Menu

من طور التآمر على القضية إلى التخلص من الالتزام بها

اسحق أبو الوليد

يتزامن عهد محمد بن سلمان مع انتقال المجتمع السعودي إلى مرحله أعلى من التطور الاقتصادي والاجتماعي والحقوق الإدارية، مما أدى أيضًا إلى انتقال النظام الملكي السياسي، من طور نظام رجعي متخلف تابع إلى نظام يميني اصلاحي براغماتي، يطمح للتخلص من التبعية بتحقيق النمو والازدهار الاقتصادي والاجتماعي من كافة النواحي، ويبدو من خلال مقابلة ولي العهد محمد بن سلمان مع وكالة فوكس نيوز الأمريكية أنه يدرك تماما ماذا يريد وأن لديه أرضية فلسفية سياسية يرتكز عليها سياسيًا يلخصها بأن: "الشيء الوحيد الذي لا يتغير في السياسة هو طبيعتها المتغيرة، لذا تتغير سياستك دائمًا حسب ما يخدم أهدافك كدولة". من هنا يمكن النظر للنظام في السعودية من زاويتين:

الأولى: "كنظام" قائم بذاته ولذاته، ليس عليه التزامات قَومية أو دينية. في هذه الحالة يظهر النظام في مسألة مفاوضات التطبيع مع العدو كمدافع عن مصلحة "الدولة الوطنية" التي تتطلب تأمين "الاستقرار في كل المنطقة كي يتحقق الازدهار والنمو، ليس فقط في السعودية بل في كل المنطقة أيضا" ويلمح من خلال هذا التوجه أنه يطمح إلى تحقيق قفزة، من التطور تمنحه الاستقلالية" وتحرره "من التبعية التاريخية للإمبريالية الأمريكية والمركز الإمبريالي بشكل عام، بنقل السعودية إلى مصاف أول سبع دول في العالم.

الثانية: والتي هي الأهم، النظر للسعودية كدولة، قومية عربية إسلامية، لها التزامات موضوعية وعليها واجبات سياسية وأخلاقية، تجعلها مستهدفة موضوعيا من العدو الإمبريالي - الصهيوني بنفس القدر الذي تستهدف به كل دول ومكونات الأمة العربية. الاستهداف هنا يعني الابقاء عليها تحت السيطرة السياسية والاقتصادية كي يستمر استغلال ثرواتها وتجير نفوذها لصالح أهداف ومخططات الغرب الاستعماري، وفي القلب منها محاصرة المخاطر التي تحيط بكيان العدو والعمل دائما على تفكيك عوامل التهديد الوجودية لهذا الكيان غير الشرعي والآخذة في النمو والتطور. السعودية هنا كدولة أساسية ومحورية لا تقل أهمية عن مصر أو العراق أو سوريا أو الأردن أو لبنان. وما يلفت الانتباه أن مجريات وعملية التفاوض السعودية الأمريكية "الإسرائيلية" للتوصل إلى اتفاق سعودي "إسرائيلي" تثر ضجة واهتمام لافتين، تفوق حتى التفاوض في أوسلو مع الفريق الفلسطيني. إن هذا ليس صدفه، لأن الإدارة الأمريكية تطمح بأن يكون هذا الاتفاق بمثابة "اتفاق الاتفاقيات" السابقة، الذي سيغلق أهم دائرة تفاوضية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، لهذا يجب أن يترافق مع حمله إعلامية "تبيض" النظام السعودي وتساهم في تطبيع عقل المواطن من خلال القبول السلبي لما يجري، وتبرير ما يقوم به نظامه كأمر واقع. هذا يفسر أحد أسباب عدم حدوث ضجة مماثلة لمفاوضات التطبيع أو الصلح التي سارت فيها الأنظمة التي وقعت اتفاقيات مع العدو في الماضي البعيد التي كان يمكن لها أن تلعب دورا عكسيا لما هو مطلوب منها.

ما يميز السعودية أنها عندما أُسست "كمملكة للعشيرة" أو العشائر كانت تشكل الأداة الأفضل في يد الثنائي الإمبريالي - الصهيوني "والسكسوني - اليهودي" التي عن طريقها تم تحقيق أهم الأهداف في الاستراتيجية الإمبريالية للسيطرة على الوطن العربي. هذه الاستراتيجية كانت تحتاج إلى وجود كيان الصهاينة كأحد ركائز وعوامل تحقيقها وبدعم سعودي، أما الآن وفي هذه المرحلة، حيث الإمبريالية الأمريكية بدأت مسيرة العد التنازلي لإزاحتها عن قمة عرش العالم، والتي  ستظل في تعايش مشترك مع القوى الجديدة الرائدة لفترة لا يمكن تحديدها زمنيا من الآن، سيفرض على أمريكا أن تعيد التموضع من جديد في أكثر من منطقه من العالم، آخذة مصالحها أولا - الشعار الذي رفعه ترامب أمريكا أولا - حتى لو تعارضت لو تناقضت مع حلفاء - أدوات الماضي، ومنهم "إسرائيل" التي لن يعود لها نفس القدر من الأهمية الاستراتيجية، وستضطر الإدارات الأمريكية، بغض النظر عن لونها التنظيمي، أن تتصرف ببراغماتية أكبر في تحديد وتبديل مكانة "الحليف" في استراتيجيتها أكثر من أي وقت مضى. هذا يعني أن خوف "إسرائيل" والحركة الصهيونية، ليس من "النووي" السعودي، رغم أهميته الاستراتيجية، بل من الموقع الذي ستحتله السعودية في الاستراتيجية الأمريكية والإمبريالية بشكل عام، في عالم حديد متعدد القوى الأقطاب.

هذا الطموح السعودي كشف عنه ابن سلمان في مقابلته مع فوكس نيوز الذي أكد أن "امتلاك السلاح النووي لا فائدة منه... وأن أحدا لا يستطيع استعماله، ومن سيفعل ذلك سيعاقب دوليا" إذا هو يضع النووي لرفع سقف التحالف والمكانة لا للاستعمال، وتجده يتحدث بثقة في هذا المجال، لأنه حصل على وعد وتعهد صيني روسي لتلبية هذه الحاجة عند الضرورة وإذا هو أراد ذلك، في ظل هذا الواقع وهذه الاستراتيجية السعودية، يعمل ابن سلمان على أن تصبح القضية الفلسطينية قضية "الدولة" السعودية لا قضية المجتمع والوطن والأمه. أي التحرر من أعبائها التاريخية والسياسية، بعد أن سمح له "الفلسطيني" بذلك، والذي "حرره" رسميا وعمليا من هذه الالتزامات عندما سلمه مطالبه لتحقيق التطبيع مع العدو، والتي لم تتطرق لأي شرط سياسي بل كلها كانت إدارية مطلبية، وعد ابن سلمان بتحقيقها. إن هذه الاستراتيجية تبدو الآن وللوهلة الأولى بأنها "واقعية وممكنة" التحقيق إلا أنها ستصبح عاجلا أم آجلا لب وجوهر التناقض التاريخي الاستراتيجي مع الكيان الاستعماري في فلسطين وامتداداته في الوطن العربي، ومع الأنظمة العربية العميلة المتحالفة معه التي ستخلعها وشعوبها وحركات التحرر فيها عربيا وإسلاميا... لهذا يتحمل المسؤولية الأولى والأكبر من عبد طريق الخيانة الذي شقته بلدوزرات الأنظمة الرجعية العربية التابعة للإمبريالية والصهيونية، منذ عشرات السنين أي "قيادة منظمة التحرير" كي تسير عربة هذه الأنظمة العميلة في هذا الطريق بهدوء باسم المصلحة العامة تارة، والمصلحة الفلسطينية الخاصة تارة أخرى. 

من هنا لا يمكن أن يجتمع، فلسطينيا وعربيا، تحت سقف واحد وبرنامج واحد واستراتيجيته واحدة من هم ضد الخيانة والتطبيع مع من كل من أقدم عليها ومارسها، ولا فرق بين مطبع ومطبع ولا تبرير لاحد وكل المطبعين شربوا من نفس الكأس الصهيوني.

لذا من العار والمخزي أن يطلب فريق أوسلو من آل سعود أو غيرهم أن يضعوا شروطهم الفلسطينية على الكيان الصهيوني، من أجل التوصل إلى اتفاقيات "سلام وتطبيعيه" معه هذه الشروط والمطالب التي كان "بإمكان فريقهم المفاوض أن يضعها" هو وأن لا يلبي طلبات وشروط العدو إلا إذا لبى شروطه، أليس كذلك؟ ولماذا لم يفعل؟