هياكل عظمية، أطفالٌ يصرخون، وصدور أمهات تدفُق بالخذلان؛ مشهدٌ كارثي يربط بين أبسط مقومات الحياة، "رغيف خبز"، وبين قضايا كبرى يلعب بها الاستعمار ألعاب تجويع سياسي، تُضيف على السطح الصفة الأكثر همجية للمستعمِر: قتل كرامة الحياة المنسوبة إلى لقمة العيش. ربما التفاوت الساحق هنا بين كيف ترى نفسك جزءاً من المعركة وأنت عاجز تماماً، وبين كيف تفكر بما يحدث بطريقة علمية وعقلانية، تقرأ فيها ما خلف السطور كي لا تُصاب بالجنون.
أمام البطون الخاوية لا موقف سياسي واضح، وحين يبدأ الجسد بالتهام نفسه تهتز المبادئ. لكن، حينما ينهش الجوع أجساد الصغار، أبناءك، تلوك الاتفاقيات والمفاوضات والنوايا، ما ظهر منها وما خفي، وتبصقها دفعة واحدة على مائدة البقاء. فهل يتجرد الجوع من معناه اللفظي ليدخل الاصطلاحي؟ وكيف سيكون الغزي بعد هذا؟
إن الحرب المستمرة على القطاع، منذ ما يقارب العامين، لم يكن هدفها إنهاء المقاومة فقط، بل تعميق الرؤية الاستراتيجية نحو إعادة تشكيل العقلية الغزية: تفكيك علاقة الغزي بمفردات التصقت به منذ النكبة "المقاومة، الصمود، المواجهة"، وتحويل الأسئلة من "لماذا يحدث هذا؟" إلى "من أوصلنا إلى هنا؟". هي عملية تفكيك وإرجاع القيم إلى الحاجات الفيسيولوجية الأولى، وفقاً لهرم ماسلو للاحتياجات، حيث يصبح الطعام، ثم الأمن، الغاية القصوى، على حساب الانتماء والمقاومة والتحقيق الذاتي. هكذا يتم نقل الغزي من موقع الفاعل إلى موقع المتلقي، ومن موقع المقاتل إلى موقع الجائع السائل.
هنا تُصبح المجاعة أداة لتفكيك البُنى الداخلية، فتتحول المقاومة من فعل جمعي إلى عبء شخصي. وهذا ما تترجمه بعض مشاهد الاقتتال الداخلي، والتحايل، والفتن الاجتماعية بين فئات الغزيين. إنها ليست حرب تجويعٍ فقط، بل حرب وعي ونسيج اجتماعي.
لم تكن التجربة الغزية استثناءً، بل تأتي ضمن سلسلة ممتدة من استخدام التجويع كأداة استعمارية:
1. التجويع المنهجي في غزة: في عام 2012، نُشرت معلومات بناءً على تسريبات لوثائق إسرائيلية من عام 2008، تتعلق بتقديرات احتياجات غزة من المواد الغذائية. الوثائق التي تم تسريبها تشير إلى أنه، في إطار الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، كانت هناك توصية بتوفير الحد الأدنى من الغذاء لضمان بقاء السكان أحياء، لكن دون تجاوز ذلك لتجنّب أية مساعدة إضافية يمكن أن تؤدي إلى تحسّن في الحياة المعيشية أو زيادة في السكان. (The Guardian)
2. تدمير ممنهج للبنية الغذائية: عبر قصف الأراضي الزراعية وتقييد الصيد إلى مساحات ضيقة، تم تحويل قطاع غزة من بيئة منتجة إلى منطقة تعتمد على المعونات. هذا التدمير أدى إلى تفكيك الاعتماد الذاتي، وخلق تبعية غذائية تمثل أداة إضافية للضغط على السكان. (UN OCHA)
3. نموذج مجاعة البنغال (1943): استُخدم التجويع كسلاح من قبل الاستعمار البريطاني في الهند. خلال الحرب العالمية الثانية، حوّلت بريطانيا موارد الغذاء إلى جبهات الحرب، وتعمّدت تجاهل الحاجة المحلية، مما أدى إلى مقتل أكثر من 3 ملايين إنسان. (BBC Archive)
4. غينيا بيساو تحت الاستعمار البرتغالي: استخدم الاستعمار البرتغالي سياسة الحصار الغذائي كأداة لإضعاف المقاومة المسلحة بقيادة حزب PAIGC. حيث قامت القوات البرتغالية بمنع دخول المواد الغذائية إلى المناطق المحررة، ودمّرت الحقول والمخازن، وقطعت طرق الإمداد، بهدف تجويع السكان المدنيين وكسر حاضنتهم الثورية. وقد وثّق باتريك شابال هذه الاستراتيجية باعتبارها جزءاً من الحرب النفسية والاقتصادية، التي استهدفت تعطيل النضال التحرري في مستوياته الاجتماعية والسياسية. (Chabal, 1983)
5. فرنسا في الجزائر: استعانت السلطات الفرنسية بالتجويع كوسيلة لإجبار المجتمعات على الانصياع والتخلي عن دعم المجاهدين. في هذا السياق كتب فانون:
"سلاح المستعمِر هو الجوع. لا تفاوض مع الجياع. إنهم يُحكمون." — فرانتس فانون، معذبو الأرض (The Wretched of the Earth)
لذلك أصبح جوهر التساؤل لدى الغزي عن المفاوضات لا "متى سوف يتم إيقاف الحرب؟"، بل "متى يمكن أن تدخل شاحنات المساعدات؟"، ليتم استبدال أيديولوجيا المقاومة بالبقاء والحياة؛ لأن الجسد البشري بات منهاراً، والروح تنفذ إليها مصطلحات هجينة عن تاريخها بجملة واحدة: "أنا جائع". وهذا ما أكده فانون: "عندما يحل الجوع محل الأيديولوجيا، تتشقق الروح."
وهكذا، لا تكون المجاعة حالة طارئة أو نتيجة جانبية للحرب، بل تصبح أداة في جوهر الاستراتيجية الاستعمارية لإعادة صياغة الإنسان، وعبره المجتمع. حين يصبح الغذاء امتيازاً لا حقاً، يتحول الصراع من كونه صراعاً على الحرية إلى صراع على فتات البقاء، ويتم بذلك إخراج القضية من سياقها التحرري إلى سياق إنساني محض، مجرد من كل ما يحمل من أبعاد سياسية وهوياتية وتاريخية.
إن المجاعة في هذا السياق ليست فقط تجويع البطون، بل هي إعادة برمجة عقلية كاملة تُرغم الإنسان على إعادة تعريف نفسه وفق حاجاته البيولوجية، فتتراجع الأسئلة الكبرى، ويحل مكانها سؤال الغريزة: "كيف أُطعم أطفالي؟"، لا "لماذا أُحاصر؟"، ولا "من سرق أرضي؟".
وحين تسيطر هذه المعادلة، تُضرب المفاهيم الجوهرية لوجود الفلسطيني ومهمته الأساسية لتحرير الأرض، والقضاء على المحتل الذي هو أساس كل هذه المعاناة، أي كسر منطق العقل لصالح البطون الخاوية. وهنا تشق المقاومة طريقها من الجوع إلى الإدراك، وهي معركة لا تقل أهمية عن السلاح؛ فالوعي الثوري الفلسطيني أمام امتحان جديد، أشد قسوة، لكنه حتماً سيدخل ضمن إطار النضج الثوري الكامل لكل وسائل وأساليب المستعمِر.
وسط هذا الخراب المنهجي، يبقى للذاكرة دورها، وللوعي، إن لم يُقهر بصرياً وسمعياً ونفسياً، مقاومة من نوع آخر. إن الفعل الاستعماري حين يعتمد على التجويع كوسيلة لتفكيك البُنى الاجتماعية والنفسية، فإنه يراهن على موت الوعي الجمعي، لا فقط الجسد. وهنا تكمن المعركة الحقيقية: في الحفاظ على روايتنا، على مفرداتنا، على غضبنا الأخلاقي.
والمجاعة هنا ليست امتهاناً للكرامة الفلسطينية، بل سرديةً جديدة تُعلن بأن ضعف المحتل بدأ من استخدامه التجويع وسيلة بدلاً من الصواريخ والبنادق، وبأن الروح الغزية كانت متقدمة جداً في التجربة الفلسطينية. فهي لن تكون معركتنا الأخيرة، إنما المطلوب لاحقاً أن نُوجه الرؤية الوطنية لدينا نحو الحلول التي يمكن أن نعمل عليها في حال تكرر هذا الأمر.
"حين يدرك الجائع أن جوعه ليس صدفة، بل جزء من نظام قهر، يبدأ وعيه الحقيقي: لم يعد يسأل عن الخبز فقط، بل عن الظلم، عن من سرق وجوده، وعن الطريق لمقاومة ذلك."
في غزة، لا تموت الأفكار بالجوع، بل تتحول، تتشكل من جديد. الغزي الذي يُدفع إلى التساؤل "من أوصلنا إلى هنا؟" قد يُجرّ إلى جلد الذات، نعم، لكن قد يُولد منه أيضاً وعي أشد صلابة، أشد شراسة، لأنه وعي ناتج عن التجربة، لا التنظير.
هنا فقط، نبدأ الحديث عن الغزي ما بعد المجاعة:
الغزي الذي لا يعود كما كان، لا أكثر صبراً، ولا أقل كرامة، بل أكثر حذراً، وأشد إدراكاً لحدود السقوط، وأقوى عزيمة في استعادة الإنسان من أنياب الجوع والخذلان.
وعلى ذلك كلّه، علينا أن ندرك أنه حتى في معركة الجوع هذه لا نُهزم حقاً حين نجوع، بل حين ننسى لماذا نقاوم.

