Menu

البعدُ الوطنيّ والقوميّ في مسيرة الشهيد أبو علي مصطفى

محمد صوان

نشر في العد ال53 من مجلة الهدف الرقمية

تحلُّ الذكرى الـ 23 لاستشهاد الأمين العام للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى ، فنستحضر مسيرته المفعمة بالعمل والكفاح وسَطَ ليالٍ فلسطينيّةٍ وعربيّةٍ حالكة السواد تتفكّك فيها عرى الوحدة الوطنيّة والقوميّة، الواحدة تلو الأخرى، وينحدر الحقل السياسي الفلسطيني والعربي إلى قاعٍ غير مسبوق.

* البعد الوطني:

كان أبو علي من أشدّ المنافحين عن الوحدة الوطنيّة بوصفها ضرورةً لا استغناء عنها، وشرطًا حاسمًا وملّحًا للانتصار على العدوّ الصهيوني، وقد جسّد إيمانه هذا عبر مسيرةٍ نضاليّةٍ واجه فيها محاولات اغتيالٍ عدّة، لاحقته من منفى إلى آخر حتّى دفع حياته ثمنًا لذلك!

انطلق أبو علي في نضاله من قناعةٍ راسخةٍ بأنّ صراعنا مع الاحتلال، هو صراعٌ تاريخي شامل ومفتوح، ركيزته نفي وجود الشعب الفلسطيني الحضاري والمادي عن أرض وطنه، ديدنه إقامة "دولة يهوديّة إحلاليّة".. ولهذا آمن الشهيد بأنّ أقصر الطرق إلى الخلاص والتحرّر الناجز هو الكفاح بكلّ أشكاله وأساليبه؛ بهدف إيقاع أكبر الخسائر بالاحتلال وتحويله إلى مشروعٍ مكلف وخاسر، خاصّةً للدول التي دعمت وتدعم بقاء الكيان الغاصب، وتعمل على إطالة عمره بكلّ أشكال الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي.. وفي هذا السياق كان أبو علي يدعو إلى اعتماد نهج المقاومة بأشكالها كافة، وفي مقدّمتها العنف الثوري، وليس طريق المفاوضات العقيمة والتسويات العبثيّة، تحت مظلّة ما سمّي "اتفاق السلام" الذي لم يأتِ للشعب الفلسطيني وقضيّته إلا بالكوارث المتلاحقة!

تميّزت حياة أبو علي بالصدق والوضوح والشفافيّة في التعامل مع شعبه، وداخل مؤسّسات العمل الوطني وخارجه، مع التأكيد على ضرورة تظهير الحقائق والابتعاد عن الديماغوجيّة والتضليل جنبًا إلى جنبٍ مع إعادة الاعتبار للمؤسّسات الوطنيّة والمنظّمات الشعبيّة، بوصفها الإطار الجامع والمنظّم لطاقات الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وعلى أسس المقاومة بكل أشكالها، أضف إلى ذلك تعزيز القيم الوطنيّة والقوميّة في صفوف الجيل الجديد بعيدًا عن الفصائليّة العصبويّة الفئويّة التي تنامت خلال العقود الثلاثة الأخيرة.. وطالما ردّد في لقاءاته اليوميّة مع الجماهير على أهميّة إحياء قيم التكافل والتضامن والتعاضد داخل المجتمع ونبذ الأنانيّات الفرديّة والجهويّة، وضرورة إعادة تشكيل منظّمات المجتمع المدني على أسسٍ وطنيّة.

أيْقن أبو علي أهميّة الربط بين التحرّر الوطني والخلاص من الاحتلال، والتحرّر الاجتماعي والديمقراطي، خصوصًا بعد أن استحوذت قضيّة التحرّر الوطني وطغت على التحرّر الاجتماعي والديمقراطي.. وتمَّ إهمال قضايا الشعب وتجاوز همومه بمختلف قطاعاته وتجمعاته في الداخل، كما في بلدان اللجوء والمهجر، مثل حماية الحريات العامة وصونها، وعدم التعدّي عليها بأي شكل، وتوفير مقومات الصمود الوطني، وحماية الحقوق والمكتسبات الوطنية والاجتماعية وضمان تعزيز العدالة والديمقراطية والمساواة وتكافؤ الفرص، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أساس الشراكة والكفاءة والمساءلة والنزاهة على طريق إعادة الاعتبار لقضيتنا الوطنية العادلة، ومشروعنا التحرري ومؤسّساتنا الوطنيّة الجامعة، وفي المقدمة منها (م. ت. ف) المرتكزة على استراتيجيّةٍ وطنيّةٍ موحّدةٍ وشاملة.. تنضوي في إطارها جميع فصائل العمل الوطني وقوى الشعب الحيّة، وبما يعزّز البنية الداخليّة ويحمي قضيّتنا وشعبنا ويفتح الطريق لاستعادة حقوقنا كاملة.

آمن أبو علي كما رفيقه مؤسّس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبيّة د. جورج حبش ، أنّ الثورة تتمحور حول الحاجة إلى إعادة تطوير العدالة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة وعودة السلطة إلى أيدي الشعب عبر المؤسسات والتشريعات والسياسات التي تحمل مضمونًا وجوهرًا إنسانيًّا.. هذا ما تطمح إليه الثورة، فالثورةُ ليست مجرّد بندقيّة وحدها..!

* البعد القومي:

اهتمّ أبو علي طوال مساره السياسي بالمسألة القوميّة والأفق العروبي، في زمن عزّ فيه الحديث عن القومية العربية والمشروع الوحدوي العربي.. إلا أن المسألة ما زالت من بين القضايا التي حرص فيها الشهيد – كما هو منذ سبعينات القرن الماضي – على مجابهتها والتفكير في استعادة روحها في الحاضر العربي ومستقبله.

لقد وجد في التحولات الإقليمية الحاصلة مع بداية الألفية الثالثة الوجه الإيجابي لمختلف المبادرات الاحتجاجية وما خلّفته من تداعيات، حيث رفعت هذه الاحتجاجات مطالب الحرية والكرامة والعدالة في مجتمعاتنا، وأسهمت في إنعاش التطلعات العربية إلى الوحدة والتحديث والديمقراطية.

صحيح أن العلاقات البينية العربية تزداد بؤسًا، وأن الثورات المضادة وأشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني قد شملت بلدانًا عربيّةً كثيرةً وسّعت المسافات القائمة بين الأقطار العربية، إلا أنها لم ولن تستبعد إمكانية الانخراط مجددًا بإعادة بناء المشروع العروبي الديمقراطي الذي دعا له الشهيد أبو علي قبل رحيله.

لقد توقّف مليًّا أمام بعض أسئلة المشروع القومي، والمناقشات المؤسّسة لمحاوره ومفاصله الكبرى في "خطاب المشروع القومي" من قبيل: وجود الأمة أو عدم وجودها؟ أمة مكتملة أم أمة في طور التشكّل والتكوّن؟ كما توقف أمام بعض أسئلة التأخّر التاريخي العربي، وهيمنة النظرة المحافظة إلى الدين والتراث على ثقافتنا؟ كما توقّف أمام جدليّة العلاقة بين البعد القومي العربي والدولة الأمنيّة القُطريّة، واستخلص حينذاك "أن المشروع القومي العربي يقف أمام مفترق طرق، حيث يواجه جملة من الوقائع والمعطيات السياسية، وهو مدعو إلى التفاعل معها وبناء المشروع القومي العروبي الجديد في ضوئها ".

أدرك أبو علي مبكّرًا أن تجارب سلطة بعض الأحزاب القومية في المشرق العربي قد عملت على تحويل العروبة إلى منظومةٍ شموليّةٍ متضادةٍ مع الديمقراطية، وما تستوعبه من قيم الحرية والمواطنة وحقوق الإنسان، لقد نبّه الشهيد من مخاطر مأزق هذه التجارب في تاريخنا المعاصر، وفي الوقت نفسه دعا إلى الانتفاضات الهادفة لتحرير الوطن العربي من الاستبداد، والمساهمة بدورها في تحرير الشعوب من الأنظمة التي ترفع راية العروبة زورًا، بينما تخاصم الحرية والعدالة والكرامة، ملحقةً أعطابًا كبيرة بمشروع العروبة القومي الديمقراطي المنفتح على المكاسب المعرفية والحضارية والسياسية الكبرى لعصرنا.

تعود العروبة اليوم تاركة خطاب الأمة - بصيغه الطوباوية - لتنخرط في معركة الحرية والكرامة، ولعلّها بهذا الانخراط تقيم جسورًا أكثر صلابة على طريق الاقتراب من بناء المشروع القومي - الذي بشّر به الشهيد أبو علي – أفقًا مستقبليًّا مدعومًا بالشرعية الديمقراطية؛ الأمرُ الذي ظلّ غائبًا في خطابات العروبة الرومانسيّة.

نستعيدُ بعضًا من أفكار وآراء الشهيد أبو علي حول عروبة المستقبل، ونحن نواجه مختلف ارتدادات الانتفاضات العربيّة، نستعيده ضمن خيار التصدي لموجة التطبيع الجديدة مع الكيان الصهيوني بهدف إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية والمشروع التحرري الوطني والديمقراطي، ويستدعي هذا التوجه إعادة النظر بمبادئ كثيرة تصنع اليوم المعالم الكبرى للواقع العربي في تحوّلاته المختلفة إقليميًّا ودوليًّا، والمؤطرة لموازين القوى في البلدان العربية.

لا ننظر إلى التحوّلات الجارية اليوم في الواقع العربي باعتبارها حتميات، بل معطيات تحكمها شروطٌ سياسيّةٌ وتاريخيّةٌ قابلةٌ للتعديل بآليات الفعل السياسي كما يتشكّل ويتطور في التاريخ، وإذا انطلقنا من أن عروبة المستقبل تساوي أفقًا جديدًا في التفكير يسعفنا بإمكانية التعلّم من أخطاء المشروع القومي وتجاربه، ويدعونا إلى ابتكار خطابٍ جديدٍ يكون بإمكانه أيضًا أن يساعدنا بفهم ما يجري اليوم في عالمنا والانخراط في التفاعل مع مستجداته في ضوء ما نتطلّع إليه، ويترتّب على ذلك إعادة النظر في الكثير من الأحكام المسبقة الشائعة، عن القوى الإقليميّة والدوليّة في محيطنا العربي؛ بهدف بناء خياراتٍ سياسيّةٍ وكفاحية، نتخلص عبرها من الثقافة القدرية السائدة.

منذ ما يزيد عن ثلاثة عقودٍ دعا الشهيد أبو علي إلى بناء مرجعيّةٍ قوميّةٍ جديدةٍ متكافئةٍ مع المتغيرات الجارية في عالمنا منذ نهاية القرن الماضي، والإشارة هنا إلى مؤسسة المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي، وما يرتبط بهما معًا من مؤسّساتٍ فرعيّة - أسهم الشهيد أبو علي بوضع لبناتها الأولى - مع ضرورة العمل على تجديد عمل هذه المؤسسات وتطوير خطابها وآلياتها، والتخلّص من الشوائب.. لعلّنا نتمكّن من مواكبة مختلف التحوّلات الجارية في عالمنا، ونعمل في الوقت نفسه على الاستفادة من كل الوسائل والأدوات التي طوّرت آليات التواصل في عالم مضطرب ومتغيّر.

يفتقد الشعب الفلسطيني قيادات بقامة الشهيد أبو علي وقيمه.. ترجّل في مرحلةٍ يواجه فيها الفلسطيني الانقسام الداخلي مع انحرافٍ فاحشٍ لبوصلة النضال الوطني ويراجع المشروع الوطني والقومي على طريق إعادة بنائه، يقابله تقدّم المخططات التصفويّة للقضيّة الفلسطينيّة، وعلى رأسها تسارع التطبيع العربي الرسمي مع الكيان الصهيوني.