بينما تواصل قوات الاحتلال الصهيوني إبادتها الجماعية في قطاع غزة والأراضي المحتلة ويقرر الكنيست العنصري ضم الضفة الغربية و القدس الشرقية، يعمل الكيان على استكمال تفتيت الدول العربية، المحاذية لفلسطين وتلك البعيدة عنها، وذلك بهدف توسيع قاعدة التطبيع وفق ما يسمى بـ"الاتفاقيات الإبراهيمية"، التي أبرمت في العام 2020 مع أربع دول عربية هي الإمارات والبحرين والسودان والمغرب. ويسعى الكيان لفرض اتفاقيات مماثلة على كل من سوريا ولبنان ودول خليجية أخرى وعلى رأسها السعودية، في الوقت الذي يُحضِّر فيه لزيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية على كل من مصر والأردن، باعتبارهما الوطن البديل لأهالي قطاع غزة، مستخدما في ذلك نفوذه في المؤسسات المالية الدولية التي تسيّرها الولايات المتحدة والدول الغربية المتحالفة مع الكيان في المجازر والتطهير العرقي والفصل العنصري. بيد أن دولة الكيان التي تتصرف بغطرسة وفوقية على كل شيء بما فيه القانون الدولي ولا ترى في الدول الأخرى إلا كيانات تابعة خاضعة لها وللدوائر الغربية، تجد الفرصة سانحة لفرض المزيد من شروطها وتطبيق معادلاتها الاقصائية لتشييد الشرق الأوسط الجديد بقيادة تل أبيب.
يستخدم الكيان سلاح التجويع ضد الدول العربية بطرق شتى كخيار إستراتيجي بعد أن فعّلهُ في قطاع غزة إلى الدرجة القصوى بمنعه المياه والطعام والدواء وكل ما له صلة بالحياة بعد أن دمر جل المؤسسات والبنى التحتية وقتل نحو 60 ألفا وجرح أضعافهم وطمر تحت الأنقاض آلاف ووضع مثلهم في الأسر. سلاح التجويع بدأ يعطي أُكله في دول عربية أخرى يسعى قادة الكيان لتركيع قياداتها وشعوبها، مبتدئا بتدمير الاقتصاديات والأوضاع الاجتماعية وإطباق الحصار عليها كلما سنحت الفرصة ووجد لذلك سبيلا. ولأن مصر هي الدولة العربية الأكبر من حيث عدد السكان وباعتبارها "دولة طوق"، فقد عمل الكيان على إحداث اختراقات كبيرة مستفيدا من معاهدة كامب ديفيد (1978) وملحقاتها، ومن تراجع أداء الاقتصاد المصري في السنوات الماضية والتبعات التي أدت إلى هذا التراجع ومنها تدهور سعر صرف العملة الوطنية (الجنيه) وتردي الأوضاع المعيشية وعلى رأسها مستوى المعيشة والبطالة والفقر. وفوق كل ذلك مشكلة المياه التي زادها سد النهضة الأثيوبي تعقيدا، حيث تشير العديد من المصادر إلى أن أياد صهيونية تعبث لخنق مصر مائيا وإنهاكها.
معضلة الاقتصاد والديون
يواجه الاقتصاد المصري مصاعب كبرى تحد من مواكبته لمتطلبات التنمية المستدامة والاستحقاقات المرحلية لبلد تعداده السكاني يصل إلى نحو 110 ملايين نسمة، أغلبهم يُصنف ضمن الفئات الشبابية المحتاجة للدراسة والعمل والسكن، وهذه أعباء جوهرية لا مناص من تلبيتها كشرط لاستقرار المجتمع وسلمه الأهلي. الصورة الأكثر وضوحا تتمثل في الضغوطات التي يتعرض لها الاقتصاد في مجال الدين العام الذي يعكس حالة الاقتصاد الكلي. يبلغ الدين الخارجي أكثر من 162 مليار دولار، وفوائده التي تلتهم نحو 80 بالمئة من إجمالي إيرادات الميزانية، في وقت يتوقع فيه صندوق النقد الدولي أن يصل الدين الخارجي إلى 200 مليار دولار بحلول 2030. ويبلغ الدين الداخلي 18.4 تريليون جنيه (الدولار الامريكي= 50 جنيها في المتوسط) اما بالنسبة للبطالة فيصل معدلها إلى أكثر من 6 بالمئة، وفق الإحصائيات الرسمية (أكثر من مليوني عاطل عن العمل)، فيما تقدرها مصادر أخرى بأعلى من هذا الرقم. وتشكل العمالة المهاجرة مصدرا مهما للعملة الصعبة، وتقدر أعدادها بأكثر من 11 مليون مصري حولوا نحو 30 مليار دولار خلال الفترة من يوليو2024 إلى ابريل 2025، محققة قفزة كبيرة في التحويلات بلغت أكثر من 77 بالمئة مقارنة بنفس الفترة من العام المالي الذي سبقه، الأمر الذي شكل جانبا إيجابيا في حصول البلاد على القطع الأجنبي من العملة، التي جاءت أيضا من قرض صندوق النقد الدولي بقيمة بلغت 8 مليارات دولار، فضلا عن 24 مليار دولار حصلت عليها الخزينة المصرية من أبو ظبي مقابل الاستثمار في منطقة رأس الحكمة.
ورغم محاولات ضبط المالية العامة وترشيد الإنفاق ورفع الدعم عن بعض السلع الرئيسية كالبنزين والسولار ومواد أساسية أخرى، فإن الاقتصاد المصري لا يزال يواجه تحديات كبيرة زادت تعقيدا مع تطورات الأوضاع الاقتصادية العالمية والحرب على إيران من قبل الكيان الصهيوني، والتي خسرت فيها البورصة 90 مليار جنيه، وتراجعت إيرادات قناة السويس بشكل حاد وبنسبة 54.1% لتسجل 2.6 مليار دولار في الفترة ما بين يوليو2024 إلى مارس 2025، نتيجة انخفاض أعداد السفن العابرة بنسبة 44.8% على خلفية التوترات في منطقة البحر الأحمر.
وتأتي نتائج حرب الرسوم الجمركية التي أشعلها الرئيس الأمريكي ضد العالم وخصوصا الصين، لتشكل عاملا سلبيا إضافيا ومرشحة لأن تشهد تداعيات كبرى على اقتصاديات العالم الثالث ومنها الاقتصاد المصري، ما يفتح الجدل مرة أخرى إزاء إمكانية البحث في تحقيق حلم السوق العربية المشتركة وتشكيل تكتل عربي قوامه نحو 400 مليون نسمة يمكنه من مواجهة جزء مهم من هذه الضغوطات.
سد النهضة والقضية الوجودية
في الثالث والعشرين من شهر يوليو/ تموز الماضي، وتزامنا مع مناسبة عزيزة على الشعب المصري والشعوب العربية، حيث تحل ذكرى ثورة 23 يوليو التي قادها الزعيم جمال عبد الناصر، صرح الرئيس التنفيذي لمكتب تنسيق سد النهضة الإثيوبي، أريجاوي برهي، لوسائل الإعلام الإثيوبية، بأن مشروع سد النهضة "خطوة أولى ضمن مسار طويل من التنمية الذاتية التي تقودها البلاد في قطاع المياه والطاقة (..) إن إثيوبيا لا يمكنها الاكتفاء بسد واحد فقط"، بل نحتاج إلى سدود تخدم أغراضاً أخرى، بما في ذلك الزراعة، وإن سد النهضة هو بداية تصحيح هذا المسار، وخطوة إستراتيجية نحو اللحاق بركب التنمية".. هكذا!!
هذا التصريح على خطورته الكبيرة، يؤكد على مشروعية وموضوعية القلق المصري على قضية وجودية بالنسبة لمصر والمصريين. فمصر "هبة النيل"، والتي تعتمد على مياهه بنسبة تصل إلى 90 بالمئة، تواجه هذا الكم من التحدي الكبير فوق الأزمات المتناسلة التي تتعرض لها البلاد في أكثر من موقع، ويتوجب البحث عن الدور الصهيوني في هذا الوضع الذي وصلت له مصر، حيث يؤكد التاريخ ضلوع الكيان في تجويع مصر من النوافذ الاقتصادية والمائية. فبعد أيام من عودة العلاقات الصهيونية الأثيوبية عام 1989، وصل إلى أديس أبابا وفد صهيوني مكون من 400 خبير في مختلف المجالات وأهمها مسألة مياه نهر النيل الذي يبلغ طوله نحو 7000 كيلومتر، والوجود العسكري الصهيوني بالقرب من باب المندب. وتشير المعلومات إلى أنه بين 1956 و1964 وضعت الإدارة الامريكية 17 مجلدا تحوي دراسات مائية وإستراتيجية حول إثيوبيا ونهر النيل تحت تصرف خبراء المياه الصهاينة، وفق كتاب أزمة المياه والصراع في المنطقة العربية للكاتب غسان دمشقية.
مسألة سد النهضة ليست قضية عابرة، بل هي قضية وجودية وتزداد حساسيتها كلما أقدمت أثيوبيا على خطوات منفردة تمس فيها الأمن المائي في كل من مصر والسودان. وفي خضم البحث عن مخارج للأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المنطقة برزت قضية سد النهضة الذي شيدته اثيوبيا على نهر النيل ويصب في كل من السودان ومصر. وتفيد دراسة صادرة عن جامعة "تكساس إيه آند إم" الأميركية، ونشرتها "الجزيرة نت" أن سد النهضة قد يتسبب في فقدان مصر لثلث مساحتها الزراعية سنويا خلال سنوات الجفاف. وقد تم ملء خزان السد على ثلاث مراحل بدأت في يوليو2020 وانتهت في اغسطس 2022، وغطى الخزان مئات الكيلومترات خلال ملئه. لكن الدراسة لاحظت "انخفاض في مساحة سطح خزان سد النهضة بنسبة 24 إلى 49% بعد المرحلتين الأولى والثانية، وذلك نتيجة لزيادة معدلات التسرب والتبخر في موقع السد".
وحذرت الدراسة "من أ استمرار عمليات ملء السد بالمعدلات الحالية خلال فترات الجفاف المستقبلية لعدة سنوات أخرى، وفي ظل ارتفاع معدلات التسرب والتبخر، فإن حصة مصر من مياه النيل قد تتراجع بنسبة تصل إلى 35.47%، مما قد يؤدي إلى فقدان نحو 33.14% من المساحات الزراعية سنويا". نشير إلى أن تكلفة سد النهضة الكبير بغت 4.8 مليار دولار، وهو مشروع كهرومائي ضخم، يمتد على طول نهر النيل لتوليد ما يكفي من الكهرباء لتزويد المنطقة بأكملها بالطاقة، التي من المقرر لها أن تنتج 6.4 ألف ميغا وات، وهذه تزيد بكثير عن حاجة اثيوبيا الحقيقية. لكن الخلافات محتدمة بين إثيوبيا ومصر حول الحصص المائية لكل من الدول المعنية، علما أن النيل تشاطئه عشر دول، فبالإضافة إلى الدولتين، هناك السودان، جنوب السودان (بعد الانفصال)، كينيا، أوغندا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
لا شك أن الضغوطات الكبيرة التي تتعرض لها مصر بسبب ارتفاع الدين العام، وخصوصا الخارجي، يشكل لها قلقا مزعجا حول كيفية سداده، فضلا عن فوائده المتضخمة. المؤسسات الدائنة التي تحركها الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، تدرك هذه الحقيقة، فتمارس ضغوطات مركبة في الجانبين الاقتصادي والسياسي، الأمر الذي بدأت الحكومة في التفكير لبيع بعض الأصول أو وضعها للاستثمار طويل الأجل، وهذا توجه قد لا يتوقف عند حد معين، ما يفتح ابوابا جديدة للضغوطات ويزيد من حجم الدين العام. وفي الجانب السياسي يتعرض قطاع غزة المحاذي لشبه جزيرة سيناء إلى حرب إبادة لم تتوقف منذ قرابة السنتين، وقد دخلت مؤخرا فصل التجويع حتى الموت ما يعتبر جرائم حرب بيّنة. إن الضغوطات الأمريكية التي يبشر رئيس إدارتها دونالد ترامب بتحويل القطاع الفلسطيني إلى منتجع سياحي بعد تفريغه من أهله، يعني عملية تطهير واقتلاع قسري وترحيل الفلسطينيين إلى جهة ما، حيث ترجح التوقعات أن تكون سيناء المصرية أول هذه الجهات. هذا السيناريو، إن حصل، فإنه سيضرب إسفينا في الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي، وسيخلق معطيات لا يمكن توقع نتائجها السلبية الكبيرة.
نخلص إلى القول إنه وقبل اتفاقية كامب ديفيد كانت مصر تشكل العمود الفقري للصراع العربي الصهيوني، وعندما مورست عليها الضغوط وأنهك اقتصادها وأدخلت في دوامة الديون وبدأ حصارها مائيا بحبس مياه النيل، ولجت الأمة في مرحلة شديدة العتمة. وما يجري في قطاع غزة وعموم فلسطين من إبادة جماعية وتطهير عرقي وتجويع لم يشهد له التاريخ مثيلا، ليس معزولا عما يجري في المنطقة وفي مصر على وجه الخصوص، ولن تكون نتائجه محصورة في فلسطين، بل إن الكيان الصهيوني يُحضّر لما بعد غزة وجنوب لبنان وسوريا واليمن، والمؤشرات تؤكد أن الدولة المستهدفة بعد غزة هي مصر بعد أن يتم إنهاكها بالديون وإرباك الوضع الاقتصادي والسياسي والمائي. وهنا تكمن أهمية وحدة الجبهة الداخلية وإعادة الوهج للتضامن العربي الحقيقي بتشكيل الكتلة القومية التاريخية التي من شأنها فتح ثغرة في جدار الصمت والتخاذل الذي يقتل أهل غزة وعموم فلسطين. لكن، عندما تعجز أمة مترامية الأطراف عن إيقاف سياسة التجويع وتتمنع عن إدخال الخبز والماء والدواء إلى قطاع محاصر منذ ثمانية عشر عاما، فإن الخلل جوهري ولا بد من إصلاحه بشكل جذري قبل أن تحل الكارثة التي ستعم المنطقة ولن تُستثنى منها دولة عربية واحدة.

