Menu

الشهيد مهدي أبو عياش: بالادين¹ الصغير

على العتبات العتيقة للذكريات المثقلة على الروح التي تزحف في الظلمة داخل نفق يسعى هذا العالم إلى تدميره للأبد تأتي "طوفان الأقصى" لتقول: " إن الشجاعة وحدها عند مواجهة سؤال الهزيمة لا تكفي، إذ المطلوب أكثر هو حد السيف"، حيث الاحتلال ينصب الموت كما ينصب الصياد الفخ للطريدة، فمنذ عشرات السنين يقوم الاحتلال بسحق الإنسانية، ويقول: "أنا أقتل إذاً أنا موجود"، ولا يكتفي بذلك، بل يقوم بتعبئة الإنسانية داخل فوهات البنادق ويُطلقها على جسد طفل عند أول قارعة الطريق.

 هذا الطفل لربما كان ذاهباً في ذلك اليوم لقطف وردة لأمه، ولكن الأخير لم يكن يعلم أن الاحلام هي الأخرى لها قُطاع طرق ينهبوها عبر الموت، ولم تكن أيضاً ابتسامات هذا الطفل المرسومة بفرشاة السماء على الوجه تعلم هي الأخرى أن الاحتلال يطلق الموت عليه ليحيا هو، ولكن لا تمنح الرصاصة الوقت لهذا الطفل لإدراك ذلك، إذ الصدمة تقوم بامتصاص خيبته الأولى والأخيرة، ولن يَعيَ بعد ذلك معنى الوجود، حيث تكون الرصاصة قد اخترقت الدماغ، وأصبح الضجيج الصادر فوقه يقول: " مركبة.. مركبة.. شهيد.. شهيد"، إن هذا الطفل الذي أتحدث عنهُ هو شقيقي "مهدي أبو عياش"، أكتب عنه بعد 14 عاماً على مكالمة شقيقي الأكبر في اليوم الثاني عشر من تشرين الثاني/أكتوبر 2009، إذ أتصل شقيقي عند الساعة الخامسة صباحاً وقال لوالدي:" مهدي استشهد يابا".

بدأت الحكاية عندما أطلق جندي صهيوني رصاصة واحدة على رأس شقيقي لتستقر في الدماغ كان ذلك في 4 آذار/ مارس 2009، ليمكث بعدها 7 شهور وثمانية أيام في غيبوبة مستمرة لم نستطع خلالها منع الموت من سرقة شقيقي عن صدر والداتي التي قالت وهي تصرخ بمليء حنجرتها عندما أدركت أن الموت بات أقرب من أي وقت مضى لطفلها: " أبني.. يما الله يرضى عليك.. والله اسعان صغير على الموت.. هاتوا لحضني برجع بعيش"، إذ قالت أمي تلك الكلمات عندما قال لها والداي: "مهدي تصاوب رصاصة في الراس والرصاصة حي وعنده نزيف ودخل على العمليات".

 ما زالت هذه الصرخة يُسمع صداها في فلسطين حتى اليوم، حيث في غزة ارتقت الشهيدة الطفلة "لونا" بسبب قصف الاحتلال بعد عملية "طوفان الأقصى" وجلست والدتها على الأرض تقول: " لونا يا لونا.. عروسة يما.. حطها على صدري.. حطي قلبك على قلبي يما بحس فيكي"، وصرخت بعد ذلك وهي تلوح بيديها قائلة: " بروح معها.. بروح معها"، إن الصراخ هنا هو الشيء الوحيد الذي تمكنت من خلاله في هذه اللحظة القاتلة لتفريغ لو جزء بسيط من الألم.

إذاً هي متعة عقاب الأخرين، بل هي حياة الاحتلال التي يرصفها على أجساد أطفال تُنشد دائماً: " الحرية.. الحرية.. كأنها تعويذة فلسطينية"، إن هذا الاحتلال يُشيد الموت في كل زقاق، والقانون الدولي يقوم العالم بوضع قطعة قماش على عينيه، وهو الآن يقبع في السجن، ويتبول في الجردل، ويرتدي ثياب الإعدام، مستعداً للصعود إلى المقصلة التي تم بنائها على أرض تحوي برميل نفط، ولكن هذا القانون قرر الصمت المقدس خوفاً من الحبل الذي ينتظر رقبته، والكرسي يجلس بأقدامه الأربعة على الخشبات يُقاتل ملل انتظار الإزاحة، إذاً القانون لن ينطق الحقيقة، أنه جبان، بل على العكس قرر أن يُمارس الكذب، وأكثر أن يُجيز القتل بحق أطفال فلسطين، ويبرر القتل القائم منذ 75 عاماً بحق الشعب الفلسطيني عندما جاءت العصابات الصهيونية وقامت بشق بطون النساء وقتلت الأجنة، وهذا ما يثبت أن القانون الدولي هو شريك في الجريمة.

بالعودة إلى الرصاصة التي اخترقت دماغ شقيقي ما زال ألم تلك الليلة فذ وسباق لكل ذكرى أخرى، وما زال سؤال والداتي في اليوم التالي للإصابة عندما سمح لها الأطباء بزيارة طفلها داخل غرفة العناية المكثفة بلا إجابة، بل يضرب بسكينه قشور العقل، إذ وقفت أمي بجانب جسد شقيقي وقامت بتقبيل قدمه وسألت: " شو اللي رماك هالرميه يما!".

لا فكاك إذاً أُستشهد شقيقي، وما زلت أتذكر ضجيج الصراخ الممزوج بزغاريد النسوة عندما قاموا بإدخال جثمانه إلى البيت، واليوم وأنا أكتب هذه الكلمات وأحاور ما جرى ذلك اليوم تذكرت "مناحيم بيغين²" عندما وقف على منصة الكنيست "الإسرائيلي" يقول: " من حق أطفالنا العيش، سنقوم بقطع اليد التي تمتد عليهم"، وهنا يستحق أطفال غزة العيش كما باقي الأطفال، وأيضاً يستحق شقيقي مهدي أن يعيش ليخوض غمار الحياة باحثاً تحت جلدتها السميكة عن المستقبل، ولكن أنه الحرمان من الحرية، إذ كانت ثانية واحدة وجهاً لوجه مع الرصاصة تكفي لقطف الفرح المرسوم على وجهه.

لم يكن نعش شقيقي ثقيل، إذ إنه نعش بالادين الصغير المحارب بالحجارة، ولم يكن الكفن يمنع رؤية السماء، وكان أبي تكفيه نظرة واحدة.. نظرة واحدة ذلك اليوم على أمي وهي تصرخ فوق جسد شقيقي عندما كانت تقوم بتوديعه ليقول: " 17 عاماً وأنا أقوم بتربيته ليأتي جندي صهيوني حاقد ويقوم بقتله في وطن ليس له"، إذ إن أبي كان داخل مركبة الإسعاف التي قامت بإنقاذ شقيقي عندما هدد الجنود باختطاف جثمانه، وأيضاً داخل مركبة الإسعاف كان أبي يُقاتل مع المسعف لإيقاف الدم المتدفق من رأس شقيقي عبر الضغط على الجرح، وأكثر قام بتمزيق ملابسه لإغلاق مكان الرصاصة التي اخترقت مقدمة الرأس، ولكن كانت تلك الرصاصة تحمل معها حقداً أسود وتتكئ على الدماغ مبتسمه لعصفور كان أسمه الحياة، وأكثر لم تكن تمنح شقيقي نفساً صغيراً في حوار الشهادة.

كان يوم تشييع جثمان شقيقي يوماً من فلسطين وإلى فلسطين، هتف فيه الشبان " يا مهدي يا ابن عمي دمك مخلوط بدمي"، وجسد شقيقي يُغطيه علم فلسطين والأخير كان يشعر بأن هذا وطنه، ورغم قنابل الغاز وإطلاق الرصاص الحي من قبل جنود الاحتلال صوب الجماهير المشاركة في التشييع تم دفن شقيقي، وما زلت أتذكر الجنود وهم يطلقون قنابل الغاز بالقرب من المشيعين وهم يقومون بوضع جسد شقيقي داخل القبر، واليوم يعد 14 عاماً على هذه الذكريات يمكن القول: " إن أعماق الأرض داخل القبر ليست معتمة إذا كان الأموات يبقون الأحياء أحراراً".

_____

¹.بالادين: في الفلسفة اليونانية يعني رمز للبطل الذي يُدافع عن الحق، ويدفع الجور عن المظلومين.

². مناحيم بيغن:‏ (16 أغسطس 1913 - 9 مارس 1992) كان عضو مؤسس لمنظمة الأرغون، مؤسس حزب الحيروت، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق كعضو عن الليكود. ولد يمدينة بريست لتوفيسك - روسيا البيضاء ودرس فيها حتى أنهى المرحلة الثانوية ومن ثمة سافر إلى بولندا في عام 1938 حيث جامعة "وارسو" لدراسة القانون، ويُعرف بيغن على العمل الصهيوني من خلال منظمة "بيتار" اليهودية البولندية التي ترأسها في عام 1939. حصل على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات.

 

لصسل.jpg
 

*صورة أمي في وادع شقيقي مهدي أبو عياش