في تطوّرٍ لافتٍ أعلنت الخارجيّةُ الأميركيّةُ في حزيران الماضي وقفَ مشاركتها في مؤسسات البحوث والعلوم في مستوطنات الضفّة الغربيّة في الصناديق المشتركة مع إسرائيل، قبل سنوات فعلها الاتحاد الأوروبي وعلقت تافاقية هوريزون للعلوم بالتعاون مع إسرائيل، وحينها قامت الولايات المتحدة بالضغط على أوروبا للعودة عن قرارها، لكن حين تفعلها الولايات المتحدة، فهذا تطوّر مهمّ على صعيد علاقةٍ تتعرّض لهُوةٍ لم تحدث منذ إنشاء إسرائيل.
مع تطوّر الأزمة في إسرائيل بدأت تتعالى الأصوات الناقدة، وأبرزها ما كتبه توماس فريدمان الشهر الماضي بأن أميركا بدأت بإعادة تقييم علاقتها مع إسرائيل، وهو المقال الذي أحدث قدرًا من الصدمة في الداخل الإسرائيلي ليس لجهةٍ مهنيّةٍ كاتبه، بل لقرب فريدمان من الرئيس بايدن ما عدّ أن تلك كانت رسالة من البيت الأبيض.
مقالات بدأت تكتب ملاحظات نقدية، وبعضها يطالب بمراجعة الدعم المقدم لإسرائيل، جزء منها من كتاب الأعمدة جزر آخر من سفراء سابقين لواشنطن في تل أبيب، مثل مارتن انديك صديق إسرائيل ودان كريتزر، الذي لا يقل حميميةً معها، فقد باتت إسرائيل محل نقاش في الأروقة السياسية الأميركية، وهو ما لم يحدث من قبل، بل كان واحدًا من الخطوط الحمراء في السياسة الأميركية، يتقرب لها كل العاملين في الحقل العام بدءًا من الرئيس مرورًا بكلّ المؤسّسات.
لم يكن مسموحًا الحياد بما يخصّ إسرائيل، بل موالاة تامة، هكذا كان الأمر لعقودٍ لكن في السنوات الأخيرة بدا أن هناك تصدّعًا في هذا الجدار بدا يُسمع صوته بحدّة في الأشهر الأخيرة، وازداد صخبه في الأسابيع الماضية بما لا يدع مجالًا للشك بأن هناك تغيّرًا ما يحدث ولا يمكن تجاهله، وازداد وضوحًا وتسارعًا في الآونة الأخيرة.
الشهر الماضي بينت نتائج استطلاع غالوب تراجعًا في تأييد إسرائيل داخل الولايات المتحدة، ويزداد هذا التراجع أكثر بين مؤيدي الحزب الديمقراطي، ليحظى الفلسطينيون لأول مرة بتأييد الجيل الشاب من مؤيدي الحزب أكثر من إسرائيل مع تنامي التيار التقدمي داخل الحزب الحاكم ووصول عدد من مؤيدي الفلسطينيين للكونجرس في الدورات الأخيرة، وفشل مؤيدي إسرائيل من إسقاطهم رغم الضغط والمال، كل تلك تعكس ميولًا بدأت تتضح في السياسة الأميركية التي تعدّ انعكاسًا للمزاج السائد وتحديدًا مؤيدي حزبها.
هذا الميل لم يحدث فقط بعد انتخاب حكومة اليمين، وبدء إجراءات ما أسمتها بالثورة القضائية، أو بعد حرق حوارة ودعوة وزير إسرائيلي وتأييده للجريمة، لكن تلك الحكومة سرّعت أو سهلت على السياسة الأميركية كسر التقليد المعروف بعدم انتقاد إسرائيل، لكن المزاج العام آخذ بالتغير منذ سنوات، كانت إشارته الأولى قبل عامين في الحرب على غزة والتظاهرات الأميركية ضدّ العدوان ووصول الجدل إلى عتبة الحزب الديمقراطي الذي قال حينها توماس فريدمان في مقال "كادت الحرب وتداعياتها تفجر الحزب".
لم يكن ما حدث في الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير من تجاهلٍ تامّ لإسرائيل سوى تعبيرٍ آخر عن فتور العلاقة، حيث تمت الصفقة بين واشنطن وطهران بالإفراج عن الأسرى مقابل الإفراج الأميركي عن أموال إيرانية في بنوك كوريا الشمالية و العراق دون إخطار إسرائيل أو اشراكها كما جرت العادة بل أكثر، فسابقًا تمكنت حكومة لابيد قبيل الانتخابات الإسرائيليّة السابقة من منع اتفاق بين الطرفين، فقد كان لها من الحضور والشراكة ما يمكنها من وضع فيتو على القرار الأميركي، لكن نتنياهو الذي يحلم بعتبة البيت الأبيض هذه المرة علم بالاتفاق متأخّرًا ليعلّق بخفوتٍ شديد.
بعد الاتفاق المتعلّق بالأسرى والأموال كتب عاموس يدلين رئيس مركز دراسات الأمن القومي ما يعطي الاستنتاجات الحقيقية عن "إخفاق الاستراتيجيّة التي يقودها بوقف إيران قبل دخول العتبة النووية ومعارضة أي اتفاق؛ الأمر لا يتعلق فقط بإيران ومفاوضاتها بقدر ما يؤشر لتردي العلاقات وقد كان يدلين في شباط الماضي مطلع التعديلات القضائيّة كان قد حذّر من أحد تهديدات الأمن القومي، وهو اهتزاز العلاقة مع الولايات المتحدة.
أيضًا لا يتعلّق الأمر بتعديلات قضائية، وهي تلك التي تم إقرارها منتصف تسعينات القرن الماضي، وقبلها كانت العلاقة بين واشنطن وتل أبيب في أفضل حالاتها، ولكن الشعور الأميركي بالانفصال الثقافي والنفسي وتآكل القيم المشتركة بين الدولتين، وهو ما ذكره الرئيس بايدن صراحةً، وبالنصّ في أحد تصريحاته.
لم تكن الولايات المتّحدة الدولة الرئيسيّة في إقامة إسرائيل، بل كانت أوروبا، بريطانيا أوّلًا ثمّ فرنسا التي قاتلت إسرائيل بطائراتها في حرب حزيران 67، وبعد ذلك بدأ التبني الأميركي بشكلٍ كاملٍ وقد كان الإساس في ذلك مجموعة المصالح المشتركة، ولكن ذلك لم يكن كافيًا لصناعة توأمة، فقد كانت دول كثيرة قد ارتبطت مصلحيًّا، ولكنّها لم تكن كما إسرائيل التي أصبحت جزءًا من الداخل الأميركي، فقد كانت القيم المشتركة الليبرالية العلمانية هي الأساس بتلك التوأمة.
ما يحدث في إسرائيل ليست مجموعة إجراءات تشريعيّة، هذا ما تدركه السياسة الأميركية، بل تغيير لهُوية الدولة وضرب الأساس الذي قام عليه التقارب من قيمٍ مشتركة، فالسلوك الإسرائيلي يتجسّد في أكثر من زاوية يرصدها حتى المواطن الأميركي الآخذ بالتغيّر، فإسرائيل تمارس سياسةً تمييزيّةً، وهذا واضح. ووزير فيها كان يهلل لإحراق حوارة، وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا بارزًا في كشف حقائق الاحتلال والاستيطان والسيطرة على شعبٍ آخر، وقتل الناس كل ذلك إذا ما تم قياسه على ميزان القوانين، لا بدّ وأن ترسب إسرائيل وهي تقدّم يوميًّا نماذج انكشافها على كل المستويات.
الموقف السياسي الأميركي الذي لم يدعُ نتنياهو حتى الآن للبيت الأبيض هو انعكاس لمزاج أميركي آخذ بالتغير في النقابات والجمعيات والكنائس وطلاب الجامعات والشبيبة، وهذا نتاج زيادة الوعي العالمي وبضمنها الأميركي وبقاء إسرائيل دولةَ احتلالٍ بات يحكمها الحاخامات وجهد كبير يقوم به نشطاء على الساحة الأميركية، يتعرضون لضغوطات وتشهير مع انكشاف أكثر لإسرائيل بتقديمها حكومةً شديدة التطرف تقدّم نموذجًا دينيًّا للعالم العلماني ووجها دكتاتوريا للعالم الديمقراطي تلك هي القيم التي تتلاشى وستستمر بالتلاشي طالما استمرت إسرائيل بنفس الاتجاه.
هناك بدايةُ تشقّقٍ في العلاقة بين الحليفين التاريخيين والاستراتيجيين بات يظهرُ بشكلٍ متسارعٍ للعلن سيؤثّرُ كثيرًا على مجريات الشرق الأوسط وعلى إسرائيل، وعلى الصراع بينها وبين الفلسطينيين، يمكن ملاحظة مساره وتطوّره لقراءةٍ ربّما وقائع مستقبليّة...!

