هذه الأرض فلسطين وناسها فلسطينيين، يهودًا ظلوا على ديانتهم أو تمسحنوا أو أسلموا، ولا أحد سواهم يملك الحق بها إلا حق الزيارة والعبادة، تمامًا كحق المسيحي الأمريكي في بيت لحم و القدس والناصرة، هو فلا حق للمسلم الفلسطيني في مكة والمدينة، إلا حق الزيارة والعبادة ولا شيء أكثر، فهل تنزع ملكية يهودي أو مسيجي أو مسلم أو من أي من ديانات الأرض إذا قرر معتنقها أن ينتقل إلى ديانة أخرى؟ هل وجود المسلمين في إسبانيا لقرون يعطيهم الحق بالعودة إلى هناك؟ والأمثلة تطول وتطول، وهل كون مكة قبلة المسلمين يعطي الحق لكل مسلم الادعاء بأن له حق بها؟
على هذه الأرض اليوم محتلين جاءوا، من كل بقاع الأرض، تحت ستار الدين والحق الديني والإلهي والتاريخي وانجررنا معهم لنناقش روايات لا معنى لها ولا داعي لها، بل إن البعض منا قد أشغل نفسه بالبحث عن روايات لهم أو روايات لنا فمنا "العرب والفلسطينيين"، من قال: أنهم من اليمن، والبعض قال: أنهم من الإحساء، وآخرين قالوا: أنهم من مصر، ولا زال البعض يقضي العمر بحثًا وتفصيلًا، ليجد لهم رواية تبعدهم عن فلسطين.
هنا 7 ملايين فلسطيني على أرضهم لم يأتوا إليها ولم يغادروها، وسبعة ملايين فلسطيني يجوبون الأرض منفيين من وطنهم وممنوعين حتى من زيارته، وهنا 7 ملايين يهودي حسب إحصاءاتهم تجمعوا فوق أرضنا وصدورنا من كل بقاع الأرض، لم يأتوا ليصلوا، ولم يأتوا طلبًا لحماية أو مسكن أو مأكل، بل جاءوا ليحتلوا، خبزنا وبيتنا وأرضنا ومعابدنا، وقلة قليلة منهم هي في الأصل هنا ولها الحق كما حقنا في العيش هنا، لكن ملايينهم السبعة لا زال اسم الجد الأول أو الأب أو حتى الشخص نفسه، لم يولد هنا.
القتل اليومي وحرق المزروعات وترويع الآمنين، من أهل فلسطين: مسيحيين ومسلمين والاعتداء على المقدسات وتزوير التاريخ ومصادرة الأرض وإقامة مغتصبات للقادمين من كل بقاع الأرض، رغمًا عن أنف أهل الأرض وأصحابها، لا بسبب قوة الرواية، بل بسبب قوة السلاح وقوة الظلم وقوة الإمبريالية العالمية التي تدعم اليهود وروايتهم علنًا، وبكل فظاظة السياسة وتستخدمهم رأس حربة للسيطرة على الشرق الأوسط كله، وأحيانًا إلى أبعد من ذلك، وهي أن "الدول الإمبريالية" لا تكترث أبدًا للدم المسلم أو المسيحي أو اليهودي، ما دام لا ينتمي لجنسياتهم، ولا بأي شكل من الأشكال، فالمسلم الأمريكي أفضل مليون مرة من المسيحي الفلسطيني، وكذا باقي دول المنظومة الإمبريالية.
لسنا بحاجة لرواية، فما يجري على الأرض يوميًا هو الاثبات الحقيقي، أن أهل هذه الأرض هم أصلها، بغض النظر عن ديانتهم، وأن كل طارئ عليها، ليس من أهلها ولا يحق له العيش بها بالقوة، ورغمًا عن أنف أهلها، بل وبديلًا عنهم وما الجنسيات التي لم تسقط عن أصحابها اليهود في كل العالم، إلا الاثبات على أنهم ليسوا من هنا ولم يكونوا يومًا هنا.
مرة أخرى، ليست مهمتنا تضاد الروايات، فالطارئون، المارقون، المغتصبون، من يصوغون روايات لهم باسم الدين أو غيره، وليست مهمتنا أيضًا تبرئة ألمانيا النازية وأوروبا اللاسامية من جرائمها ضد اليهود، بل على العكس من ذلك، فإن تأكيد تلك الجرائم هي التي تحمل أوروبا جميعًا المسئولية التاريخية عن ظلم اليهود وليس نحن.
أوروبا التي ترى في اليهود نموذجًا في الخبث والمكر وقدرات لا يملكها غيرهم في إدارة المال والسيطرة عليها، والتي عاشت لقرون تنبذهم وتسعى للتخلص منهم بكل السبل، وهي التي اِتهمتهم بالطاعون وأحرقت بيوتهم، وهي التي صنعت لهم الغيتوات، وهي التي حرقتهم "نعم حرقتهم"، وبالتالي هي نفسها التي أتت بهم إلى هنا، بهدفين: التخلص منهم أولًا، واستخدامهم عصا إمبريالية وسخة ضد العرب مسيحيين ومسلمين، فليس للدين معنى عند أصحاب رأس المال، بل السطو والسيطرة على الأرض وثرواتها لا أكثر ولا أقل، وفي سبيل الإبقاء على ذلك، كان لا بد من زرع مسمار في عنطرة المنطقة، يمنعها من أن تصحو من أزماتها يومًا وتبقيها خاضعة إلى ما شاء الله على قاعدة، فليمت اليهودي في الشرق لا على أيدينا، ما دام يحقق لنا أهدافنا حيًا ونتخلص منه ميتًا.
لا أوطان للدين وإلا لكانت فلسطين وطنًا لكل مسيحي أيضًا، وكانت الحجاز وطنًا لكل مسلم، فالأوطان ممتلكات لا يجري تمليكها، إلا لصاحبها، ولا تسقط ملكيتها بتبديل دين صاحبها، وهي فلسطين كما هي كل بقاع الأرض وكل ممتلكات الأرض، إلا بإرادة الجميع من أهل الأرض ولا أحد سواهم.
لا رواية لفلسطين غير واقعها ولا حاجة للرد على رواية برواية، ونسيان واقع الحال، كأعظم رواية لا يمكن دحضها، إلا إذا قبلنا نحن أنفسنا بحرب الروايات ونسينا واقع حالنا وأرضنا.

