Menu

الكيان الصهيوني.. أزمةُ قضاءٍ أم أزمةُ "دولة"؟

اسحق أبو الوليد

نشر في العدد (53) من مجلة الهدف الرقمية

اسحق أبو الوليد
كاتبٌ سياسيّ فلسطيني/ فنزويلا
فجّرت الأزمة الدائرة الآن في الكيان الصهيوني "قنبلة" الخطر الوجودي على "دولة الأمّة اليهوديّة" وحفّزت العديد من التيّارات الفكريّة والغيبيّة والدينيّة للتحليل تارةً والتنبّؤ تارةً أخرى، ليس بما سيجري من أحداثٍ وتطوّراتٍ في "إسرائيل" على المدى المنظور، بل وصلت إلى تحديد تواريخ انتهاء وجودها دولةً للصهاينة في فلسطين، منهم من كان متفائلًا جدًّا، وأعطى الكيان خمسة سنواتٍ باقية من حياته، ومنهم "المتشائم" الذي أعطاه عشرين سنةً أخرى! وهذا بلا شكٍّ يناقضُ والتحليلَ العلمي الاجتماعي السياسي من جهة، ويسهم في تضليل قطاعاتٍ شعبيّةٍ واسعة؛ فلسطينيًّا وعربيًّا وعالميًّا بحقيقة قوّة الكيان، وبطبيعة الأهداف الإمبرياليّة - الصهيونيّة ومشاريعهما في الوطن العربي؛ ما سيؤدي إلى تحييد كتلةٍ شعبيّةٍ تاريخيّةٍ وإخراجها من مواقع الصراع؛ بحجّة أنّ "الموت الذاتي للكيان" هي "مسألة وقت". هذا بلا شكٍّ يصبُّ في إطالة عمر الكيان الصهيوني الاستعماري في فلسطين، الذي لن يفشل وينتهي ويموت إلا بالنضال بأشكاله كافةً، وخاصّةً المسلّحة، والمبني على استراتيجيّةٍ واضحة المعالم والأهداف مسلّحة بطول النفس، والوعي العلمي المتواصل القادرة على إنجاز عملية التحرير الوطني بشكلٍ كامل.  
الأزمةُ التي يمرُّ بها الكيان الصهيوني ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، ولكن ما يميّزها أنّها الأكثر استمراريّة. فرغم أنّها لم تنشأ بأسبابٍ اقتصاديّةٍ مباشرة؛ أي لا تندرج في إطار "الصراع الطبقي" من أجل تغيير "النظام" بل جاءت في سياق تنامي قلقٍ وجودي لقطاعاتٍ سكانيّةٍ واسعةٍ في الكيان من التعديلات القضائية التي تهدد، من وجهة نظرها، نظام الحكم الديموقراطي العلماني في "إسرائيل" وتضع مجمل وجودها دولةً في خطرٍ حقيقي. في المقابل، هذا يتنافى ويتناقض مع رأي القسم الآخر من السكان، المؤيدين للإصلاحات، وهم بلا شكٍّ يمثّلون الأغلبيّة، الذين يعتقدون أن الاصلاحات "تعزز الديموقراطية والقضاء العادل وتقوي وتعمق جذور اليهود في أرض الأجداد، كل أرض إسرائيل، التي يحقّ لكل يهودي أن يمشي فيها كما يريد ويبني/يستوطن بيته في أي مكانٍ يريده فيها؛ لأنّها وطنه الذي منحه لهم الرب، دون أي عائق قانوني".
 للوهلة الأولى، يبدو أن هنالك تناقضًا مستعصيًّا، بل تناحريًّا بين الفريقين الصهيونيين أو بين وجهتي النظر، ما دفع بعض المحللين وبعض المسؤولين في الكيان الصهيوني للتحذير من خطر "الانجرار إلى حربٍ أهليّة" في حال عدم استجابة دعاة "الاصلاح القانوني" للتراجع عنها، وحمّلت أوساط معارضة، عسكريّة ومدنيّة، نتنياهو نفسه المسؤوليّة مباشرة، وقيل له على أكثر من لسان: إنّه "يمهّد الطريق لحربٍ أهليّةٍ ويزجّ المؤسّسة العسكريّة في الصراعات الداخليّة، ما سيقود إسرائيل للهلاك والدمار، التي أصبحت قدرات الردع لجيشها تتآكل وتتراجع أمام أعدائها". 
أصحاب هذا الرأي، ارتكزوا على رفض المئات من جنود وضباط الاحتياط للالتحاق بوحداتهم وإعلانهم التمرد العلني على القرارات في الوحدات التي ينتمون إليها. نتنياهو رفض هذه الاتّهامات، وانتقد تصريحات المسؤولين كافةً، التي تتناول الجيش وقدراته الردعيّة واستعداداته الحربيّة، ما دفع قائد سلاح الجو تومر بار للتصريح في 11 آب الحالي بأن "الجيش الإسرائيلي لديه الجاهزية لخوض حرب رغم الضرر في كفاءته الآخذة في الاتساع مع مرور الوقت"، وقال نتنياهو في الاجتماع الذي عقده للمسؤولين العسكريين والأمنيين في الثالث عشر من آب الجاري "يبدو الأمر كأن جيشًا له دولةٌ وليس دولةٌ لها جيش". 
إنّ ما يجري داخل الكيان من تعارضاتٍ وتناقضاتٍ بين رموزه القياديّة ليست شخصيّة، وأنه تتم شخصنتها أحيانًا لأهدافٍ انتخابيّةٍ شعبويّة، وهذا تعبيرٌ عن طبيعة التيارات الأيديولوجية التي قامت على أعمدتها الحركة الصهيونية العالمية، وخاصة التيارين الأساسيين العلماني بكل مكوناته والديني بكل طوائفه. إنّ التيارات في الحركة الصهيونية - وإن هي غير متجانسة أيديولوجيًّا وثقافيًّا إلّا أنّها متقاربة وشبه منسجمة طبقيًّا - وإقامة "دولة اليهود" جاء لتلبية احتياجاتٍ اقتصاديّةٍ للنظام الرأسمالي العالمي والبرجوازيّة اليهوديّة، وليس لتلبية تهاليل الحاخامات ونواميس الكنيس اليهودي، وقد ارتبطت موازين القوى بين التيارين داخل الحركة الصهيونية وخارجها بموازين القوى العالميّة، خاصةً في المعسكر الغربي، الذي اتّجه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفكك المعسكر الاشتراكي، بشكلٍ سافرٍ نحو الليبيراليّة الجديدة واليمين والديكتاتوريّة الإعلاميّة؛ أي ديكتاتوريّة السلطة الخامسة التي للحركة الصهيونيّة باع طويل فيها. وكما هو معروف، الارتباط العضوي للكيان الصهيوني بالمعسكر الغربي يجعل ما يجري داخل مجتمعاته يؤثر وينتقل للكيان، فقد تزامن هبوط ثُمَّ اندثار اليسار في أوروبا باندثار ما سمي "باليسار" الصهيوني الذي كان حزب العمل عموده الفقري، الذي تصدر قيادة الكيان الصهيوني الاستعماري في فلسطين دون أية منافسة حتى عام 1977، عندما نجح حزب "اليمين" المتطرف (الليكود) لأول مرة فاتحًا الطريق أمام ما أسماه "بالهجوم الاستراتيجي لحل النزاع مع الجيران العرب، وإنهاء العداء لإسرائيل" ومن أجل فرض ما يجمع عليه الصهاينة بكل تياراتهم من "أن المشكلة الفلسطينية هي شأن إسرائيلي وليس شأن عربي" حيث تمّ فعلًا تثبيتُ هذه الاستراتيجية في اتفاقيات كامب ديفيد بين النظام المصري والكيان الصهيوني، ولاحقًا في الاتفاقيات والمعاهدات كافةً، التي وقّعت مع أنظمةٍ عربيّةٍ مختلفةٍ بما فيها "منظمة التحرير". فإذن، هنالك اتفاقٌ استراتيجيٌّ شبه كامل بين التيارات الأساسية في الحركة الصهيونية العالمية، وهنالك أيضًا تفاهم عميق مع الدوائر الإمبريالية على كيفية حل "المشكلة" الفلسطينية ونهج التعاطي مع الواقع العربي، مصدر الخطر الوجودي الاستراتيجي على "الدولة" وعلى مجمل المشروع الصهيوني الإمبريالي في المنطقة. فإذا كانت هذه هي الحقيقة، فكيف يمكن إزاحة هذا الخطر الموضوعي الحقيقي ووضعه في مرتبةٍ ثانويّةٍ وتقديم خطر التناقضات الداخليّة عليه باعتباره خطرًا واقعيًّا داهمًا وملموسًا؟ وهل يمكن لفردٍ صهيونيّ أو لمجموعةِ أفرادٍ منهم "القضاء" على كيان ما زال مطلوبًا منه أن يؤدي دورًا حيويًّا، وينفّذ مهامًّا استراتيجيّةً للنظام الرأس مالي الإمبريالي، من خلال خطأ في التقدير لتشريع أو سن القوانين؟ وما موقع من يسمونهم غير اليهود، وخاصةً السكان الأصليين الفلسطينيين في هذه الأزمة وهذا الصراع؟
إنّ للكيان الصهيوني الاستعماري الاقتلاعي خصائصَ تلازمُهُ منذ نشأته، فبرغم ما حقّقه من تطوّرٍ اقتصاديّ هائلٍ وامتلاكه لأحدث التقنيات والتكنولوجيا العسكريّة ما زال يعتمد على "الهجرة اليهوديّة" والمساعدات التي تقدّمها الدوائر الإمبرياليّة اللذين يؤديان دورًا مهمًّا في بقائه واستمراريّة وجوده؛ ولأنّه ليس مجتمعًا متجانسًا، بل لقيطٌ تتحكّمُ الصهيونيّة العالميّة بكل صغيرةٍ وكبيرةٍ فيه؛ نشأت قوانينُ ومعادلاتٌ خاصّةٌ تضبطُ سلوكه، وتضع أفقًا لحجم التحولات ونوعها التي يمكن أن يفرضها الواقع المحلي والدولي، تعيق وتمنع تطور "الصراع الطبقي" الذي يؤدي إلى التغيّر الجذري "للنظام"؛ أي الإطاحة بحزبٍ أو أحزاب الطبقة البرجوازيّة الحاكمة وبأيديولوجيّتها الصهيونيّة من قبل حزبٍ أو حركةٍ يساريّةٍ تقدميّةٍ لا صهيونيّة. هذه هي المسألة المركزيّة في كلّ الأزمات التي يعاني منها الكيان، "إسرائيل" إما تكون صهيونيّة أو لا تكون. 
إنّ معضلة الكيان المزمنة والمستعصية تتمثّل في تساوي تغير النظام مع إنهاء "الدولة" من هنا تأتي التشريعات والقوانين كافةً لحماية الدولة لا لحماية "الوطن" الذي لم تستطع الحركة الصهيونيّة منذ نشأتها حتى اليوم من تحقيقه، والدليل أنّ مواطن الكيان مرتبطةٌ بالأمن أكثر من ارتباطهم "بالوطن" الذي هم على استعداد لتركه والرحيل عنه إذا فُقد فيه الأمن. من هنا التباين بين "اليمين واليسار" في الكيان؛ إذ إنّه ليس تباينًا فكريًّا طبقيًّا، بل يتم في إطار الأيديولوجية الصهيونية وعلى أرضيتها وكلاهما شاركا في الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، وتغيير المعالم الجغرافية لوطنه فلسطين، والأهم أن من قاد مرحلة التأسيس والبناء الاستعماري هو ما سمي "باليسار" الذي ادعى أنه ببنائه الكيبوتس والمشافي يقيم "الاشتراكية" في "إسرائيل". إذن؛ فما يسمح ويفرض الوفاق بين الطرفين في القضايا والمسائل الاستراتيجيّة، خاصّةً المتعلّقة بالصراع الفلسطيني الصهيوني الذي هو جوهر الصراع، والعربي الصهيوني الذي يمثّل الإطار العام له وساحته الرئيسيّة هو إخلاصهم التام للأيديولوجيّة الصهيونيّة والاستراتيجيّة الإمبرياليّة. من هنا تنحصر احتجاجات أحفاد هؤلاء المستعمرين في الدفاع عن "الدولة الديمقراطيّة"  الذي تخيّلها "المؤسّسون الأوائل" والمستوطنون اليهود وغير اليهود الذين قدّموا من "العالم الحر" وما زالوا على ارتباط مادي وروحي به، وبديهي أن المحتجين في شوارع تل أبيب و القدس لا يعدّون أن "الخطر" على وجود دولتهم يأتي من "الاحتلال" والقمع والبطش والتمييز العنصري بحقّ الشعب الفلسطيني، صاحب الحقّ التاريخي في هذه الأرض، لهذا أيضًا هم؛ أي المحتجّين، لا يريدون وليسوا معنين بمشاركة الجماهير الفلسطينية في "إسرائيل" في هذه الاحتجاجات؛ كيلا تخرجَ عن المسار المحدّد لها، وكيلا يفقدَ القائمون السيطرةَ عليها وعلى أطوارها ونهاياتها.