Menu

جهازنا المناعى .. الإصابة الثانية

احمد الجمال

 

أحاول أن أرصد سببًا آخر لانهيار جهاز المناعة الوطنى المصرى فى مواجهة سرطان التطرف والإرهاب المرتدى عباءة الدين، إذ سبق وكتبت عن مقدمات انتشار السرطان وتمكنه، ثم عن أول إصابة أتصور أنها ضربت جهاز المناعة المصري، وهى ازدواج نظام التعليم بين أزهرى وبين حديث أسسه محمد على باشا والى مصر بعد أن عجز عن الاستجابة لرؤية الشيخ حسن العطار، الذى دعا لتطوير وإصلاح التعليم فى الجامع العتيد، وأدى هذا الازدواج فى مسارات التعليم إلى ما اعتقد أنه ازدواج فى الثقافة وفى الوجدان، وفصلت هذا الجانب فى مقال الأسبوع الفائت، واليوم أحاول أن أرصد ما أتصور أنه الإصابة الثانية التى ضربت جهاز مناعتنا الوطني، وهى بقاء مصر مجتمعا فى حالة تحول طيلة الفترة من تقويض تجربة محمد على فى القرن التاسع عشر إلى الآن، وهو تحول لم يؤدِ إلى استقرار ولا إلى إتمام للتجارب المختلفة، ولذا فقد يكون الأكثر دقة هو أنها حالة انقطاع بين كل تجربة وبين تطورها الطبيعي، ثم بين التجارب بعضها البعض.

ولذلك فإننا لو ترجمنا حركة تاريخنا إلى شكل بيانى لوجدنا أنفسنا على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية أمام خطوط بيانية قزمية متجاورة غير متصلة، بينما المفترض أن يكون خطا بيانيا واحدا فيه صعود وهبوط، وله قمم وقيعان لكنه متصل.

ودون الغوص بعيدا فى تاريخنا إلا أنه لا بأس من الإشارة سريعا إلى أن الاضمحلال الذى لحق بمصر قبيل غزو الإغريق لها قد اختلف فى تفسيره، وبعيدا عن الأسباب الكامنة من ورائه، إلا أننا نلاحظ انقطاعا واضحا بين مصر ما قبل الإغريق وبين العصر الإغريقي، ومن بعده الروماني، ومن بعدهما العربى الإسلامي.

وبقفزة شديدة إلى العصر الحديث سنجد أن تجربة مصر الحديثة التى حاولها محمد على الكبير تحطمت بما ترتب على معاهدة لندن 1840 وفى المقدمة تحجيم الجيش المصري، وجاءت محاولة إسماعيل باشا لتتحطم بدورها بالديون الأجنبية والتدخل الخارجي، وبعدها جاء الاحتلال البريطانى ليحدث الانقطاع واضحا بين حلقات حكم الأسرة العلوية إلى أن أزيحت من الحكم بثورة يوليو 1952 التى لم تستكمل بدورها تجربتها عندما ضربت بهزيمة 1967، وهكذا لم يجد التحول نحو الليبرالية والاقتصاد الحر سبيلا ليصبح بناء ليبراليا ورأسماليا قبل 1952 كما لم يجد التحول نحو الاشتراكية سبيلا ليصبح بناء اشتراكيا بديمقراطية اجتماعية فيها مسحة تعددية بعد 1967!

ومع السادات ومن بعده مبارك، وهما نظام واحد فى رأيي، كانت محاولة العودة لليبرالية السياسية والاقتصاد الحر، إلا أنها كانت محاولة ممسوخة اكتملت فيها عجينة الاستبداد مع الفساد، وكان مستحيلا أن يستمر الأمر فحدث الانقطاع بثورة يناير 2011.. وها نحن مازلنا نحاول التحول مجددا من فساد واستبداد أعقبهما فاشية إخوانية دينية لعلنا نجد سبيلا لليبرالية سياسية ورأسمالية اقتصادية، خاليتين من الاستبداد والفساد وبعيدتين عن الفاشية!

إن الانقطاع الحادث فى تاريخ مصر السياسى والاقتصادى انعكس على بنيتها الاجتماعية مباشرة، فلم يتبلور تكوينها الطبقى واضح المعالم بحيث يدار الصراع داخل المجتمع على أسس واضحة بين طبقات دنيا وأخرى متوسطة وثالثة عليا، ولكل مصالحه ووعيه، بل إن الخطير هو أن التشوهات السياسية والاقتصادية خلقت تشوها اجتماعيا بشعا، تمثل فى نشوء فئة اجتماعية استفادت من الاستبداد ومن الفساد فضاربت على كل شيء وتاجرت فى كل شيء، وضربت عرض الحائط بكل الضوابط الدستورية والقانونية والأخلاقية، التى تحكم علاقات القوى الاجتماعية، وانتقل التشوه إلى مؤسسات الحكم على النحو الذى عايناه وعانيناه متغلغلا من البلاط الرئاسى إلى أصغر موظف فى جمعية زراعية أو مجمع استهلاكي!

والسؤال الضرورى هنا هو هل لحق الانقطاع كل الجوانب فى الحياة المصرية؟ والإجابة الأولية هي: «لا» لأن بؤر المقاومة ظلت يقظة على الصعيد الثقافى بالمعنى الواسع للثقافة، خاصة أن الانقطاع ارتبط بالتدخل أو الوجود الأجنبي، ولذلك احتدمت القضية الوطنية.. قضية احتلال الأرض وكسر الإرادة، فكانت حركات المقاومة منذ دخول الإغريق لنشهد ظاهرة الهجرة واللجوء للصحراء لتشكيل فرق المقاومة، وكانت حركة الرهبنة استمرارا لذلك بدرجة أو أخري، وتنوعت المقاومة بين إيجابية فاعلة وبين سلبية بإدارة الظهر لكل ما يريده، أو يفعله الحاكم، ونستطيع أن نرصد حلقات متصلة من الفعل المقاوم المصرى على مر العصور، إلى أن حلت الكارثة بتمكن السرطان المرتدى عباءة الدين من البنية الثقافية، ويصعد الإخوان إلى كرسى الحكم ليعلنوا أنهم سيستمرون فيه لخمسة قرون مقبلة، على الأقل، ثم إن انعكاس الانقطاع فى الجانبين السياسى والاقتصادى على الجانب الاجتماعي، خاصة غياب أو تأخر البلورة الطبقية تجلى سلبيا أكثر ما تجلى فى ضرب أو تفكيك الطبقة الوسطى المصرية، التى تعد فى نظر كثيرين من المهتمين بالتاريخ الاجتماعى «دينامو» الحركة التاريخية، وقد رأى البعض أن ثمة مشروعًا فى اكتمال ملامح تلك الطبقة حدث فى الستينيات، غير أن هذا الاتجاه للاكتمال تعرض لهزة فادحة بمجيء حقبة الانفتاح الاقتصادى المنفلت، وارتبطت بها حقبة شديدة التأثير فيما نتحدث عنه، وهى حقبة نزوح ملايين المصريين إلى مناطق إنتاج النفط، حيث كان التأثير الأفدح على ثقافة المصريين، الأمر الذى يستحق أن أخصص له المقال المقبل.

 

المصدر: الاهرام