Menu

عهد الصبيان

نطاح الكباش في دولة الأوباش (الحلقة السابعة)

كميل أبو حنيش

مركز حنظلة للأسرى والمحررين - بوّابة الهدف الإخباريّة

لعل أبرز ما يمُيز السياسة "الاسرائيلية" في العقد الأخير دخولها في مرحلة "الصبيانية السياسية" من حيث الشكل والمضمون.
وقد عَبّر عن هذه الحالة دخول عدد من القادة الشباب إلى الحياة السياسية، وتولي معظمهم مهام حيوية في الحكومة، وجزء من هؤلاء الشباب "الصبيان" جاءوا من اليمين وتحديداً من الصهيونية الدينية وتياراتها المختلفة ابتداءً من بالثنائي نفتالي بينيت وإيليت شاكيد، ومن ثم بتسلايل سموتريتش وبن غفير وسيمحا روتمان، ومن داخل حزب الليكود برز كلاً من: جلعاد أردان ويريف ليفين وميري ريفيف وتالي غوتليب. وكذلك بعض من القادة غير الشباب الذين اتسم سلوكهم بالصبيانية مثل: ديفيد بيطان، ديفيد امسالم، إضافةً إلى قادة آخرين من الأحزاب الآخرين ومن خارج النخبة السياسية كحالة نجل رئيس الحكومة يائير نتنياهو.

والصبيانية في السياسة ليست مجرد قادة في عمر الشباب، وإنما السلوك المنطوي على الرعونة والسطحية والوقاحة والتعالي على رموز الدولة ومؤسساتها، وحب البروز الإعلامي والتصريحات الاستعراضية والشعبوية وضحالة التجربة وفقدان الاتزان والحماقة وتبديد الانجازات.

ولا يتسم هذا التَحوّل بتجديد الدماء في الحياة السياسية "الإسرائيلية"، وتطعيمها بالحيوية والتدفق، بقدر ما ينطوي على صبيانية في الشعار والخطاب والسلوك والممارسة السياسية. ويتسم عهد الصبيان الذين باتوا يحتلون حيزاً مهماً في المشهد السياسي "الاسرائيلي"، أنهم أولاً مندفعون ومنفلتون من عقالهم، تقودهم طموحات ذاتية أكبر من أعمارهم وتجاربهم، محاولين تقليد دور المؤسسين الكبار في التاريخ "الاسرائيلي" كبن غوريون وبيغين وشارون، وثانياً: يتسم خطابهم وتصريحاتهم بالضحالة والشعبوية والتطرف والردح السياسي، وثالثاً: انقيادهم الأعمى لنتنياهو رغم محاولات بعضهم التمرد عليه، كما حدث مع بينيت وشاكيد، وما يجري مع بن غفير، ورابعاً: سلوك العربدة والرعونة وعدم التمتع باللياقة وآداب الحديث في الاجتماعات وأمام الإعلام، وخامساً: أنهم يُعبّرون عن حالة التردي وانحطاط الحياة الحزبية والسياسية في "اسرائيل" إذ ينظر العالم إليهم بنوعٍ من الاشمئزاز ويرى فيهم مجرد أولاد غير جديرين بتحمل المسؤولية.

لقد دشن نتنياهو عهد "الصبيانية السياسية" لغاياتٍ سياسية ولإحكام قبضته على الحزب، رافعاً من شأن الشبان داخل الحزب كي يظل يتحكم بهم وبمستقبلهم السياسي، كما وغض الطرف عن تصريحات ابنه يائير، على وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت تسيئ لقادة في الحزب وفي المعارضة، وكذلك لبعض من رموز الدولة كالجيش والقضاء.

كما شجع نتنياهو بروز الشباب "الصبيان" من داخل معسكر اليمين على شاكلة نفتالي بينيت الذي يفتقد للكفاءة بينما يتمتع بطموح ذاتي للوصول إلى منصب رئاسة الحكومة. ولم يكن بمقدوره الوصول إلى هذا الموقع إلا بعد انقلابه على نتنياهو، وحقق أمنية لمدة عام ولم يلبث أن اعتزل السياسة. أما شريكته إيليت شاكيد التي تولت عدة وزارات في الحكومات السابقة، فقد اتسم سلوكها بعدم الاتزان، ولم تحصل على أي مقعد في الانتخابات الأخيرة، وغابت عن المشهد وكأنها لم تكن.

أما سموتريتش وبن غفير اللذين ينتميان إلى الصهيونية الدينية ويُعبّران عن مواقف فاشية، تبعث على الاشمئزاز حيث تحاول الطبقة السياسية "الاسرائيلية" إقصاؤهما ولكن دون جدوى، بعد أن استعصم بهما نتنياهو ليفوز بتشكيل الحكومة. فبن غفير الذي يقود حزب "عوتسماة يهوديت" والذي يُعبّر تعبيراً صريحاً عن الفاشية اليهودية، أحدث دخوله إلى الكنيست وتوليه وزارة الأمن الداخلي ردود فعلٍ غاضبة في "اسرائيل" وفي العالم، حيث تثير تصريحاته ومواقفه العنصرية استنكاراً واسعاً، كما أن طريقة إدارته لوزارته تُعبّر عن ضحالة تجربة وروح انتقامية، محاولاً إسقاط مواقفه الأيديولوجية على السياسة في إدارته للوزارة. فقد وصف المتظاهرين المحتجين على خطة الإصلاح القضائي بالفوضويين والمخربين، ويحاول فرض شروط حياتية قاسية وغير إنسانية على الأسرى الفلسطينيين في السجون "الاسرائيلية" (الخبز، الماء الساخن، الكانتين، العلاج الطبي، الزيارات العائلية...الخ) كما دأب على مهاجمة رموز الدولة ( رئيسة محكمة العدل العليا، المستشارة القضائية للحكومة...) بصورةٍ فظة غير لائقة أو مألوفة في الحياة السياسية، فضلاً عن تصريحاته ولقاءاته الإعلامية الاستفزازية، وتصادمه الدائم مع مؤسسات الدولية.

أما سموترتيش الذي يتولى وزارة المالية، وأيضاً منصب وزير في وزارة "الدفاع"، فهو الآخر، يحاول إسقاط قناعاته المسيحاتية على السياسة. إذ يقود وزارة المالية بسياساتٍ غامضة بعثت على قلق وسخرية الخبراء الاقتصاديين، أما دعوته لمحور حوارة من الوجود، فقد أثارت عاصفة من الاستنكارات العالمية وحتى "الاسرائيلية"، كما وتثير سياساته في دعم فتية التلال وتشجيع الاستيطان من دون إذن الحكومة، عدداً من التناقضات والإشكاليات داخل الحكومة، ومع الإدارة الأمريكية.

والصبيانية السياسية تثير حالة من القلق والفزع في "اسرائيل"، حيث يتولى هؤلاء "الصبيان" مفاصل ومواقع مهمة في الدولة. وقد تميز سلوك الصبيان بقلة المسؤولية بل وانعدامها في ضوء الإصرار على إقرار خطة الإصلاح القضائية، وتحديهم للشارع، من دون أن يحفلوا بحجم التَصدّعات الداخلية، ولا بالكارثة التي ينبه إليها القادة والخبراء.

وقد وُصف سلوكهم بالمراهقة السياسية. فالسخرية بالمواقف الدولية والاستهانة بتفاقم الأزمة الداخلية، وتحديهم للدولة ومؤسساتها يُعبّر عن مراهقة. كما أنهم مهووسون في الظهور أمام وسائل الإعلام، والتعليق على مواقع التواصل، ومغامرون في اتخاذ قرارات قد تؤدي إلى حروبٍ وكوارث، وتؤثر في العلاقات الخارجية، لا سيما في العلاقة مع الولايات المتحدة والدول العربية المُطبّعة مع "اسرائيل". علاوةً على جلافة وبذاءة تصريحاتهم الإعلامية ( مهاجمة قادة الجيش والإساءة للمتظاهرين ووصفهم بالفوضويين والمرتزقة، الإساءة لزعماء المعارضة، الدعوة للإطاحة برئيسة المحكمة العليا والمستشارة القضائية للحكومة...الخ).
ويُعبّر عهد الصبيان عن حالة الانحطاط في الحياة السياسية "الاسرائيلية" حيث ادت إلى بروز حالة من الاشمئزاز والتوتر والاستفزاز لدى قطاعات واسعة في المجتمع الصهيوني الذي لم تألف هذا الشكل المبتذل في الخطاب وفي الممارسة السياسية، بعد أن اعتاد الإصغاء إلى نقاشاتٍ حادة ومسؤولة ومتوازنة حتى وإن بدت حادة. وثمة قلق حقيقي من تدهور ما يُسمى "الديمقراطية الإسرائيلية" وتآكلها. وإن الصبيان قد يقودون الدولة إلى حروبٍ وكوارث سياسية واقتصادية فقد أدت تحرشات بن غفير في الشيخ جراح إلى اندلاع حرب عام 2021، وقد أدت سياساته ضد الأسرى الفلسطينيين إلى تدهور الأوضاع الأمنية في الضفة، وحرب مع غزة كما يجري الآن، كما حذر قادة أمنيون وعسكريون. وقد تؤدي سياساته سمويترتش المالية إلى أزمةٍ اقتصادية، وسياساته الداعمة للاستيطان إلى إشعال انتفاضة في الضفة. وقد يؤدي إصرار يريف ليفين وسيمحا روتمان، على المضي قدماً في خطة الإصلاح القضائية إلى اندلاع مواجهات داخلية وإلى عنف أهلي، وإلى المزيد من التَصدّعات داخل المجتمع الصهيوني. أما أمير اوحنا رئيس الكنيست الذي صرح بأنه لن يلتزم إذا ما قرر القضاء إلغاء بعض القوانين التي أقرها الكنيست مؤخراً، فإنه يقد يقود إلى أزمةٍ سياسية ودستورية في الدولة.

وبالرغم من الانزعاج الظاهر لنتنياهو من سلوك الصبيان إلا أنه المستفيد الاول من هذه الظاهرة في بقائه السياسي. وهو الوحيد القادر على لجم رعونتهم عند الضرورة.

لكن الصبيانية السياسية لا تقتصر على ظاهرة صبيان السياسة الذين جرى ذكرهم. وإنما تمتد إلى أكثر من مكان. فقد شهدت حكومة بينيت لبيد حالة من المسلكيات الصبيانية، تركت تأثيراتها الصادمة في العالم، وخاصة في ملف الحرب الروسية - الأوكرانية، وكذلك في العلاقة مع الدول الكبرى في العام. أما حكومة نتنياهو الحالية، فإنها باتت تبعث على السخرية والاستهجان والتقزز من قبل الطبقة السياسية "الاسرائيلية"، وكذلك العديد من الدول في العالم الذين يرفضون التعاطي مع الحكومة الحالية، ويرفضون بالمطلق إجراء لقاءات أو استقبالات لوزراء على شاكلة بن غفير وسمويترتش ويريف ليفين وغيرهم.