكّلُ العلاقاتُ الأمريكيّةُ الأوروبيّةُ أحدَ ثوابت السياسة الدوليّة، التي رافقت النظام الدولي المتشكّل بعد الحرب العالميّة الثانية، وعايشت كلَّ تغيّراته الجارية حتّى اللحظة الراهنة؛ الأمرُ الذي يدفعُ للسؤال حولَ سببِ هذه الاستمراريّة، وهل تكمّنَ في الرغبة والإرادة المتساوية لطرفي العلاقة؟ أم تعودُ إلى نوعٍ من الاعتماديّة والتبعيّة المفروضة - بصيغةٍ ما - التي خلقت نوعًا من الاختلال بين رغبة أحد أطرافها في الانفلات من ربقتها، وكوابح الضغط التي تجبره على البقاء في إطارها؟
يذهبُ المقالُ إلى أن التدقيق في مضامين العلاقة يكشفُ عن أنّها تكاد تدار لصالح طرفٍ واحدٍ من أطرافها، وأنّها تنضبط في مسارها إلى مصالحه الاستراتيجيّة والحيويّة، وأنّها تشتغلُ عبر بنيةٍ ثلاثيّة - بغض النظر عن الترتيب ومستوى الظهور - تتمثّل في التباين بين أطرافها، والمحاولة؛ أي رغبة أحد أطرافها في الاستقلالية، والخضوع؛ أي خضوع وانضباط صاحب الرغبة إلى إرادة الطرف المتحكّم، ونتناول هذه القضايا عبر العناوين الآتية:
أوّلًا/ التأسيس الجيوبولتيكي للعلاقة:
يعدّ نيكولاس سبيكمان (1893 - 1943) الجيوبولتيكي الأمريكي (هولندي الأصل) وبوصفه أحد أنصار النزعة التدخّليّة الأمريكيّة، المهندس النظري للعلاقات الأمريكيّة الأوروبيّة، ومنظّر عقيدة الاحتواء التي سعتْ أمريكا إلى تطبيقها خلال مرحلة الحرب الباردة. وتتلخّص رؤيته في تعريف الجيوبولتيك بأنّه وضع سياسة السلامة للدولة على أساس العوامل الجغرافيّة، وأنّ مركز الدولة الجيوبولتيكي يتوقّف على موقعها الجغرافي الثابت، وعلى علاقة هذا الموقع بمراكز الثقل في السياسة العالميّة، ولما كانت مراكز الثقل هذه في تغيّر؛ فإنّ قيمة الموقع الجغرافي للدولة في تغيّرٍ أيضًا، وارتباطًا بذلك، صاغ عام 1944 نظريّة حدود/حافة الأراضي، وهي أطراف أوراسيا (أوروبا وآسيا) وبشكلٍ خاصٍّ في أوروبا الغربيّة والشرق الأقصى، وارتباطًا بذلك أطلق على المحيط الأطلسي (المحيط المتوسط) وأوصى بتحالف أمريكا مع دول أوروبا الغربيّة المشاطئة له، خاصّةً بريطانيا، لتصبح المصالح الأمريكيّة من الضرورات الاستراتيجيّة لأوروبا الغربيّة، وبذلك وضع الأرضيّة التي تأسّس على هديها حلف شمال الأطلسي بعد الحرب الثانية، الذي شكّل الأداة التنظيميّة العسكريّة للمعسكر الغربي، وفي إطارها تأسّست العلاقة الأمريكيّة الأوربيّة في صورتها المتعيّنة. وأوّل ما تتّسم به هذه العلاقة هو عدم التوازن، من زاوية عدد مكوّناتها وتمثيلها السياسي الدولي، فهي تقومُ بين أمريكيا بوصفها دولةً واحدةً ذات سيادة، وقرار واحد، والدول الأوربية في مستويين؛ أوّلًا مع (الاتحاد الأوروبي) باعتبارها صيغةً فوق وطنيّةٍ تنضوي على مجموعةٍ من الدول المستقلّة المتزايدة، وثانيًا علاقتها مع كلّ دولةٍ على حدة، عبر التمثيل السياسي المتعارف عليه دوليًّا. إنّ الصيغة الجامعة بقدر ما تشكّلُ إطارًا عامًّا للالتقاء حول مجموعةٍ من القضايا، دون أن ينفي ذلك التباين حول عديد القضايا بين الدول المنضوية بداخله، كما أنّ العلاقات الثنائيّة، وبغض النظر عن النديّة الشكليّة، إلّا أنّها تندرجُ على خطٍّ طويلٍ من الارتماء في حضن أمريكا أو محاولة ممارسة نوعٍ من الاستقلاليّة عنها، ذلك يقود إلى الاستنتاج بأنّ مسافة العلاقة الأمريكيّة الوديّة أو السلبيّة لا يمكن أن تكون بذات القياس بينها، والاتحاد من ناحية، ومكوّناته من ناحيةٍ ثانية، كما يعني أنّ خلافًا أو اتّفاقًا بين أمريكا والاتّحاد، لا يعني بالضرورة انسحابه بالمستوى ذاته على كل المكونات أو العكس. ومن ناحيةٍ ثانية، تبرزُ أمريكا كونها الطرف المتحكّم في العلاقة والموجّه لها، وعجز الأطراف الأخرى عن الذهاب بعيدًا عنها؛ لينتهيَ الأمرُ كما صاغه سبيكمان "تصبح المصالح الأمريكيّة من الضرورات الاستراتيجيّة لأوروبا الغربيّة".
ثانيًا/ تجلّياتُ العلاقة في مواجهة الخطر المشترك:
تأسّست العلاقات بين الطرفين نتيجةً لانخراط الولايات المتّحدة الأمريكيّة في الحرب العالميّة الثانية بعد هجوم بيرل هاربر، وإذا كانت ملامح العلاقات قد رُسمت خلال مسار الحرب وتطوراتها، فإنّها قد تبلورت بشكلٍ أوضح في سياق نتائجها، وأبرزها انقسام العالم إلى قطبين؛ اشتراكي ورأسمالي، كما سارت العلاقات بيسرٍ في الأوساط الأوروبيّة؛ بفعل تأثير الصورة الإيجابيّة للولايات المتّحدة الأمريكيّة، كونها قامت بدورٍ رئيسيٍّ في تحرير أوروبا الغربيّة من الفاشيّة، وساعدتها على النهوض الاقتصادي، عبر مشروع مارشال ١٩٤٧، وقد نهضت العلاقة خلال تلك المرحلة على ثلاثة ركائز؛ أوّلها الركيزة العسكريّة المتمثّلة في حلف الناتو أو منظمة "حلف شمال الأطلسي" التي قامت الولايات المتّحدة إلى جانب إحدى عشرة دولةً أوروبيّةً بتشكيله عام 1949؛ بهدف ردع أي تهديدٍ توسعيٍّ من قبل الاتحاد السوفييتي في القارة الأوروبيّة. وثانيها الركيزة السياسية التي تجسّدت في العلاقات الرسميّة عام 1953، عندما زار سفراء الولايات المتّحدة، الجماعة الأوروبيّة للفحم والصلب، وهي الصيغة الأوروبيّة الجامعة أنداك. وثالثًا الركيزة الأيديولوجيّة القائمة على أساس تقارب الأنظمة المكوّنة للعلاقة سياسيًّا واقتصاديًّا ودينيًّا، وتوافقها على مواجهة "الشيوعيّة" التي يمثّلها "الاتحاد السوفييتي" باعتباره عدوًّا مشترك، وادّعاء أطراف العلاقة تمثيلهم لمبادئ النظام الديمقراطي الليبرالي العالمي في مواجهة النظام الاشتراكي. لكن هذه الصورة شبه المكتملة للعلاقة لم تستطع أن تحجب ثلاثة قضايا ستبقى ملازمة، بمستوياتٍ مختلفة، لكل مسار العلاقات الأمريكيّة الأوروبيّة اللاحق، وهي: أوّلًا، تباين المواقف؛ الأمرُ الذي ظهر خلال حرب السويس عام 1956، حيث تباينت المواقف بين فرنسا وبريطانيا من ناحية، وأمريكيا من ناحية ثانية. وثانيًا، محاولة أوروبا بلورة صيغةٍ إقليميّةٍ خاصّةٍ بها، وقد تبدّى ذلك في توقيع اتفاقية روما 25 مارس 1957، التي وسّعت مجالات التعاون، وأصبحت المجموعة تحمل اسم المجموعة الاقتصاديّة الأوروبيّة، وثالثًا، خضوع الموقف الأوروبي وانضباطه لصالح الموقف الأمريكي من ناحية، وإدارة أمريكيا للتباين من موقع مصالحها أوّلًا، فقد استغلّت حرب السويس لمصلحتها، وتعاملت مع شركائها على قاعدة التغاضي عن الطموح الاقتصادي، وضبط سقف الطموح السياسي وتحديده.
ثالثًا/ العلاقة في ظلّ الأحاديّة القطبيّة:
لقد عادت ثلاثيّة التباين والمحاولة والانضباط إلى الظهور بشكلٍ جلّي، لحظة زوال الاتحاد السوفييتي، والانتصار على "الخطر" الموحد لأطراف العلاقة، والمفارقة أن الانتصار قد رُسم لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، التي اختلفت مع شركائها في تقييم النظام العالمي المتكوّن، وصاغت تصوّرها للعولمة على قاعدة فرض هيمنتها على العالم. وفي هذا السياق، حددت التهديدات الأمنيّة المستحدثة في الإرهاب والدول المارقة والفاشلة، وجعلت الحرب وسيلةً لدرئها. ومن جهةٍ ثانية، برز التوجّه الإقليمي للاتحاد الأوروبي الساعي إلى تأدية دورٍ سياسيٍّ على الصعيد الدولي دون الإذعان إلى واشنطن، وفي هذا السياق تم تحديد مصادر التهديد فيما يمكن أن يترتب على العولمة من هجرةٍ وفقرٍ وتغيّرٍ مناخي، وكانت دول أوروبا الغربية قد دشنت هذه المرحلة بتوقيع معاهدة ماستريخت عام 1992 التي تم بمقتضاها تجميع مختلف الهيئات الأوروبيّة، ضمن إطارٍ واحدٍ هو الاتّحاد الأوروبي، الذي أصبح التسمية الرسميّة للمجموعة.
لقد تمثّل المتغيّر الأهمّ في نسيج العلاقات خلال هذه المرحلة في ظهور مفهوم الأوربيتين، القديمة (الغربية) والجديدة (الشرقية) التي كانت منضويةً في حلف وارسو، وأصبحت عضوًا في الناتو وفي الاتّحاد، لكنّها ربطت عراها بالحبال الأمريكيّة، وباتت تتصرّفُ ضمن الاستراتيجيّة الأمريكيّة. لقد وضعت الولايات المتّحدة نصب عينها استمرار السيطرة على الاتحاد الأوروبي، فنجدها في الوقت الذي تدعم تكامله الاقتصادي، تتقدم ضامنةً لأمنه، وتعزّز تمركزها بالاستناد إلى الأعضاء الجدد في الحلف وفي الاتحاد، ولا تتورّع عن وضعه تحت ضغطٍ عالٍ مثل انتقاد ترامب أوروبا بحجّة ضعف مساهمتها في ميزانيّة حلف الناتو، وأن الاتّحاد الأوروبي نشأ لاستغلال الولايات المتّحدة؛ وتأييده خروج بريطانيا منه، وقد أسهم ذلك في إضعاف القرار السياسي الأوروبي وعرقلة أي محاولاتٍ لتشكيل قوّةٍ أوروبيّةٍ موحّدة.
رابعًا/ العلاقةُ على وقع الحرب الروسيّة الأوكرانيّة:
شكّل اندلاع الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، وانفتاحها على عديد الاحتمالات التي تتجاوز الرقعة الجغرافيّة للصراع الى الساحة الدوليّة برمّتها، مناخًا ملائمًا لاشتغال ثلاثية التباين، والمحاولة والرضوخ في إطار العلاقات الأمريكية الأوربية، بشكلٍ غير مسبوق. فبالنسبة للتباين، فقد سبق الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، وظهرت ملامحه في الانسحاب الأمريكي المنفرد من أفغانستان، وفي أزمة الغواصات الفرنسيّة، وتحالف أوكوس، وبرز بشكلٍ أوضح في سياق الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، وتصاعد أزمة الطاقة والتضخّم في أوروبا، وكذلك التباين في الرؤى الاستراتيجيّة بين أوروبا والولايات المتحدة تجاه الصين. وفي مواجهة ذلك ظهرت محاولات الدول الأوروبية ورغبتها في الاستقلالية الاقتصادية والعسكرية والسياسية عن الولايات المتحدة، وتأدية دور سياسي موازٍ لثقله الاقتصادي على الساحة الدوليّة، وفي هذا السياق دعت فرنسا الاتّحاد إلى فكّ الارتباط بواشنطن، وقرّرت ألمانيا زيادة إنفاقها العسكري. لكن تجسيد هذه الرغبة يبقى رهين قدرة الاتحاد الأوروبي على توحيد مواقف أطرافه وسياساته، وهي مسألةٌ مستبعدةٌ؛ نتيجةً للخلافات والمماحكات بين فرنسا وألمانيا من ناحيةٍ أولى، والارتباط الوثيق بين بريطانيا وأمريكيا (وقد تجلّى ذلك في موقفها من الحرب) من ناحيةٍ ثانية، وبروز المسافات داخل الاتحاد بين أوروبا القدميّة والجديدة؛ الأمرُ الذي عبّر عنه رئيس وزراء بولندا بالقول: "أوروبا القديمة تؤمّن باتفاقيّة مع روسيا، وأوروبا القديمة فشلت. لكن توجد أوروبا جديدة، أوروبا تتذكر ما كانت عليه الشيوعيّة الروسيّة، وبولندا زعيمةُ أوروبا الجديدة هذه". وفي ظلّ واقع أوروبا لم تجد خيارًا غير الرضوخ والانضباط للموقف الأمريكي، والاستمرار في إرسال الإمدادات إلى كييف، في ظلّ الأزمات الاقتصاديّة التي تعانيها أوروبا. وفي هذا السياق وافقت ألمانيا وفرنسا على الاستمرار في إرسال الدعم العسكري وغيره إلى أوكرانيا بعد أن ماطلتا وتمنعتا، وذلك على الرغم من أوضاعهما الاقتصادية واندلاع الاحتجاجات والمظاهرات في الشوارع ضد الحرب.
خاتمة:
إنّ الانصياع الأوروبي الغربي للموقف الأمريكي، وبالنتيجة؛ الاستمرار في التبعية لها، يعود إلى عاملين، أولهما قوة الضغط الخارجي المتمثل في أن أمريكيا تعدُّ التوجّه الأطلسي أهم أولويات سياستها الخارجية، وأهم أرصدتها للمناوشة في الساحة الدولية، خاصّةً في ظلّ تراجعها، وبروز ملامح تشكّل نظامٍ دوليٍّ متعدّدِ القوى والأقطاب. وثانيهما الضغط الداخلي المتمثّل في الواقع الأوروبي وخلافاته الكامنة، وارتباط جزءٍ منه بالإرادة الأمريكيّة. يتولّد من هذين الضغطين ممرٌّ وحيدٌ للاستمرار، وهو الاستمرارُ في التبعيّة لأمريكا، مع المحافظة على الروابط المتحقّقة داخل القارة ضمنَ الاتّحاد الأوروبي.

