Menu

أوسلو ما بين وهم الدولة وحقيقة المشروع الصهيوني

د. عصام حجاوي

نشر هذا المقال في العدد 54 من مجلة الهدف الإلكترونية

ثلاثون سنةً مرّتْ على اتفاقيات أوسلو، حيث من المتوقع أن تحظى هذه المناسبة بالتشريح والتقييم من قبل أقلام الكثير ممن يتفقوا من حيث المبدأ أن تلك الاتفاقيات قد ماتت ولم يتبقَ من الاتفاق أية آفاق للتحقق، حتى أن سلطتي الأمر الواقع في كل من رام الله و غزة تتفقان على ذلك أيضًا، إلا أن حقيقة موقف هاتين السلطتين يفضحهما تمسكهما بكل ما أوتوا من قوة بنتائج تلك الاتفاقيات على الأرض، فكيف يكون ذلك؟ وما أسبابه؟

قبل الخوض في محاولة الإجابة على ذلك من المهم التذكير بأن الذكرى الثلاثين لتوقيع اتفاقيات أوسلو تتزامن أيضًا مع ذكرى محطتين مركزيتين في التاريخ الفلسطيني على علاقةٍ وثيقةٍ بأسباب ومآلات أوسلو، أولهما ذكرى مذابح أيلول ١٩٧٠ في الأردن وذكرى مذابح صبرا وشاتيلا في أيلول سنة ١٩٨٢ في لبنان.  

فبعيدًا عن التقييم العاطفي لتلك المحطات التاريخية على أهمية ما تركته من آلام وجروح في الذاكرة الجمعية لشعبنا على مدار سنوات مواجهته للمشروع الصهيوني وتحالفاته الموضوعية عربيًّا ودوليًّا إلا أنه وعلى قاعدة الإيمان بأنه من المهم تفسير التاريخ، ولكن الأهم أن نعمل على الاستفادة من ذلك التاريخ لجهة استخلاص العبر والنتائج لرسم معالم المستقبل، لنضمن ليس فقط استمرار نضال شعبنا، ولكن من أجل حسم صراعنا بالانتصار على أعدائه بكل ارتباطاتهم العضوية بحكم المصالح المادية المشتركة التي تؤسّس لذلك التحالف. 

لقد دشّن شعبنا عمليًّا ما أطلق عليه الثورة الفلسطينية المعاصرة بعد معركة الكرامة في غور الأردن في آذار عام ١٩٦٨ بعد أقل من سنة على الهزيمة الفاضحة للأنظمة العربية في حزيران عام ١٩٦٨، ومنذ ذلك الحين وعبر محطات تاريخية مفصلية تم إخراج مقاتلي الثورة من الأردن بعد مجازر أيلول، ثم تكررت المأساة بعد ذلك بخروجها من لبنان بعد الغزو الصهيوني للبنان في حزيران سنة ١٩٨٢، فكيف وفي ظل المخزون النضالي الذي لا ينضب لشعبنا انتهينا إلى ما نحن فيه من توقيع اتفاقيات أوسلو ونتائجها التدميرية على الأرض ارتباطًا بالتاريخ المعاصر لنضال شعبنا في سياق بعض المحطات التاريخية المفصلية التي تم الإشارة لها أعلاه؟

إنّ الإجابة الموضوعية على تلك الأسئلة توجب الإقرار بحقيقة موضوعيه مفادها أن شعبنا وعلى مدار تاريخ صراعه مع المشروع الصهيوني كان ولا يزال يعاني من أزمته التاريخية المتمثلة بالتناقض الفاضح ما بين طبيعة وفكر وتوجهات قياداته السياسية المفروضة عليه بقوة الواقع الطبقي والمال السياسي من بين أسباب أخرى لا تقل أهمية، وما بين الاستعدادات النضالية للقوى الشعبية التي لها المصلحة الحقيقية في استمرار الثورة وصولًا لتحقيق أهدافها النهائية في القضاء على المشروع الصهيوني بكل أبعاده وتجلياته. 

وعليه، فإنّ أوسلو لم تكن محطّةً تاريخيّةً معزولة عن ذلك السياق التاريخي وعن مظاهر تلك الأزمة التاريخية، بل أتت تتويجًا مأساويًّا لحقائق مادية موضوعية يسعى البعض كما دائما لطمسها لإعاقة حل أزمة القيادة تلك، وإطالة أمدها خدمةً لمصالح تلك الفئات الاجتماعية التي كانت مصالحها الذاتية تتعارض وتصطدم مع المصالح الوطنية للأغلبية العظمى لشعبنا. 

إن أية قراءة ومراجعة تاريخية موضوعية ووطنية لمآلات الثورة الفلسطينية الكبرى ١٩٣٦-٣٩   تثبت بشكل قاطع، إن قيادات الإقطاع السياسي والديني في حينه من آل النشاشيبي وعبد الهادي والحسيني، كانت تتصارع فيما بينها ليس لاستمرار الثورة وقبر المشروع الصهيوني في مهده، بل كانت تتصارع لتحسين شروط استفادتها في إطار تحالفها الموضوعي مع الاحتلال البريطاني وأدواته من قوى المشروع الصهيوني بينما كانت أجساد المقاومين تعلق على أعواد المشانق في عكا ونساء فلسطين تبيع حليها لشراء بندقية انجليزية لاستمرار الثورة وقبر المشروع الصهيوني. وها نحن وفي واقعنا الراهن المتأتي مباشرة نتاجًا لاتفاقيات أوسلو اللعينة وكأننا نعيش في مرحلة لا تختلف سماتها عن مرحلة ثورة ٣٦-٣٩.

من المسلّم به بحكم وقائع التاريخ والحقائق الموضوعية أن إحدى ركائز الاستعمار القديم والحديث واستمراره كانت ولا تزال بخلق شريحة اجتماعية من بين صفوف الشعوب المستعمرة تتقاطع مصالحها الطبقية مع مصالح  الاستعمار وإن يكن حجم تلك المصالح لا يتعدى فتاتًا من موائد اللئام إلا أنها تستعد للانخراط بالتحالف مع المشروع مغطية عورتها بكل ما أوتيت من قوة سواء استنادًا لتاريخٍ نضالي كان هدفه تحسين شروط حصتها أو بقوة المال وحتى السلاح المشرع ضد أبناء شعبها وضد القوى الطبقية الجذرية التي ترى مصلحتها الوطنية بالقضاء على المشروع الاستعماري وإنجاز مشروعها الوطني بكل أبعاده.

ولم يكن ولن يكون المشروع الصهيوني بخصائصه الاستيطانية والاقتلاعية استثنائيًّا لتلك الركيزة، فحتى قبل نجاح تجسيد المشروع من خلال الإعلان عن قيام الكيان في أيار ١٩٤٨، جهد أصحاب المشروع في التهيئة لبناء تلك الشريحة التي ستكون مصالحها مرتبطةً بمصالح الكيان، حيث استمرت تلك الجهود وصولًا لترسيخها ماديًّا بشكلٍ متقدّم من خلال اتفاقيات أوسلو. 

إنّ أوسلو في جوهره، وإن كان يقوم على نفي كل الحقوق الوطنية التاريخية لشعبنا في وطنه من الجليل حتى النقب إلا أن إحدى أدواته كانت ولا تزال تتجسد بتبلور تلك الشريحة التي تربط مصالحها مع المشروع الصهيوني رغم كل الصراخ الإعلامي الديماغوجي المتهالك لتلك الشريحة، سواء كان ذلك الخطاب ملتفًّا بعباءة الوطنية أو بعباءة الدين السياسي.

فعودًا على بدء في موضوع الأزمة التاريخية في التناقض ما بين الاستعدادات النضالية والإيمان الذي لا يتزعزع بحقوقنا الوطنية في التحرير والعودة وتقرير المصير على تراب فلسطين التاريخية، وما بين تلك الفئة التي اغتصبت ولا تزال مشروعية رسمية بتمثيل شعبنا، يجب والضروري التصدي لحل تلك الأزمة في سياق أي مشروع جدي لاقتلاع المشروع الصهيوني وإلحاق الهزيمة الاستراتيجية به وبأدواته وهذا ما يؤمل أن يكون قد أسس له أولئك الطليعة من شعبنا في المرحلة النضالي الجديدة والمستمرة منذ عام ٢٠١٦ـ التي من الضروري ليس فقط تأمين مقومات استمراريتها وتمددها، إنما أيضًا تأمين الحماية السياسية لها من خلال استكمال بناء الجبهة الوطنية الديمقراطية على أساس الإيمان بمشروعية تدمير الكيان ومشروعه الصهيوني.

إنّ وطنية أبناء شعبنا وانتماءهم أفرادًا ومؤسّساتٍ وأطرًا سياسيّةً واجتماعية، يجب أن يعاد تقييمها على أساس مدى اقترابها أو ابتعادها الفعلي أيديولوجيًّا وعملاتيًّا من الحقائق سالفة الذكر، وفي سياق المواجهة الفعلية لأوسلو ونتائجها المدمرة على الأرض، خاصةً في ظلّ وضوح طبيعة المشروع الصهيوني وحقيقته في شكله وجوهره الراهن المتمثل بطرح فاشي متأصل بأن الخيارات المتاحة لشعبنا في سياق ذلك المشروع محددة، إما بالقتل أو التهجير أو العيش عبيدًا بلا حقوق في ظل المشروع الصهيوني، ومن ثَمَّ فإنّ أوهام دولة أوسلو لا وجود لها إلا في أذهان الذين ما زالوا يدفنون رؤوسهم في رمال الحقائق القائمة على الأرض والمنسجمة مع التاريخ إخلاصًا لبعض فتات المصالح التي يؤمنها التحاقهم بالمشروع الصهيوني وحقيقته، التي لم تكن أصلًا خافيةً أو مستترةً منذ ولادته، فكيف تستقيم أوهام أوسلو ممن ما زالوا يؤمنون بإمكانية التعايش مع ذلك المشروع في ظل هذه الحقائق؟

إنّه سؤالٌ برسم الذين ما زالوا قابضين على الجمر ومتمسكين بالإيمان الذي لا يتزعزع بأن هزيمة المشروع الصهيوني ليست فقط مهمةً وطنيةً لانتزاع حقوقنا الوطنية الثابتة، إنما هي أيضًا إمكانية واقعية في متناول اليد، ولكن ليس قبل تأمين مقومات الانتصار، وفي المقدمة منها حل الأزمة التاريخية لموضوع القيادة السياسية لشعبنا بما ينسجم ويخدم مشروعنا الوطني التحرري.