لم يتمتع أحد من زعماء الأمة العربية في القرن العشرين، وقد يكون حتى في التاريخ العربي الحديث بشعبية كما تمتع بها جمال عبد الناصر، فالذين لم يعايشوه أبدا كتبوا عنه باحترام، لكن ما لا يريد أحد أن يتذكره أن الذين شتموه وهاجموه كانوا أكثر بكثير من الذين احتفظوا له بالصورة الأجمل، خصوصا بعد أن انقلب عليه السادات، فتحولت عديد الأقلام لتبحث ولو كذبا عن أخطاء وأحيانا خطايا للزعيم، وهؤلاء هم أنفسهم اصطفوا الى جانب الرئيس مبارك، حين فتح المجال للهجوم على السادات والذين يصفقون اليوم للرئيس السيسي سيفعلون الفعل نفسه مع خلفه.
هذه الحكاية السخيفة عاشها كل الزعماء العرب كما حدث مع صدام والقذافي وصالح، وللأسف فإن من خلفوا هؤلاء الزعماء لم يتعلموا الدرس أبدا ولا زالوا يصدقون المطبلين والمزمرين ولا يستمعون أبدا لأصوات العقل والنقد، بل يذهبون بها إلى المعتقلات أو النفي أو الاغتيال، وكان الأولى لهم أن يستمعوا لأصوات النقد، فلو استمع القذافي لناقديه لما كان ضحية المنتفعين والكذابين والفاسدين، ممن أقنعوه أنه الزعيم الأوحد وملك الملوك والقائد الملهم، بل كاد البعض منهم يقدم كتابه الأخضر على المقدس حتى، وكذا فعل هؤلاء مع الرئيس صدام حسين وغيره وغيره.
مصيبة الأمة العربية في قادتها الذين يصدقون النفاق والكذب والتطبيل والتزمير بالشعر والأغاني والصحافة وعلى شاشات الإعلام بأشكالها، بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي ولا يلتفتون إلى من ينتقدونهم أو يقدمون لهم النصح، بل تسعى حاشيتهم إلى منع مثل هذه الرؤى عنهم ويغلقون عيونهم عن كل شيء لا يخدم مصالح الحاشية أو البطانة التي تتحول عادة إلى بطانة سلطة فاسدة على قاعدة أن السلطة مصدرا للثروة لا أكثر ولا أقل، فهم يرتكبون كل الموبقات ويرمون به على رقبته.
الزعيم العربي الذي أحببت ولا زلت حتى اللحظة أفعل هو جمال عبد الناصر، لكنني عتبت ولا زلت أعتب عليه أنه قبل التراجع عن استقالته بعد هزيمة حزيران 1967، بعد أن أعلن استقالته، فلو إنه أصر عليها لأصبحت سنة عربية يفعل بها من يخطئ نفس الفعل، إلا أن الحب العاطفي دفع بالزعيم لأن يقبل، فصار مشروعا أن تنهزم ولا تتحمل أية مسئولية وأن تخطيء ولا تتحمل أية مسئولية.
إن الإبقاء على ظاهرة الشخصنة وعبادة الشخص والملهم والأب والحامي هي التي ستجعل من العرب دائما في ذيل الفعل الإنساني والحضارة والبشرية وانجازاتها وستبقيهم باحثين عن صورة الغير، الأرقى هاربين من ضعفهم وتخلفهم، باحثين عن الخلاص لدى عدوهم، خادمين له ومعه وباسمه مساهمين في الإبقاء على أمتهم تابعة لا فاعلة، وهو ما لا زال حيا حتى اليوم.
فيا أيها الزعماء العرب لا تسمعوا المطبلين والمزمرين، لأنهم وحدهم من يذهبون بكم إلى حتفكم ووحدهم من يحصلون لكم على كراهية شعوبكم ووحدكم، من يحولونكم أدوات في أيدي الغير ووحدهم ولمصالحهم وفسادهم يحولونكم إلى خونة وفاسدين، وباسمكم يفسدون وينهبون ويقتلون وأنتم تتحولون إلى حامي لجرائمهم هم لا أكثر ولا أقل وأنتم من تبنون الطبقة الحاكمة التي تدوم وتدوم، فلا متهم سواكم شئتم أم أبيتم، الأحياء منكم والأموات، وما دام لا يوجد منكم من يعيش باسم الزعيم السابق، فلا تحلموا بأن تذكروا بالخير بعد رحيلكم ولا تحلموا أن تحملوا صورة البطل الذي أخطأ وظل بطلا كما هو حال جمال عبد الناصر.
في ذكرى رحيل الزعيم جمال عبد الناصر البطل الذي أخطأ وظل بطلا، أرى لزاما عليَّ أن أذكر أولئك الذين فعلوا الحق وتم نسيانهم، البطل الأول شكري القوتلي، الذي آمن بالوحدة العربية، فتنازل حقا عن منصب الرئيس، بلا إكراه، لصالح حلمه وحلم كل العرب، وسوار الذهب الذي آمن بالديمقراطية، فتنازل عن منصب الرئيس بلا إكراه لصالح حلمه وحلم كل البشر.

