Menu

صعودُ اليمينِ في العالم

د. موفّق محادين

نشر في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية
إلى وقتٍ قريب، كان اليساريّون والليبراليّون يعتقدون أنّ الرأسماليّة قادرةٌ ومؤهّلةٌ بحدّ ذاتها على دمج الجماعات القوميّة والجهويّة والتقاليد والثقافات ما قبل الرأسماليّة، في مجتمعاتٍ مدنيّةٍ معاصرة. وبحيث تنعكس علاقات الإنتاج الاقتصادي الجديدة في علاقاتٍ اجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ جديدةٍ بحُكم التحديث. ما يحدث أعاد طرح الأسئلة نفسها في الشمال الرأسمالي نفسه الذي دخل طور التفسّخ على أساسٍ قومي، وعندما سقطت هذه النظرة في الاختبارات الرأسماليّة الطرفيّة جنوب العالم، أحيل ذلك إلى الركود الطويل السابق في البُنى الاجتماعيّة والثقافيّة. بَيدَ أنّ ما يحدث في العقود الأخيرة أعاد طرح الأسئلة نفسها في الشمال الرأسمالي نفسه، الذي دخل طور التفسّخ على أساسٍ قومي أو جهوي أو حتى ديني وطائفي.
هكذا بدا وكأنّ موجة الانفصالات والكانتونات وحروب الهُويّات المختلفة، سواءً شرق أوروبا أو شرق المتوسّط شأنًا شرقيًّا، وانخرط العديد من الكتّاب الأوروبيين والأمريكيين ومن مشايعيهم جنوبًا، في مقاربة ذلك بدلالة المركزية الأوروبيّة الأمريكية الرأسمالية، باعتبارها ظاهرةً حضاريّةً متجاوزةً لهذه الموجة، وكان تفكيك يوغوسلافيا، وقبلها الانهيار السوفياتي، ثم سيناريوهات تفكك الشرق، تجارب للنقاش في خدمة هنتنغتون وفلاسفة وكتّاب المقاربة المذكورة، بل إنّ الأدبيات السياسيّة الاشتراكيّة ذات النزعة المادية، لم تتردد هي أيضًا في القول إنّ النزعات الانفصالية، والهُويّات الأقواميّة والإثنيّة تنتمي إلى عصر ما قبل الرأسمالية أو الرأسماليات المتخلفة، ولا مكان لها في أمريكا وأوروبا الغربية، حيث بوسع الاقتصاد الرأسمالي المتطور، دمج كل المكونات في دورته، ولم يكن الصواب في جانب أي من هذه القرارات، كما برهنت الوقائع، ليس انطلاقًا من الظواهر والتجارب المعاشة وحسب، بل وفق التصوّرات النظرية الغربية نفسها كذلك.
إن ما حدث في كتالونيا، وربما في الباسك قريبًا، وما هو مرشّح في العديد من الجزر البريطانيّة، مثل اسكتلندا وفي المقاطعات الإيطالية الشمالية، وفي كندا (كوبيك)، وما يقال عن نزعاتٍ مفاجئةٍ في كاليفورنيا الأمريكية، ليس غريبًا ولا مفاجئًا، وقد يحوّل القارة العجوز إلى رجلٍ مريضٍ كما كانت عليه تركيا العثمانيّة قبل انهيارها لصالح أوروبا... في ضوء الحيثيات والمعطيات والتصوّرات النظريّة الآتية:
1- النزعة المتزايدة ضدّ ما يسمّى بالسرديات الكبرى: الهُويّات الجامعة لصالح الهُويّات الفرعية، الحزب لصالح الشبكاتية، الأيديولوجيا، التاريخ، الإنسان، وكان من أبرز تعبيرات هذه النزعة، التفكيكية وفيلسوفها دريدا.
ولعلّ السردية الكبرى الآفلة، هي سردية دولة الثورة الصناعية، أي الدولة الناجمة عن معاهدة وستفاليا 1648، ومنها دول أوروبا الغربية، التي تأسست على أنقاض الإمبراطورية الجرمانية ومرجعيتها البابوية، وها هي برسم التفكك من جديد، إما على شكل انفصالات كاملة، أو فدراليّات إمبراطوريّة.
ولم تدخل دولة وستفاليا هذا النفق فجأةً أو لأسبابٍ سياسيّةٍ بحتة، كما يبدو من التوترات والهويات الأقوامية، بل إن هذه التوترات والهويات كانت محصلة لعصر ما بعد الثورة الصناعية، في بعديه؛ التقني المعلوماتي، والمالي النقدي وانعكاسهما في شكلين جديدين للدولة في الشمال الرأسمالي، الأول: دولة بريتون وودز، الاتفاقية التي أعقبت الحرب الثانية، وأسست صندوق النقد والبنك الدوليين إطارًا للاقتصاد الرأسمالي والأنظمة السياسية المرتبطة به.
الثاني: دولة إجماع واشنطن 1989، الذي قرر فيه ممثلو البنوك والبورصة والمؤسسات الأمريكية المختلفة السيطرة على العالم من خلال التفريق بين الدولة المعاصرة، في نظرهم، وهي دولة الاقتصاد المفتوح وبين ما أسموه بالدولة الفاشلة، أي الدولة الحمائيّة والمهتمّة بسياسات الرعاية الاجتماعيّة.
ويلاحظ في الحالتين أنّ دولة الثورة الصناعيّة والخطاب القومي (دولة وستفاليا) خسرت وظيفتها دولةً محتكرةً للمعلومات والإحصاءات، وتحوّلت إلى دولةٍ ملحقةٍ بالثورة المعلوماتيّة.
2- تبدّيات وتجلّيات العولمة فيما يعرف بـ العقل التكنولوجي الأداتي، حسب مدرسة فرانكفورت، وهو العقل الذي أطاح بالحداثة، والثورة الصناعية، ودولتها التقليدية.
وثمّة ما يقال هنا عن إقصاء الفكر عملًا من أجل الإنسان لازم الثورات المعرفية الأربع: كوبرنيكس في القرن الخامس عشر، وكذلك كبلر وجاليليو، الذين أكدوا عدم مركزية الأرض ومعها عدم مركزية الإنسان. وداروين في القرن التاسع عشر الذي رد الإنسان إلى تطور مشترك مع أسلاف آخرين، وفرويد الذي وضع اللاشعور مكان العقل عمليًّا، وأخيرًا الثورة المعلوماتيّة.
3- على هذا الصعيد يشار إلى ثلاثة مفكرين:
الفرنسي، آلان تورين في كتابه ما بعد المجتمع الصناعي، والأمريكيان: آلان تورينغ في كتابه الذكاء والحاسوب، 1945، وآلان توفلر في كتابه تحول السلطة.
فحسب توفلر، فإن الدولة المعاصرة، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، دخلت في تناقض مع التحولات الكبرى التي طرأت عليها، وصارت هذه الدولة الناجمة عن الثورات البرجوازية، واتفاقية وستفاليا، مفارقة لهذه التحولات الجديدة وعالم ما بعد الدولة القومية.
ويشايع توفلر، الكاتب والدبلوماسي البريطاني، كان روس في كتابه الشبكاتي (ثورة بلا قيادات).
وبالمجمل، فإنّ حالة ما بعد الثورة الرأسماليّة الصناعيّة والتقنيّة، وما بعد الدولة، وما بعد الحداثة ومجتمعها، تطلق أيضًا آليّات التفكيك والهُويّات الإثنيّة.
صعود اليمين في العالم وحروبه المتوقّعة:
1- ابتداءً، فإنّ مقاربة أيّة ظاهرةٍ من ظواهر اليمين وصعوده في أيّة بقعة من العالم، لا تستند إلى التمعّن في عالم المتروبولات الكبرى، وخاصّة الولايات المتّحدة الأمريكية، مقاربات لا تمسك بالأسباب الاستراتيجية الحقيقية، وتضيع في متاهات التفاصيل والقضايا والتداعيات الجانبية والفرعية و الثانوية، ولا تؤسّس لاستخلاصات يمكن التعويل والبناء عليها كما تساعدنا المساهمة الماوية (كراس التناقضات الرئيسية والثانوية وتداخلاتها وتجلياتها) في استجلاء ميكانيزمات العالم الرأسمالي وآفاقه، سواءً على الصعيد العام أو في الحقل الخاص.
2- من المسلّم به أن كتابات الليبرالية وبسون حول الإمبريالية وهليفردنغ (الرأسمال المالي) التي استفاد منها لينين في (الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية)، تشكّل أرضية لا يستهان بها في حال الانتباه إلى التطورات التالية في بنية الرأسمالية العالمية وحركتها وأزماتها.. والأفكار الأساسية القديمة هنا، هي التي تتعلّق بالتحوّل من اقتصاد المزاحمة الحرّة والإنتاج البضاعي (بضاعة، نقد، بضاعة) إلى اقتصاد الاحتكارات وتغلغل الرأسمال فيها، وخاصةً ألاعيب البنوك والمضاربة، وكذلك تصدير الرساميل. أمّا الأفكار الجديدة، فهي التي رافقت (الظاهرة الأمريكية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي) وخاصّة تداعيات اتفاقية بريتون وودز وسيطرة الدولار على النظام المالي والنقدي العالمي، وكذلك الأدوات والأساليب الأمريكيّة المستخدمة لحماية هذا النظام وتعديله وتطويره بين حين وآخر.. فمن الحروب التي توسّعت مع تضخم المجمّع الصناعي الحربي لغايات تكريس هذا النظام وموقع الدولار فيه ووضع اليد على المزيد من الموارد في العالم الثالث، إلى ما تناولته كتب مهمّةٌ جدًّا، مثل أسياد العالم، وسادة العالم، واعترافات قاتل اقتصادي، لـتشومسكي وبلجر وبيركنز.
3- بيد أنّ كل ذلك، لم يوقف الأزمات المتتالية للنظام الرأسمالي، فلا الحروب الخارجية، ولا أوهام جوزيف تومبيتر وهايك ومليتون فريدمان، كانت قادرةً على تبرير الرأسمالية والدفاع عنها:
- شومبيتر باعتقاده أن التكنولوجيا تساعد على تجاوز الأزمة، فيما التكنولوجيا عمّقتها بطرد الملايين من سوق العمل.
- هايك وفريدمان عبر أوهام الرهان على التصحيح الذاتي لحركة الأسواق.
وبالمثل فشلت سياسة الضخ في لعبة العقارات وغيرها... وفشلت الرأسمالية من ثَمَّ في تجاوز أزمتها البنيوية لا في السباق القديم مع اشتراكية موسكو، ولا بعد الانهيار السوفياتي وجدار برلين.
كما اتّضح سقوط الوهم الليبرالي الذي ربطه جون لوك مع حرّية الأسواق، فمن الفاشية والنازية التي تسببت في الحرب العالمية الثانية، إلى الحروب الإمبريالية الأمريكية وفظائعها والإعلان عن حقيقتها العنصرية، كما في الحقبة المكارثية، ثمّ حقبة ريغان – وتاتشر، واليوم بعد أزمة 2008/ 2009 العقارية والمالية وانهيار يماز برذرز وأخوته من المصارف الكبرى..
4- ومن مفارقات الأزمة الرأسمالية المتفاقمة ما سمّاه فيلسوف التفكيك (فوضى ما بعد الثورة الصناعية وما بعد الحداثة وما بعد العقل البرجوازي)؛ عودة أطياف أو شبح ماركس وتحكّمه من قبره في (فوضى السوق الرأسمالي).. فالتركيب العضوي لرأس المال واختلال المعادلة بفعل الأتمتة والثورات المعلوماتية المتتالية يغري أكثر فأكثر بالتوسّع في تقسيم العمل العالمي بين المركز والمحيط، وانتقال المزيد من (البنى الصناعية) بحثًا عن الأيدي العاملة الرخيصة والأسواق، وذلك ما حول العولمة من سمةٍ إمبرياليّةٍ إلى ظاهرةٍ تحظى بتذمّر قطاعاتٍ واسعةٍ من الطبقة الوسطى والعمّالية البيضاء.. وهنا بدأت تتقاطع شبكة العنكبوت الجديدة لليمين الجديد: رأسماليون كبار في (القطاع الصناعي) الذي يخوض منافساتٍ صعبةً مع المحيط العالمي، وقطاعات بيضاء من العمالة المتضررة، ومن العمالة الوافدة الرخيصة.. وكما في كل ظاهرة، تسطع الأيديولوجيات أقنعةً زائفة (كما رأى ماركس وألتوسير) وتوحد خلفها شرائح وقوى اجتماعية وطبقية متضاربة، ولا أفضل هنا من بعث الحياة في تصورّات دينية إسلاموية أو كنسية أو يهودية، وعلى نحو شمولي أيضًا، من الشمال ما بعد الصناعي وما بعد العقل البرجوازي، إلى جنوب ما قبل الثورة الصناعية والعقل المستقيل منذ قرون.
وعوضًا عن أن يظهر الصدام وتظهر الحروب صراعاتٍ طبقيّةً وصراعاتٍ على الموارد وتقسيم العمل، تلبس الأقنعة الأيديولوجية صدام الحضارات بلغة هنتنغتون، والفسطاطيين بلغة الجماعات الأصولية... ويبدو المسرح جاهزًا لليمين، وللدمى والأدوات السياسية بل لأكثرها انحطاطًا وأكثرها وحشية من ريغان إلى ترامب، ومن رجال قلم الاستخبارات البريطانية في شركات الهند الشرقية والسويس (من بن عبد الوهّاب ورشيد رضا) إلى البغدادي والبقيّة...
الحروب المقبلة لليمين:
من المفهوم ابتداءً، أن الرأسمالية بكل الأحزاب التي تمثلّها، هي في (خندق اليمين) بما في ذلك التيار الكينزي، والأوساط الليبرالية الأقل وحشية، بيد أن ذلك لا ينعكس بصورةٍ ميكانيكيّةٍ على تقديراتها السياسية وطرق إدارتها لمصالحها المتضاربة في الإطار الرأسمالي نفسه، بل إنّها بالقدر الذي وحّدت صفوفها ضدّ خصومها شرق وجنوب العالم، بقدر ما خاضت حروبًا مدمّرةً فيما بينها.
وبالمجمل، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية في هذا المجال:
1- إذا كانت الحروب، وخاصّة حروب التوسّع ونهب الموارد والصراع على الأسواق سمةً أساسيةً وثابتةً من سمات الرأسمالية في كل مراحلها، من المزاحمة الحرّة إلى الاحتكارات في العقود الامبراطورية (الإمبريالية)، ومن أحزاب الليبرالية المطلقة إلى قوى وأحزاب دعم المستهلك (الكينزية)، فإنّ ما يميّز سنوات الأجنحة الأكثر تشدّدًا من اليمين، هو الخطاب العنصري الذي لا لبس فيه، وهو خطاب يؤدّي في أحيانٍ كثيرةٍ إلى تزايد واتّساع عناصر هذا الخطاب وتحوّلها إلى أهداف بحد ذاتها، وهو ما أشار له شبنغلر في ملاحظاته حول الهمجية الشمالية العليا وما تنتجه من همجيات أصولية في الجنوب، وكذلك إشارات توفلر المبكّرة عن مستقبل الرأسمالية (مزيج من المافيا والمضاربات وانبعاث الأصوليات الرجعية).
2- أن القاسم المشترك بين كل الرأسماليات لا ينفي التنافس فيما بينها واتّخاذ مظاهر (قومية) كما في النازية الألمانية والفاشية الإيطالية..
3- لا يجوز أبدًا إهمال محدّدات أخرى في مجمل الصراعات داخل المعسكر الإمبريالي أو إزاء الآخرين، ومن ذلك الجانب السياسي والاجتهادات المختلفة في تشخيص هذه الأزمة أو تلك أو في تحديد الأولويات وما ينبثق منها من مدارس تلعب دورًا حاسمًا (مستقلًّا) عن (البنية الرأسمالية نفسها).
ومن ذلك الجغرافيا السياسيّة والجيوبوليتيك، وكذلك الانقسامات التي تتكرس مع الزمن، دوائرَ خاصّة، مثل الخارجية والمخابرات والبنتاغون في الحالة الأمريكية، وحراكها على إيقاع الاحتكارات المتنوعّة (نفط، سلاح، قمح.. الخ).