Menu

حكومات أوروبية في مواجهة حركة الاحتجاج والتضامن مع فلسطين.

 

شملت إجراءات التضييق على الاحتجاجات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني معظم البلدان الأوروبية، التي تبنت حكوماتها مواقف منحازة للعدوان، ومؤيدة لجرائم الحرب التي يرتكبها الاحتلال مستخدمة ذرائع واهية مثل الدنمارك، والنمسا، وألمانيا، التي واصلت السلطات فيها إجراءات القمع والتمسك بدعم العدوان وسياسات التضييق على هذه الاحتجاجات.

فبادرت الحكومة الدنماركية لموقف جديد تحريضاً على الحراك الجماهيري وتجاوزاً لكل سقف متخيل للقمع والتضييق، فلقد أعلنت وزارة الدفاع الدنماركية الأحد أنه سيتمّ تعبئة الجيش لمساعدة الشرطة في نشاطها الأمني حول المواقع "اليهودية والإسرائيلية" في كوبنهاغن.
وقال وزير الدفاع الدنماركي ترولس لاند بولسين "يفرض الوضع في إسرائيل وقطاع غزة ضغطًا شديدًا على موارد الشرطة. في هذا السياق، تقرّر أن القوات المسلحة ستدعم مراقبة المواقع اليهودية والإسرائيلية في كوبنهاغن" على غرار الكنيس والسفارة "الإسرائيلية"
من جهته، قال وزير الدفاع بيتر هاملغارد "نحن في وضع أصبح فيه التهديد الإرهابي الذي يُثقل كاهل الدنمارك خطيرًا"، وأضاف "أدّى النزاع في الشرق الأوسط إلى زيادة غير مقبولة على الإطلاق في معاداة السامية وانعدام الأمن بين اليهود في الدنمارك".

وكانت وزارة الدفاع الدنماركية قد أعلنت في ١٦ أكتوبر عن نيتها إرسال فرقاطة للانضمام إلى القوة البحرية لحلف شمال الأطلسي في شرق البحر المتوسط مبررة ذلك بأنه استعداد  لعمليات إجلاء محتملة في حالة "تصاعد الصراع "

وكشف تحقيق أجرته مؤسسة "دان ووتش" الإعلامية الدنماركية وصحيفة "إنفورماسيون"،  أنّ الدنمارك متورطة في تزويد جيش الاحتلال بمعدات عسكرية، خلال الأسابيع الماضية، أودت بحياة الآلاف في حرب الإبادة التي تشنها قوات الاحتلال على الفلسطينيين.
وفي مؤشر آخر على هذه السياسة المنحازة ضد الفلسطينيين كانت السلطات الدنماركية قد أوقفت شخصين بتهمة تأييد ما حدث في ٧ أكتوبر من عمليات قامت بها حركة حماس .
كما أعلنت الدنمارك بعد أيام من اندلاع الحرب، تعليق معوناتها التنموية للفلسطينيين، مؤكّدةً بالمقابل استمرار مساعداتها الإنسانية.
وكانت الحكومة الدنماركية برئاسة ميته فريدركسن، قد اتخذت موقفاً منحازاً للاحتلال منذ الساعات الأولى للعدوان على غزة، في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، رغم الانتقادات الشعبية والحقوقية لهذا الموقف.

وفي النمسا منذ بداية العدوان على غزة لم يمر يوم دون فعاليات تضامنية مع الشعب الفلسطيني نظّمتها جمعيات ومؤسسات فلسطينية بمشاركة من قوى التضامن، وهو ما كان موضع للصدام مع السلطات النمساوية التي اتخذت موقف داعم لحرب الإبادة التي شنّها جيش الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني .
لم تحتاج السلطات النمساوية لاستكمال سن تشريعات جديدة ضد الفلسطينيين وحقوقهم ومقولاتهم السياسية وحقهم في التعبير، فلقد لجأت الشرطة النمساوية مباشرةً لتجاوز القانون بحجج وذرائع مختلفة لقمع حركة التضامن والاحتجاج.
هذا القمع انطلق من اتهام مسبق بمعاداة السامية تجاه كل من يعارض الاحتلال وسياساته الوحشية، فباشرت منذ الأيام الأولى للتظاهرات إلى اختلاق ذرائع وهمية لتحرير مخالفات مالية للمشاركين في أي فعاليات احتجاجية ومظاهر تضامنية، في اتجاه يظهر رغبة في منع التظاهر، وهو ما فشل أمام إصرار المحتجين على التواجد في الشارع.
لاحقاً لجأت السلطات إلى تشكيلة من الإجراءات القمعية، أبرزها فرض شروط لمنح التراخيص اللازمة للمظاهرات والفعاليات، تمحورت هذه الشروط حول منع شعارات سياسية محددة يستخدمها الفلسطينيون وأنصارهم للمطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني والتعبير عن رفضهم للمنظومة الاستعمارية الاحتلالية في فلسطين، فمنعت الشرطة المتظاهرين من رفع شعار "من البحر إلى النهر" وطالبت المنظمين بالتوقيع على وثيقة تعهد بعدم رفع هذا الشعار باعتباره  "شعار معادي للسامية"، وهو ما شكّل منع فعلي للمظاهرات والفعاليات، فالتعهد بعدم رفع الشعار دون التقيد بتوصيف الشرطة النمساوية له لم يكن كافياً لمنح التراخيص للفعاليات، بل أصرّت على انتزاع موقف سياسي من المتظاهرين ومنظمي الفعاليات.
لم تمر هذه المحاولة من قبل الشرطة دون مقاومة، فلقد بادرت بعض المجموعات ومنها نادي فلسطين العربي في فيينا، إلى تنظيم فعاليات احتجاجية على هذه السياسات، وهو ما أثمر جزئياً في تعديل الصيغ التي تشترطها السلطات النمساوية.
 العقوبات المفروضة للتضييق على المتضامنين مع فلسطين، شملت أيضاً الفصل من العمل لبعض الموظفين الذين لبسوا الكوفية الفلسطينية خلال عملهم، وأيضاً العديد من التجاوزات الأخرى في حق العاملين بالمدارس والروضات.
تدرك السلطات النمساوية عدم شرعية إجراءاتها، فمع تصعيد الإجراءات والجهود القانونية والحقوقية التي قادتها لجنة العمل الفلسطيني المشترك في النمسا، تم إلغاء الكثير من الإجراءات البوليسية والعقوبات التي اتخذتها الشرطة بحق الكثير من المتظاهرين، ومع ذلك يبدو من الواضح أنّ استخدام هذه الإجراءات غير القانونية يهدف بالأساس لتعميم حالة من الترهيب لدى المحتجين والمتضامنين.
وبحسب الإعلامي الفلسطيني والناشط السياسي "وديع أبو هاني" فإن العديد من الإجراءات الأخرى تتجاوز حيز المواجهة المباشرة مع حركة الاحتجاج ومنظميها، وتطال الوجود الفلسطيني في النمسا بأكمله بما في ذلك إجراءات منح الإقامة فلقد سجلت حالات عديدة استجوب فيها القضاة المسؤولين عن إجراء المقابلات الخاصة بمنح حق اللجوء والإقامة، فلسطينيين حول دورهم أو مشاركتهم في الفعاليات التضامنية و المؤيدة لغزة، وهو ما يقع تماماً خارج أي مظلة قانونية.
ويضيف الناشط السياسي "وديع أبو هاني" أن هذه مؤشرات جدية على  اتساع أطر القمع،  خصوصاً في ضوء مساع  لقوننتها وأن هذا التحدي  سيكون عنوان لندوة حقوقية  ضمن أنشطة تنظمها مجموعات عربية ونمساوية نظراً للمخاطر المتوقعة المرتبطة بهذا التوجه القمعي، وأن ما يحدث في النمسا وغيرها يشكل سوابق قد تطال العمل الفلسطيني في أوروبا برمته. 

أما السياسات الألمانية كانت سابقة لنظيرتها في الدول الأوروبية الأخرى، وسبقت الحرب على غزة والحركة الاحتجاجية الحالية بسنوات، فلقد واصلت السلطات الألمانية خلال الأعوام الماضية هجومها القمعي وسياساتها في تجريم الأنشطة المتضامنة مع فلسطين، ووضع حركات ومجموعات تضامنية ضمن لوائح الإرهاب، إلى حد بات معه كل شعار مؤيد لأبسط حقوق الفلسطينيين تكاد تطاله التشريعات الألمانية المتلاحقة سواء الاتحادية أو تلك الخاصة بالولايات المختلفة.
ومع بداية حركة الاحتجاج في ألمانيا تصاعدت حدة هذا القمع، لتقوم الشرطة الألمانية بقمع وحشي طال معظم التظاهرات في الأسابيع الأولى للحرب والموجة الاحتجاجية، ورغم تراجع القمع والسماح بالتظاهرات ضمن شروط معينة، إلا أن موجة القمع والتضييق باتت تتخذ أبعاداً جديدة أكثر عمقاً وخطورة.
فمنذ مطلع كانون الأول اعتقلت السلطات الألمانية العشرات من الفلسطينيين والمتضامنين، ولاحقت غيرهم بإجراءات لسحب الإقامة أو رفض طلبات اللجوء، وقرارات مستعجلة بترحيل العديد من الناشطين واللاجئين الفلسطينيين باتهامات تتعلق بدورهم في حركة التضامن والاحتجاج.
هذه الإجراءات لا زالت محور لجهد قانوني وحقوقي يقوم به ناشطون فلسطينيون ومحامون متطوعون من العديد من المؤسسات ذات الاهتمام بدعم حقوق الإنسان.
 إنّ موجة القمع لا تبدو مرتبطة فقط بالاحتجاجات الحالية، وإذا كانت ألمانيا والنمسا والدنمارك تشكل نماذج لسياسات القمع والعداء الواضح للحقوق الفلسطينية ولحركات التضامن، فإن دول أوروبية أخرى لا تبدو بعيدة عن هذا المسار، وهو ما يشكل جزء من سياسات أوروبية تتخذ منحى عدائي تجاه حقوق الشعب الفلسطيني وقضيته، سواء في موقفها من حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني وتأييدها الأعمى للاحتلال وحربه الوحشية، أو في قمعها لحركة الاحتجاج ضد هذه الحرب.