Menu

المغربُ العربيّ بين إرادة التحرير والتقدّم والوحدة وكوابح الخضوع والتخلّف والفرقة!

د. كمال الساكري

نشر في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

المغربُ العربيّ ذلك الاسم التاريخي العتيق والمشروع المغاربي الكفاحي التحرّري العريق عهد الاستعمار الفرنسي المباشر، وبعده أصبح منذ سنواتٍ، ولا سيّما منذ الربيع العبري يفقدُ قيمته ويتراجع شعار تحريره ووحدته حتّى بتنا نعيش صراعًا ظاهرًا وخفيًّا، حربًا وسلمًا بين إرادةٍ وطنيّةٍ شعبيّةٍ لاستكمال تحريره من موريتانيا إلى بني غازي، وربّما مصر ومؤامرات تدميره وتفكيك عرى وحدته واستباحة ثرواته وإخضاعه للاستعمار والتطبيع الصهيوني، انطلاقًا من المغرب الأقصى... فكيف حال المغرب العربي راهنًا؟ وما أهم رهانات البناء والتوحيد ومؤامرات التفكيك والإخضاع؟

1. راهن المغرب العربي:

لم يعد مصطلح "المغرب العربي" محلّ إجماعٍ لدى النخب الفكريّة والسياسيّة في المغرب العربي مثلما كان عليه الأمرُ في الماضي. لقد انتقدت صفة العروبة اللاصقة بالمغرب، وقدم الإسلام السياسي مصطلح "الإسلامي" نسبة إلى المغرب عوض "العربي" ودعواهم أن ما يوحد المغاربة هو كونهم مسلمين لا عربًا، والدليل على ذلك حسب زعمهم أنّ من سكان المغرب أمازيغ وأفارقة سودا، ومن ثَمَّ لا تنطبق كلمة عربي على المغرب والصواب مغرب "إسلامي". طبعًا ويتجاهل دعاة الإسلام السياسي الاختلافات الدينية والعقدية في المغرب العربي من وجود مسيحيين ويهود ووثنيين ولا دينيين... بل يذهب بعض المنتسبين لدعوات حقوق الإنسان والقيم الإنسانية إلى التخلّي عن مصطلح العربي وتعويضه بالكبير لنتحصل على مصطلحٍ جديدٍ هو " المغرب الكبير". ولعلّ أبرز الدعاة لهذا المصطلح المنصف المرزوقي الطبيب ورئيس تونس سنوات (2011-2014). فترة بداية حكم الإخوان (حزب النهضة وتوابعها)، ولقد قدم في ذلك أطروحةً كاملةً في منتدى عبد الجليل التميمي للبحث العلمي والمعلومات بتونس سنة 2018، تقول بتعدّد الهُويّات في المغرب العربيّ وهي العروبة والإسلام والفرنكفونيّة والزنجيّة والأمازيغيّة، وهي خمسُ هُويّاتٍ أصليّةٍ ومتكافئةٍ لا غلبة لبعضها على البعض الآخر، من هنا يصبح الشعار السليم حسب المرزوقي المغرب الكبير لا المغرب العربي. ثم دعم المرزوقي دعواه في مؤتمر "عرب المستقبل " الذي يرأسه، وانعقد بإسطنبول مارس 2019 جاء في أهم توصياته:

"اعتبار التعددية العرقية والدينية والفكرية والسياسية داخل شعوبنا وبينها ليست فقط حالة طبيعية لا مجال لإنكارها أو محاربتها، إنّما مصدر ثراءٍ وقوّةٍ يجب الاعتراف بها وتثمينها في كل المجالات وعبر كلّ الوسائل".

وعدّ أن "تحقيق هذه الأهداف يعني نجاح انتقالنا على الأمد القريب من وضع شعوب الرعايا، التي تعيش في كنف النظام الاستبدادي الفاسد، إلى وضع شعوب المواطنين، وتُعرّف بأنّها شعوبٌ مستقلّة، سيّدة ثرواتها وسيدة قرارها" (عدن نيوز 18 مارس 2019).

وطبعًا ودون الدخول في جدال مع المرزوقي فالتونسيون يعرفونه جيّدًا من خلال فترة حكمه التي عرفت سيطرة للإرهاب واغتيال المناضلين وقوى الأمن والجيش وصفقة المرحوم البغدادي المحمودي... الخ، ويدرك غالب التونسيين اليوم عدم مصداقية المرزوقي، ففي الوقت الذي ينادي فيه بالمواطنة ووحدة العرب ورفض الاستبداد، فإنّه يتحالف مع قادة الإرهاب الإخواني وغيره محليًّا وعربيًّا وعالميًّا ولا غرابة أن يعقد مؤتمرات في تركيا شعارها عربي ومضمونها تصفية العرب والعروبة تمامًا، مثل خليفته الأردوغاني.

ويعرف شعار المغرب العربي أيضًا معارضة من الفرنكفونيين والأمازيغيين، ولذلك فهم يلتقون مرحليًّا مع المرزوقي في تفكيك عرى الوحدة المجتمعيّة للمغرب العربي وتمزيقه إلى إمارات أو كانتونات للغرب والصهاينة فيها مصالح ثرى ليس أقلّها طمس عروبة المغرب وجعله دويلاتٍ ممزقةً خاضعةً لدوائر الإمبرياليّة والصهيونيّة.

كما يعيش المغرب العربي حال تراجعٍ اقتصادي داخلي في كلّ قُطرٍ فاقمته الكورونا والحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتراجعت المبادلات التجارية بين جميع أقطار المغرب العربي بلغ 4% في أحسن الأحوال، وانخفض حجم التنقّل بين البلدان حتى بلغت أدناها بين أقطار المغرب العربي و ليبيا أوّلًا بحكم سيطرة الإرهاب والتقاتل بين حكام ليبيا الجدد، ثمَّ بقطع العلاقات بين الجزائر والمغرب؛ بسبب مشكلة الصحراء الغربية واستغلال المغرب الخلاف ومسارعتها بتطبيع العلاقات كافة مع الكيان الصهيوني... ولا بدع بعد كلّ هذه النكسات أن ينحدر مطلب الوحدة المغاربية إلى الحضيض، فقد انهارت خطى التوحيد من تأسيس لجنة المغرب العربي بزعامة المغربي عبد الكريم الخطابي سنة 1947 من أجل التحرر من الاستعمار الفرنسي المباشر وبناء وحدة المغرب العربي إلى مؤتمر طنجة (المغرب الأقصى) 1958 الذي طرح على نفسه بعد "استقلال" المغرب وتونس (1960) المهام الآتية: (1-حرب استقلال الجزائر -2 تصفية بقايا السيطرة الاستعمارية في أقطار المغرب العربي. -3 وحدة المغرب العربي: ضرورتها، أشكالها، محتواها، مرحلتها الانتقاليّة) ثمّ وبعد استقلال موريتانيا (1960) والجزائر (1962) كانت هناك محاولات نحو فكرة تعاون وتكامل دول المغرب العربي، مثل إنشاء اللجنة الاستشارية للمغرب العربي عام 1964، لتنشيط الروابط الاقتصاديّة، وبيان جربة الوحدوي بين ليبيا وتونس عام 1974، ومعاهدة مستغانم بين ليبيا والجزائر، ومعاهدة الإخاء والوفاق بين الجزائر وتونس وموريتانيا عام 1983، وصولًا إلى اتّحاد المغرب العربي بتاريخ 17 فيفري 1989، بمراكش (المغرب الأقصى) الذي ضمّ كل من المغرب والجزائر وموريتانيا وتونس والجماهيرية الليبيّة، وأكّد عروبة المغرب العربي وعلاقته بالوحدة العربية والسلام العالمي. فقد جاء في ديباجة ميثاق الاتحاد تبرير القادة المغاربة لتكوين اتّحاد المغرب العربي ما يأتي: "إيمانَا منا بما يجمع شعوب المغرب العربي من أواصر متينة قوامها الاشتراك في التاريخ والدين واللغة واستجابة لما لهذه الشعوب وقادتها من تطلع عميق ثابت إلى إقامة اتحاد بينها يعزّز ما يربطها من علاقات... وإدراكًا منهم أنّ إقامة اتحاد المغرب العربي تتطلّب تحقيق إنجازاتٍ ملموسة... وتعبيرًا عن عزمهم الصادق على العمل من أجل أن يكون اتّحاد المغرب سبيلًا لبناء الوحدة العربية الشاملة، ومنطلقًا نحو اتّحاد أوسع يشمل دولًا عربيّةً وإفريقيّة" (معاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربين فيفري 1989). هكذا انتقلنا من الحلم ببناء اتحاد مغاربي ونهوض حضاري شامل، أفقه الوحدة العربيّة إلى تراجع تدريجي منذ التسعينات عرف أقصاه مع عاصفة الربيع العبري الذي ذهب بهذه المكاسب وأعاد سؤال الهُويّة والانتماء وبرّر التفكيك والقطيعة بين الأقطار المغاربيّة بعد تأديب الإمبرياليّة بواسطة الإسلام السياسي الجزائر فيما عرف بالعشرية الحمراء (1990-2000) وتدمير حلف الناتو للجماهيريّة الليبيّة فيما عرف بالربيع العربي (2011) وخلخلة أركان تونس فيما اشتهر بالعشرية السوداء (2011-2020).

2. صراع الإرادات بين تحرير المغرب العربي وتوحيده وتطويره وكوابح التخلف والإخضاع والفرقة:

يعيش المغرب العربي صراعًا محتدمًا خفيًّا أحيانًا، ظاهرًا أحيانا أخرى، بين إرادة القوى الحية والوطنية من جهة، والقوى الرجعية العميلة من جهة أخرى، حول تحرر فعلي للمغرب العربي من التدخل الاستعماري الجديد الفرنسي عن طريق الفرنكفونية شكلًا استعماريًّا جديدًا ظاهره التعاون وباطنه هيمنة فرنسا على ثروات المغرب العربي وإخضاعه مثل بقية دول إفريقيا إلى التبعية الشاملة لفرنسا إضافةً إلى منافسة الولايات المتحدة الأمريكية ودول غربية أخرى، كبلجيكا وألمانيا وفرنسا في الاستحواذ على ثروات إفريقيا الهائلة والهيمنة عليها. كما يناضل المغاربة الوطنيون من أجل السيادة الوطنيّة وإرساء أنظمة حكم ديموقراطيّة في التداول السلمي على الحكم وتوزيع الثروات بعدلٍ وإنصاف، ويتوفّر المغرب العربي على قوّة شبابية زاخرة وثروات معدنية وزراعية كبيرة وطاقية متجددة وواعدة (الشمس والريح والمياه...) وكوادر في مختلف التخصصات تفيض على حاجة المغاربة وتستفيد أوروبا منها ولاسيما في الهندسة والصحة والتكنولوجيات المتطورة... إلا أن هذه الإمكانات من جهة والمطالب المشروعة القديمة منذ اندلاع حركات التحرر في خمسينات القرن الماضي والمتجددة أمام تجدد شكل الاستعمار من استعمارٍ مباشرٍ إلى هيمنةٍ اقتصاديّةٍ ثقافيّةٍ سياسيّةٍ راهنةٍ من جهةٍ أخرى، تجد كوابح ومطبّات في الطريق بسبب ما ترفعه الرجعيّة المغاربيّة (أحزابًا ومنظّمات وجمعيّات وشخصيّات) من مطالب كثيرًا ما يوعز الاستعمار بها إليها مثل تعدّد الهُويّات في المغرب العربي - لا تنوّعها ووجود هُويّة كبرى جامعة لها هي العروبة والإسلام - ما يؤدّي إلى تفكيك النسيج المجتمعي الحضاري العربي الإسلامي الموحّد الموروث منذ الفتح الإسلامي وتقسيم المغرب العربي إلى كياناتٍ إثنيّةٍ عربيّةٍ وأمازيغيّةٍ وفرنكفونيّةٍ وزنجيّةٍ وإماراتٍ دينيّةٍ مسيحيّةٍ وإسلاميّةٍ ويهوديّةٍ (صهيونيّة) ولادينيّة... إلخ، في صراعٍ رجعيٍّ مهمّشٍ لطبيعة الصراع الحقيقي الذي تعرفه البشرية بين التقدميين والرجعيين. كما يتمسّك الرجعيّون المغاربة بالتفاوت في الملكية وتوزيع الثروة بزعم قدسية الملكية وحرية التملك بلا حدود ومشروعية التفاوت ويغطون على التفاوت الموروث من عهود الإقطاع قبل الاستعمار وأثنائه ودعم المستعمر لوكلائه بمكاسب ماديّة يستطيع بها السيطرة على الفقراء والمحرومين من خلالهم، ويرفض الرجعيون المغاربة الديموقراطية الحقيقية باعتبارها تشريكًا للشعب كافةً في الحكم عبر الانتخابات الحرّة والنزيهة والشفافة.

إنّ مطالب الحركات الوطنيّة التقدميّة في المغرب العربي لا تختلف جذريًّا عن مطالب بقية الشعب العربي من المحيط إلى الخليج، بل بقية شعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية وغيرها في إرساء أنظمةٍ وطنيّةٍ سياديّةٍ محقّقةٍ للعدالة الاجتماعية والديموقراطية الشعبيّة الحقيقيّة الشعب فيها مالك لثروته خالق لها بالعمل الجدي والوسائل المتطورة ومتصرف فيها بعدل وإنصاف فتنتفي الطبقية ويتمتع كل فرد من الشعب بمسكن لائق وتعليم جيد وصحة سليمة.

إن مطالب تحرير المغرب العربي من الاستغلال والاستبداد والاستعمار والتطبيع الصهيوني لا تتوقف، وإنّ ما يشهده غرب إفريقيا اليوم من ثورة ضد الاستعمار عامة، والفرنسي خاصةً ولا سيما في النيجر ومالي وبوركينا فاسو وغيرها من البلدان لن يمر دون تلقف ذكي من القوى الوطنية المغاربية، لتجميع صفوفها من أجل استئناف مطلب توحيد المغرب العربي وتحقيق السيادة الوطنية الشاملة، وإرساء العدالة الاجتماعية، وطرد المستعمرين وإلجام الرجعيين بالموقف الشعبي الهادر، رسالة منها إلى أمتها العربية وطلائعها المقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن، جاعلةً من مأزق الحرب الطاحنة والمنذرة باستخدام النووي بين روسيا وأصدقائها والناتو وحلفائه فرصةً حقيقيّةً لتحقيق تحرّر المغرب العربي وسيادته وتقدّمه والمساهمة في تخليص العالم من قبضة الغرب الإمبريالي وحيد القرن والمتوحش وإرساء عالم متعدد الأقطاب ينعتق فيه المغرب العربي والأمة العربية ودرة تاجها فلسطين وكل الشعوب والأمم المضطهدة من ربقة الكولونياليّة اللعينة إلى أفق تحرّر الأمم والسلام العالمي.