لا تستطع النوم كأنك لو فعلتها وغفوت لخذلتهم، إذ الأطفال قاتلوا فعلًا عندما تمسكوا بمصروفهم اليومي، وقطعة الخبز بين الأصابع الصغيرة تُقاتل قنبلة تزن حد أدنى 80 طن من المتفجرات، هو سيناريو الموت يُكتب تحت الركام، والغبار يملئ وجه الأطفال، أما الأنظمة العربية تفرش سجادها لتدوس عليه الأقدام الملطخة بالدم حتى الثمالة، ولكن هنا يبقى السؤال:" ماذا لو عاد هؤلاء الأطفال من الموت، عن ماذا سيتحدثون فيمَا يخص تلك الليلة؟"، من المؤكد أنهم سيبحثون عن ألعابهم، وعن الدمية، وأكثر عن القطة الصغيرة التي لم تجد رشفة ماء هي الأخرى.
ذهب هؤلاء الأطفال ليقولوا إلى الله كل شيء دفعة واحدة، إذ هم الأكثر صدق في عفويتهم لقول الحقيقة، تلك الحقيقة عن فرسان المعلقة¹ الذين يُكشفون عن أنيابهم، ويستخدمون وينتهكون كل ما هو محرم لأنهم منذ اللحظة الأولى التي وجدوا فيها على أرض فلسطين كانوا حرامًا، إذ هم اليوم أكثر فرحًا من قبل حيث استعادوا دورهم الحقيقي عندما كانوا يطرحون المرأة الحامل ومن ثم يشقون بطنها ويقتلون الجنين الذي بداخله، فقد قال فيهم الشاعر العراقي مظفر النواب قديمًا:" طرحوا الحامل أرضا سحبوا رحما فيها في الليل فدائي.. أسمعتم عرب الصمت… أسمعتم عرب اللعنة… لقد وصل الحقد إلى الأرحام"، إذ أنهم اليوم يُشهرون سكينهم والشهداء بالدم يكتبون الأسماء رفح، خانيونس، وَسَط غزة، مستشفى المعمداني...
أمام المشفى وعلى البلاط جلس الأبُّ على ركبتيه يشهق، إذ أمامه كان طفلًا ممد وما زال بيجامته الصغيرة المرسوم عليها زهرات جميلة باللون الأحمر، والأصفر، والأزرق، ولكن يملؤها غبار الحرب، كان الطفل مغمض العينين كأنه نائم، لربما كان يحلم لربما!، ويبقى السؤال لماذا قام الأبُّ بإزاله الغطاء عن جسد الطفل لربما يمرض في هذا الجو القارص؟
كان على هذا الأبُ ألا يبكي، حيث هناك من هم في غزة يحملون صندوق الرَّصاص ويتوجهون مباشرة إلى المشكلة الأساسية، إن الرَّصاص هنا لا يكذب أبدًا، حيث هو خِيار المظلومين والمضطهدين، إذ إن الثأر هو أسمنت الطريق، والثأر يصلح أن يكون هدفًا للحياة في فلسطين حيث هم أحفاد الحُسين _ عليه السلام_.
يسأل محمود درويش في قصيدته مديح الظل العالي:" يبذل الرؤساء جهدًا عند أمريكا لتُفْرِجَ عن مياه الشربِ
كيف سنغسل الموتى؟"، لم يكن درويش يعلم أن القنابل التي سقطت على مستشفى المعمداني في غزة جعلت من الموتى أشلاء، إذ هناك أبُّ جمع أشلاء أطفاله داخل كيس أزرق صغير، وأكثر هناك طفلًا وضع أشلاء شقيقه داخل حقيبة المدرسة.
لم يكن يعلم درويش أيضًا أنهم يستشهدون ويدفنون في قبرًا جماعي، إذ غدًا لن تجد الأم الثكلى التي ربما قد صادفها الحظ ولم تستشهد لتقرأ سورة الفاتحة على قبر فلذة كبدها، تلك قصة ألم ووجع تُكتب بالدم، إذ تجلس الأم على القبر تُحاول أن تغرس وردة، ولكن سوف تتردد أين وفي أي زاوية، هنا حتمًا سوف يقودها إحساسها وقلبها إلى طفلها، إذ هي الأكثر دراية لمعرفة حصتها في قطع اللحم، وأكثر من ذلك لم يعلم درويش أن الأكفان البيضاء قد نفذ مخزونها ليلة جريمة مستشفى المعمداني وهناك عائلة واحدة قد تم وضعها جميعها في كفن واحد.
كان على درويش أن يسأل كيف سنغسل الدَّم الذي يملؤو الطرقات وممرات وحديقة مستشفى المعمداني، ولكن الإجابة لدى المقاومة وهي الثأر… الثأر كأنه تعويذة فلسطينية، حيث الشعب الفلسطيني منذ 75 عامًا يشعر بالظمأ للحرية، أما فيمَا يخص استجابة أمريكا التي هي الطاعون والطاعون أمريكا كما قال درويش، وأكثر أنها رأس الحية كما وصفها جورج حبش ، وأكثر كما وصفها الشهيد قاسم سليماني بالمستكبر لنجعل كلمات درويش تقودنا إلى الحقيقة، إذ قال درويش:" ويسأل صاحبي: وإذا استجابت _أمريكا_ للضغوطِ فهل سيفر موتنا عن: دولةٍ، أَم خيمةٍ؟ قلتُ: انتظرْ! لا فرق بين الرايتينْ قلت: انتظر حتى تصب الطائراتُ جحيمها!"، نعم هو جحم الطائرات الذي لم يتوقف ولن يتوقف أبدًا إلا عندما تقطع المقاومة رؤوس الأفعى، وبعد ذلك يبكي الشعب فرحًا، هذا الفرح الذي في سبيله يُقاتل ويُقدم الجسد في سبيل الحفاظ على الوطن.
ليلة الجريمة مستشفى المعمداني كان النوم بمنزلة خيانة لدى الشعب الفلسطيني، إذ كلما وضعت رأسك على الوسادة شيء ما يجعلك تبكي، ولن أُبالغ إذا قلت إن معظم الشعب الفلسطيني لم يغف تلك الليلة، حيث الجميع كان يشعر بوخزة في الصدر، والأفكار تفوق قدرة العقل على مدارتها كالعادة، فقط كان الحدث يُربي بداخل هذا الشعب حقدًا كبيرًا، لربما سمع الشعب عن مجازر أرتكبها الاحتلال قديمًا، ولكن مشهد مستشفى المعمداني الذي جاء بكل شيء دفعة واحدة… دفعة واحدة كانت تكفي ليعلم الحقيقة دون أي تشويه.
بعد مجزرة مستشفى المعمداني التي أرتكبها الاحتلال وجدت خطابًا قديمًا ومهماً جدًا لسماحة السيد حسن نصر الله يقول فيه: "تعطونا الأمان وشعب فلسطين لا أمان له، أطفال فلسطين لا أمان لهم، ومجاهدو فلسطين لا أمان لهم، القدس لا أمان لها، المسجد الأقصى لا أمان له، أتعطونا الأمان وهؤلاء المظلومون المضطهدون لا أمان لهم، أسمع إيها المستكبر لعنك الله ولعن أمانك"، وفي سياق منفصل يقول الأمام الحسين _ عليه السلام_: "أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا أستعبر"، وبالفعل كان وما زال سيدنا الحسين _عليه السلام_ هو العبرة في التاريخ بالنسبة للمسلمين، وعليه يثق الشعب الفلسطيني أن خطأ التاريخ لن يتكرر مرة أخرى بالفاجعة العظيمة بمقتل الحُسين، وأكثر أن الحُسين الفلسطيني لن يبقى وحده.
من زاوية أخرى رفض كنعان ابن سيدنا نوح أن يصعد إلى السفينة عندما عم الطوفان، إذ قال لهً سيدنا نوح: " أركب معنى ولا تكن من الكافرين"، وما أشبه اليوم بأمس حيث من هم هناك يرفضون الركوب على متن سفينة المقاومة ومنهم السلطة الفلسطينية في رام الله، إذ يقول لهم الشعب اليوم: " لا تركبوا معنى وكونوا مع المجرمين وشركاء في دمنَا"، ولكن على الرغْم من ذلك حال لسان الشعب الفلسطيني يقول: "سفينة المقاومة لن ترحل كما سفينة نوح، إذ ستبقى في فلسطين، وسيبقى من ينجو من عليها صامدًا في الأرض، حيث أننا لن نرحل، حتى لو كانت النهاية هي الموت، ويقول أيضًا الشعب الفلسطيني لقبطان هذه السفينة اليوم ما قاله الشاعر الفلسطيني "محمود درويش" سابقاً:
يا نوح
لا ترحل بنا
إن الممات هنا سلامة
إنّا جذور لا تعيش بغير أرض
ولتكن أرضي قيامه.
_____
¹. فرسان المعلقة: تم ذكرهم في كتاب جان جاك روسو الاعترافات، كان هؤلاء الفرسان الكاثوليك من رعايا " دوق سافوري" وكانوا يؤلفون عصبة في جنيف في عهد الإصلاح وقد أطلق عليهم لقب "فرسان المعلقة" لأنهم كانوا يفخرون بأنهم "أكلوا اعدائهم بالمعلقة"، ومن ثم كانوا يحملون ملحفة مدلاة من أِشرطة حول أعنقاهم، وكانوا يرأسهم فارس من آل "دي بونفير".

