حين تقرع الشهادة جدران الشهيد تتوقف السبابة عن الكتابة، إذ الشهيد لا يكتب قصته إلا بالدم، حيثُ عبر الموت الأبدي ينقش الشهيد على ألواح السماء حكاية الروح التي في حروفها تكمن تاريخ الطفولة، وأحلام المستقبل، ثُمَّ بعد ذلك يحمل الشهيد حقيبته ويرحل نحو خلوده الأبدي وهو يُشاهد من كثب أولئك التائهون بين صفحات التاريخ وهم يبحثون عن الضوء الأخير، ولكنهم لا يسمعون الشهيد وهو يصرخ قائلًا: أنا الضوء.. أنا الضوء.."، إذ الأخير كأنه ماهية الحرية، وأكثر هو أتحاد العقل مع الثورة، حيثُ العقل لدى الشهيد يعود إلى نفسه في ملحمة المواجهة.
إن قصص الشهداء تملأ دفاتر الفداء، ولكن عند تفنيد كل قصه لوحدها تحتاج إلى مجلدات لوصف لحظة عبور خبر الرحيل عبر ممرات الألم إلى العائلة، إذ ناقل الخبر تشتت بداخله النسب، حيثُ النسبة الذهنية تعيش القهر وتفقد الإرادة ذاتها أمام الدموع، أما النسبة الكلامية تختل وترتجف جرأتها وشجاعتها، ثم النسبة الخارجية تتوقف عن توقدها عندما يتحد الصراخ مع الزغاريد في البيت، هذا الثنائي الذي يتحد بشكلٍ هستيري، حيثُ نصف الجنون، ونصف الوعي يتكاتفان معًا، ويذوبان في روح أم الشهيد تحديدًا عندما تقول: " "تدفنوش ابني بخبيه بحضني برجع بعيش".
لا تخضع حكايات الشهداء للشك، أو الوهم، أو الظن، أو الجهل، بل هي حكايات النهج الراسخ والثابت، وأكثر هي حكايات الحقيقة، والقصد بالحقيقة هي حقيقة الخِيار الأول والأخير في ظل الصراع مع الاحتلال، إذ الشهيد يُفتش تحت سقف الموت عن فلسطين، والأخيرة تعتبر أكثر من ذاكرة على حد وصف غسان كنفاني ، وعندما يُدرك الشهيد هذه الحقيقة ينسف العذر، ويسلك طريق اليقين حتى لا يتخلى عن فلسطين.
تحت قشرة كلماتنا السابقة، يأتي لب الكلمات التالية عن الشهيد كرم العايدي* الذي قفز نحو الشهادة مفتشًا عن حريته قبل الجميع، إذ كرم هو الشهيد الأول في الضفة الغربية بعد معركة طوفان الأقصى، فقط كان مبتهجًا بأن يكون أوّل من صعد إلى المقصلة، وأنتزع شهادته لتحيا فلسطين، ومارس ترويدة الحجارة الفلسطينية، وتقدم إلى الموت وهو يُمارس الأهازيج الفلسطينية عندما يلتحم الحجر الفلسطيني في قبضة اليد، والشجاعة سيالة كما ماء النبع، والرصاص المغلف بالإرهاب يركض إليه الشهيد باحثًا عن لحظة الارتطام الأخيرة، هنا وفي هذه الترويدة لا يتقدم الرَّصاص، بل يتقدم الشهيد أولًا، يتقدم الشهيد أبدًا، وكرم تقدم لأنه لم يكن من عاداته أن يطلب، بل من عاداته أن ينتزع، وفعلًا أنتزع الشهادة، وغنت لهُ النسوة بعد ذلك: " ميلي ميلي يا شجرة السريس.. ميلي ميلي يا حاملة سريس ميلي ميلي لكرم العريس ميلي ميلي مية اسم الله عليه.. ميلي ميلي يا شجرة التفاح ميلي ميلي يا حامله تفاح.. ميلي ميلي لكرم الفلاح ميلي ميلي مية اسم الله...".
كما كل الشهداء قام كرم بتصويب البوصلة نحو القدس ، إذ أي بوصلة لا تشر إلى القدس تكون مشبوهة على حد قول الشاعر العراقي مظفر النواب، بل أكد لنا كرم كما كل الشهداء أيضًا أن الشهيد يُنقذنا من حالة الاغتراب/ الانسلاب عن الوطن والمقاومة، إذ مع كل شهيد نستعيد معنى القضية، ومعنى التمرد، والمواجهة، فضلًا عن ذلك يُفتت الشهيد فكرة العزلة عن الوطن، وندرك ماذا يعني أن الإنسان موقف، ثُمَّ نتحرر من قيود الخوف والعجز، وتتراكم بداخلنا فلسطين، حيثُ الشهداء هم وحدهم قادرون على انتشالنا من حالة التيه في صحراء الحلول السلمية، وانتقادنا أكثر من سراب السلام.
هم شرطان أساسيان كان يتمسك بهم كرم لنيل الحرية، إلاّ هم الجرأة والبسالة، بل وأكثر الشجاعة، إذ من خلالهم تطهّر كرم في مغطس الموت المتلازم مع الخلود على حد وصف ميلان كونديرا، حيثُ كان يعلم هذا الشهيد من خلال الوعي الذاتي للشهادة أن الحرية لا تعتمد على شيء خارج الذات، فقط أدتّ هذه الحقيقة بكرم أن أستمد فكرته النبيلة التي تحقق صوابيه النضال، إذ تقول هذه الفكرة: " الشهيد يقود النصر"، ولذلك بوثبة سريعة لا تحكمها الأنانية أو المصالح الشخصية قفز كرم نحو النصر الأبدي مانحًا بإنسانيته الشعب الفلسطيني الحق بالحرية، ولذلك يدعونا كرم بفعل الشهادة أن نحذو حذوه، إذ تحقيق النصر بالحرية يخضع هو الأخر لشرط العقد الاجتماعي، هذا ما يؤكده لنا كرم.
إذًا أزاح كرم كل شيء من داخل القلوب، خصوصًا تلك القلوب التي لا تعرفه، ونقش صورته، وبل نقش الحب للمقاومة، والحب لفلسطين دومًا، فضلًا عن ذلك قدَّمَ حصته كما كل الشهداء، ومسح بالدم أخطاء اللعبة السياسية ليصحح مفهوم الصراع، إذ الصراع هو صراع وجود على وحد وصف الحكيم جورج حبش ، ولذلك كان يُغني لنا كرم وهو مرفوعًا على الأكتاف ما غناه أحمد قعبور: " فليمسي وطني حرا فليرحل محلتي"، وأكثر من ذلك كان يُغني لنا وهو ذاهبًا إلى نومه الأبدي ما غناه قعبور: " يا نبض الضفة لا تهدأ أعلنها ثورة، حطم قيدك، اجعل لحمك جسر العودة".
كان يستحق جسد كرم علم فلسطين، ودموع أمه، هذه الأم التي وحدها تستحق كرم، ولكن هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، هي تخلف وفلسطين تأخذ كما قال غسان كنفاني من قبل، ولذلك إن هذه الأم هي الوطن والوطن لا يموت.
__________
*الشهيد كرم ناصر العايدي: يبلغ من العمر 22 عاماً، من مخيم عين السلطان، أول شهيد في الضفة الغربية خلال معركة طوفان الأقصى، واستشهد في 7 تشرين اول/ أكتوبر 2023 خلال مواجهات اندلعت عند المدخل الشمالي لمدينة أريحا.

