يمكن للفئات الوسطى التي تقبض بالدولار والدينار، كموظفي الجامعات والمنظمات غير الحكومية، أن يفرحوا بارتفاع سعر الصرف أمام الشاقل، ولكن فرحتهم لن تطول وستتلاشى سريعاً عند دفع فاتورة المواد التموينية، فما اعتقدوا أنه (مكسب) انتزعه التجار سريعاً من بين أيديهم.
وبعد 30 عاماً على الكارثة الوطنية المسماة أوسلو، تحضر تلك الدعاية الكاذبة التي تم سوقها لإشاعة الوهم لتحصيل التأييد للاتفاقية، ونعني دعاية تحويل غزة والضفة لسنغافورة العرب، وتحديداً قطاع غزة. بالنتيجة (اقتصاد) تابع وملحق تماماً، ونخبة مرتهنة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً للمحتل الصهيوني في الضفة، ضمن توجه (اقتصاد السوق). أما المضحك فهو أن هذا (الاقتصاد) لا يحمل بين ثناياه وقطاعاته ذرة من الاستقلالية، وبالتالي من المضحك إطلاق ذات التوصيف عليه باعتباره (اقتصد سوق) كما الاقتصاد الرأسمالي في أوروبا مثلاً، فحتى اقتصاد سوق رأسمالي مستقل لم تحصّل نخب جماعة أوسلو. أما فياض وعريقات، فاعتبرا أن افتتاح مطعم على الطرز الأمريكي في رام الله وأريحا بمثابة بنية تحتية تمهد الطريق للدولة المستقلة، هذه هي نخبة أوسلو وهذا مستوى طموحاتها.
أما في القطاع، فالصراع على سلطة تحت الحصار والتجويع، قاد (لاقتصاد) مرهون برغبة الطرفين، الصهيوني والمصري، وحساباتهم وضغوطاتهم السياسية في لحظة: متى تُفتح البوابات والمعابر ومتى تُغلق، ليعيش ما ينوف عن مليوني فلسطيني تحت رحمتهما فلا يجد الشباب سوى الهجرة للخلاص من هذا الواقع.
هذا ما جناه أوسلو، وهذا ليس فقط نتاج واقع الاتفاقية وملاحقها، وخاصة اتفاقية باريس الاقتصادية، وليس أيضاً نتاج جائحة الكورونا كما جرى سوق التبرير، بل وأيضاً نتاج تلك العقلية التي لا ترى الاقتصاد إلا بعيون رأسمالية، عيون خبراء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لا بعين تجارب الشعوب التي قاتلت وانتصرت، خاصة الفيتنامي والصيني، التي بنت اقتصاد صمود ومقاومة، اقتصاد إنتاجي، ولو بحدوده الدنيا، كان قادراً على توفير مقومات الحياة والصمود والمقاومة، دون أن يضطر لرهن رغيف الخبز لإرادة المستعمِر.
لا سياسة اجتماعية/اقتصادية محددة بهدف بناء اقتصاد مقاوم، بل مجرد جعجعات إعلامية عن (عناقيد تنموية)، فيما سلطة أوسلو في رام الله مثلا لم تستصلح دونم أرض واحد، لم تدعم جمعية تعاونية واحدة، زراعية أو حرفية، نسوية، شبابية، بل تسهيلات للقطاعات الخدمية غير المنتجة، بنوك وشركات تأمين واتصالات، بحيث تحول بعضها كالبنوك، لآليات لتسريب أموال المودعين للخارج لا كمصدر لتمويل مشاريع إنتاجية، هذا لا ينتج سوى أوضاع معيشية صعبة.
أما ما وصلت إليه تلك الأوضاع، فيمكن الرجوع لبعض الأرقام للاستدلال على ذلك:
- حسب مديرة دائرة الأسعار والأرقام القياسية في مركز الإحصاء الفلسطيني، فإن أسعار المواد الغذائية ما بين 2019-2023 ارتفعت بنسبة 47% على زيت الذرة، و15.32% على الطحين، و19.05% على الخبز، و25.96% على السكر، و15.06% على الأرز، بحيث ارتفع سعر كيس الطحين (50 كيلو) من 117 شاقل ل 144 شاقل، فارتفع كيلو الخبز من 3.5 شاقل ل 5 شواقل اليوم.
وحسب المصدر ذاته، فإن مؤشر غلاء المعيشة (يرصد التغير في أهم السلع الأساسية) سجل في العام 2021 1.24% ارتفع إلى 3.74% في العام الماضي، ليصل إلى 3.82% في النصف الأول من هذا العام، بحيث تحتاج الأسرة لصرف 28% من راتبها لشراء المواد الغذائية (أي 289 شاقل من راتب 1000 شاقل). إذا اخذنا بعين الاعتبار أن الحد الأدنى للأجور 1880 شاقل و42% من العمال يقبضون أقل منه، فلنا أن نتخيل حجم المعاناة التي تواجهها الفئات الشعبية والفقراء في تدبير لقمة الخبز اليومية.
من جانبه، يقول الناطق الرسمي باسم غرفة تجارة وصناعة نابلس ياسين دويكات، إن الحركة التجارية تراجعت في نابلس ووصلت إلى 20% مقارنة مع دورتها الطبيعية، فيما وصلت العام الماضي إلى 50- 60% من دورتها في كل القطاعات.
تلك مؤشرات على الأوضاع المعيشية في الضفة، وطبعاً تختلف الأسعار بين القطاع والضفة، نتيجة اختلاف المداخيل ومستويات المعيشة، ولكن في القطاع ليست الأوضاع بأفضل، بل هي الأسوأ. فوفقاً لتقديرات البنك الدولي، فإن نسبة سكان غزة الذين يعيشون في فقر تبلغ الآن 59%، ويعاني 64٪ من السكان من انعدام الأمن الغذائي، إضافة لذلك، ففي الربع الأول من سنة 2022، بلغ معدّل الدخل الشهريّ للعاملين والعاملات في القطاع الخاص في غزة، والذين يشكلون 63% من العمال في القطاع، لا يتعدّى 676 شيقل، ولنا أن نتخيل، مرة أخرى، كيف يعيش هؤلاء.
ومع ذلك، ولا بد من ذكر أنهم يحاربون المعلم في لقمة عيشه، يلحسون اتفاقيتهم مع حراك المعلمين، ويلجئون لإجراءات عقابية ضد نشطاء الحراك، إما بالتحويل للجان تحقيق أو بالنقل التعسفي. يجوعون الناس ويقمعونهم إذا ناضلوا من أجل لقمة خبزهم، هذه حصيلة سريعة ومقتضبة للأوضاع المعيشية للفلسطينيين بعد 30 سنة، من الوهم الذي باعته قيادة المنظمة لشعبنا، بتحويل الضفة والقطاع لسنغافورة على طريق الدولة... بعد 30 سنة، آن أوان إسقاط هذه النخبة القيادية التي لم تجلب سوى الدمار.

