ما زال اتّفاقُ أوسلو مثارَ جدلٍ بين الفلسطينيين بعد ثلاثة عقودٍ على توقيعه، وما زال الفلسطينيّون ينقسمون في تقييم التجربة التي أحدثت هذا التحوّل الهائل، حيث يمكنُ وصفُها بالحدّ الفاصل بين زمنين، وقد كان هذا التحوّل كبيرًا بحيث طال كلّ شيء، فما قبل أوسلو لا يشبه ما بعده.
الإسرائيليّون ليسوا ببعيدين عن هذا النقاش، وما زال الجدلُ نفسُهُ حول هذا الاتفاق الذي أحدث تغيّرًا كبيرًا في شكل العلاقة مع الفلسطينيين، ومن غرابة الأشياء أن أوسلو أحدث قدرًا من التقارب التنسيقي بين الجانبين، ولكنّه في الوقت نفسه رفع وتيرة الصدام والخسائر بين الجانبين.
إنّ الفلسطينيين والإسرائيليين كليهما يبحثان عن سلبيات وإيجابيات، حيث الانقسام الذي أحدثه الاتفاق لكل مجتمعٍ ما بين مؤيدٍ ومعارض، كلٌّ ارتباطًا بموقعه السياسي أو الأيديولوجي أو المصلحي حتى، وقليل من الباحثين يعدّ أنّ الأمر جزءٌ من مسارٍ تاريخي ولحظة تاريخية فرضت نفسها وخرجت على شكل اتفاق أحدثته تحولات كونية وإقليمية، منها انهيار الاتحاد السوفييتي، وحرب الخليج الأولى، لكن أفسدته النوايا والتوازنات واستمرار الخلل في موازين القوى، وتحولات طرأت على المجتمعين المتحاربين وانزياحهما نحو اليمين أكثر، وخصوصًا الإسرائيلي الذي استدعى زعيم اليمين القومي بنيامين نتنياهو مبكّرًا لمعالجة الأمر، ثم جاء بعد ذلك بالمعارض لاتفاق القاهرة من حزب العمل أيهود باراك ليستكمل تجسيد رغبة اليمين ورغبة المؤسسة العسكرية باستمرار السيطرة على جبال الضفة الغربية، ما يحول دون إقامة دولةٍ فلسطينيّة؛ أي لا معنى لأوسلو.
وبين رغبة اليمين بالسيطرة على الضفة لأسبابٍ قوميّةٍ توراتيّة، ورغبة اليسار بالسيطرة لأسباب اقتصادية وعسكرية كان الاتفاق يعيد تظهير نوايا الإجماع الإسرائيلي بوأد طموحات الفلسطينيين، واستمرار إبقائهم تحت السيطرة الإسرائيلية، وأن الاتفاق لم يكن أكثر من رغبةٍ بتغيير شكل الاحتلال ليصبح كما قالت الكاتبة عميرة هاس احتلال سوبر ديلوكس بالتخلص من عبء الخدمات المدنية والعمل الأسود كالصحة والتعليم والنظافة والتفرغ للسيطرة على الأرض.
لم يكن الفلسطيني الحالم الذي ذهب محمّلًا بالنوايا الحسنة، مدركًا ما كان يخطط له الطرف الآخر الذي كانت نواياه شديدة الوضوح منذ أن رفض أهم قضيّة تمثّل جوهر الصراع بين الجانبين، وهي الأرض، رافضًا أي نص يلزمه بوقف الاستيطان، وهكذا وصلت السنوات الخمس المسقوف بها الاتفاق لنهايتها الطبيعية ليفتح على ما تتطلبه تلك النهاية من صدامٍ دموي كان يعبّر عن طبيعة النوايا وصدامها بين فائض الأحلام وفائض الدهاء.
كان أوسلو مجرد محاولة كشفت عمق الصراع واليأس من حله ليس فقط لاختلال موازين القوى باعتبار أن اتفاقيات التاريخ هي تعبير عنها وشعور الإسرائيلي بأنه يملك ما يجعله قادرًا على دفع خصمه للاستسلام، بل لأن البعد العقائدي حاضرٌ في مجتمعٍ تتداخل فيه القومية بالدين، ليصنع هذا الاستعصاء الشديد، ويستبعد تمامًا أي حل بالوسائل المعروفة لأدبيات التاريخ.
بعد ثلاثة عقودٍ على أوسلو تلاشت القوى الصانعة للسلام في الجانب الإسرائيلي، وتراجعت كثيرًا في الجانب الفلسطيني وصعدت للحكم قوى تعهدت لجمهورها بالقضاء على أوسلو، وهكذا كان للعوامل الداخلية والقومية العميقة أن تنتصر على المحاولات، فلم يسلم أي من الأطراف بجدية المحاولة، خاصةً أن الطرفين بعد التوقيع تباعدت بينهما المسافات أكثر؛ الفلسطيني دولة في كامل أراضي الـ 67 وعاصمتها القدس الشرقية، والإسرائيلي يريد استمرار السيطرة على الضفة الغربية والقدس.
بعد ثلاثة عقودٍ يتضح أن تلك المحاولة المشوهة أحدثت ما يكفي من الإنهاك للمجتمعين حد التشوه فالمجتمع الفلسطيني انقسم بقوة السلاح بين مجتمعين ومؤسستين وجغرافيتين وثقافتين، والمجتمع الإسرائيلي ينقسم الآن بين ثقافتين وهُويتين ومجتمعين تتباعد بينهما العوامل والقواسم المشتركة، كأن تلك المحاولة قضت بتحطيم المجتمعين كما قضت قبلها بإعدام الموقعين على الاتفاق وتجفيف أحزابهما حزب العمل وحركة فتح.
ينشغل المجتمعان الفلسطيني والإسرائيلي بترميم تشوهات داخلية أحدثها الاتفاق باختصار يمكن القول: إن أوسلو أحدثت زلزالًا، كانت هزاته تأخذ المنطقة نحو مساحات بعيدة، تاركًا ما يكفي من الركام، وإذا كانت إسرائيل، وهي تحطم اتفاق أوسلو، مأخوذةً بنشوة القوّة، فها هي تقف على مفترقٍ تجد نفسها تدفع كثيرًا من ممكنات تلك القوة على مذبح الصراع الداخلي الدائر بين هُويتين، واستقطاب حاد ينذر باتساع الانقسام بين مجتمعين متباعدين.
النقاش في الداخل الفلسطيني لم ينضج بعد حد تقديم قراءةٍ موضوعيةٍ للحدث، وما أحدثه من تحولاتٍ بقدر ما يبدو نقاشًا تربصيًّا على نمط نحن أجدر منكم لا يزيد فقط من حالة الصدع القائمة بقدر ما أنه لا يعالج تداعياته التي يقر بسلبية كثير من جوانبها؛ فالاتفاق كان يعني ببساطة بالنسبة لإسرائيل: إيجاد سلطة فلسطينية تحت الحكم الإسرائيلي، يتخلص فيها من تقديم الخدمات السكانية، ويحسن من موقعه، وما زال هذا مستمرًّا يشمل الضفة الغربية والقطاع الذي يتكفل خلالها الفلسطينيون بحكم أنفسهم وتقديم خدماتهم، ومن ثَمَّ لا معنى للنقاش خارج مسألة الحكم تحت الاحتلال، ووضعها على الطاولة، وهذا ما يبتعد عنه الفلسطينيون في الضفة وينتفي تمامًا في قطاع غزة، وحكم حركة حماس الذي يتكفّل الإسرائيلي بتقديم ما يلزم لإدامة الحكمين في الضفة وغزة من مقاصة في الضفة وأموال قطر ية لقطاع غزة.
تهرّب النقاش الفلسطيني من جوهر الأزمة يزيد من تعميقها، فالزمن يفعل فعله في ظل تكريس حالة تزيد من العبء السكاني تتزامن مع تقلّص في الموارد اللازمة لخدمته، وما يزيد الطين بلة تحكُّم الإسرائيلي بمعظم الموارد وإخضاعها لمعادلة المقايضة التي تفعل فعلها في تخفيض سقف الفلسطينيين لصالح الخدمات على حساب القضايا الوطنية وإدامة الاشتباك ليتحوّل من حالةٍ دائمةٍ ترفع كلفة الاحتلال لترغمه على التفاوض لإيجاد حلٍّ إلى حالةٍ متقطّعةٍ لا تشكّل ذلك العبء الدائم ما يفتح شهيته أكثر على استمرار السيطرة وتأبيد الوضع القائم.
النقاش لم يكتمل بعد، ويتجنّب الفلسطيني الدخول في العمق، لقد أحدث تحولات، وتلك التحولات كما كل تحولات التاريخ تحمل قدرًا من الإيجابية وقدرًا من السلبية، آن الأوان لقياس الميزان لمعرفة ما ينبغي فعله أمام واقع بدا أنه يغرق أكثر في البقاء تحت الاحتلال.

