كتب عدنان بدر حلو*
عندما حذر الرئيس جو بايدن حكومة إسرائيل من "فقدان الدعم في جميع أنحاء العالم بسبب حملة القصف العشوائي في غزة وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين". (علماً أن تعبير "القصف العشوائي" يدخل ضمن الجرائم التي يذكرها القانون الدولي بصراحة). وأضاف قائلاً "إن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بحاجة إلى تغيير"، و" إن أمامه قراراً صعباً يتعين عليه اتخاذه فيما يتعلق بتشكيلة حكومته التي يقودها حزب الليكود". ثم وصف هذه الحكومة بأنها "الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل".
استغرب كثيرون صدور مثل هذا الموقف من قبل الرئيس الأميركي الذي هرول منذ اليوم الأول لاندلاع الصدام في غزة لتقديم الدعم والتأييد المطلقين للجانب الإسرائيلي وأرسل أسطولاً كاملاً تتقدمه حاملتا طائرات وعدد كبير من القطع البحرية وأقام جسراً جوياً لشحن الأسلحة والذخائر للجيش الإسرائيلي، حتى على حساب الحرب التي يخوضها في أوكرانيا. وساق خلفه معظم رؤساء ومسؤولي العالم الغربي ليحذوا حذوه.
وقد وصل الأمر بالكثيرين إلى الاعتقاد بأن تغيراً كبيراً قد حصل في الموقف الأميركي من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وأن إرسال مستشار الأمن القومي وبعده بيوم واحد وزير الدفاع الأميركي إلى إسرائيل قد تما في سياق هذا التغيير الكبير.
ما بعد 7 تشرين الأول غير ما قبله:
في حقيقة الأمر ليس هناك أي خلاف أميركي- إسرائيلي حول الحرب على غزة. فما يزال تدفق الأسلحة عبر الجسر الجوي الكثيف مستمراً.. وما يزال المستشارون العسكريون الأميركيون المشاركون في هذه الحرب يواصلون دورهم بكل نشاط. وكل ما يفعله المسؤولون الموفدون هو مراجعة الوضع مع نظرائهم الإسرائيليين لتسهيل الاستمرار في حرب الإبادة هذه وتخفيف ما يمكن أن تثيره من ردود فعل سلبية على المستوى العالمي.
إذن.. أين الخلاف؟
قبل 7 تشرين كانت الولايات المتحدة مطمئنة إلى أنها (بما قامت به في هذه المنطقة من حروب وتسويات وثورات ملونة وعمليات تدمير مبرمجة) تستطيع توكيل الأمن على مصالحها فيها للكيان الإسرائيلي كي تنقل حشدها الاستراتيجي العسكري وحتى السياسي إلى منطقة الشرق الأقصى من أجل المواجهة مع الصين.
وكان الكيان "الوكيل" قد أنشأ بدعم الولايات المتحدة شبكة سيطرة (من اتفاقات الصلح والتطبيع والتبعية) تظلل المنطقة كلها تقريباً: قاعدتها الأساس في الوسط ( مصر والأردن والسلطة الفلسطينية) ثم تمتد شرقاً إلى دويلات الخليج العربي وغرباً إلى المغرب وجنوباً إلى السودان وشمالاً إلى المشروعين الكرديين في سورية والعراق.
وقد بدا أن هذه الشبكة على وشك تحقيق إنجازها الاستراتيجي النهائي تقريباً بالتطبيع مع السعودية.
وما من شك في أن التفوق العسكري المدعوم أميركياً والتقدم التقني والهيمنة أسهمت في رسم صورة القوة القاهرة التي بدا أنها باتت حاسمة في المنطقة.. ولم يعد هناك ما يمكن أن يهدد هذا الانتقال الآمن بين الدورين الأميركي الأصيل والإسرائيلي الوكيل!
هنا جاء انفجار 7 تشرين العاصف وغير المتوقع لينسف هذا البناء من أساسه. وهذا ما دفع بايدن وقادة الغرب كله إلى الهرولة الهستيرية التي شهدها العالم كله في الأسبوعين اللذين أعقبا معركة "طوفان الأقصى". ولم يكن استعجال الولايات المتحدة في إرسال حاملتي الطائرات إلى المنطقة من أجل التصدي لمقاتلي حماس في انفاقهم تحت سطح أرض قطاع غزة، بل لسد الثغرة الاستراتيجية التي انكشفت في الأمن الأميركي الشرق أوسطي الذي كان يعتبر مؤمنناً من قبل الوكيل الإسرائيلي!
وقد تم التفاهم السريع بين القيادتين الأميركية والإسرائيلية على شن الحرب التدميرية العاصفة على قطاع غزة من أجل سحق حركة حماس ومن معها من قوى المقاومة بشكل يؤدب المنطقة كلها من جديد ويعيد تجديد الهيمنة الإسرائيلية بشكل أكبر من السابق عليها ليعود السيد الأميركي إلى استئناف رحلته "الشرق- أقصوية".
وقد تم الاتفاق على أن حملة الإبادة والتأديب هذه يجب أن تتم ضمن مهلة قصيرة جداً كي تؤدي مفعولها التأديبي.
وهنا كانت المشكلة:
لقد فشلت الحملة في تحقيق أي من أهدافها خلال الفترة المحددة لها، وفقدت بالتالي زخمها الإرهابي رغم كل ما ارتكبته من جرائم إبادة ضد السكان المدنيين بشكل قلب موازين الرأي العام العالمي كله وعبرت عنه التظاهرات الشعبية في العالم وبالذات في الولايات المتحدة وشملت حتى قطاعات يهودية أميركية واسعة. وليس أدل على ذلك من جلسة اقتراع مجلس الأمن الدولي على مشروع قرار وقف إطلاق النار في غزة حيث وقفت الولايات المتحدة (للمرة الأولى في تاريخ المنظمة الدولية) منفردة ومجردة حتى من تأييد أقرب أتباعها بمن فيهم بريطانيا التي امتنعت عن التصويت!
هنا أدركت واشنطن أن الوقت المعطى لتجديد الموقف الإرهابي الإسرائيلي في المنطقة قد نفد.. وأن تل أبيب لم تعد مؤهلة للعب دور الوكيل الذي كان معطى لها. فتقرر الاستمرار في دعمها ضد غزة والمقاومة والشعب الفلسطيني، إنما بالترافق مع مراجعة حجم الدور الذي سيكون منوطاً بالكيان الإسرائيلي في المرحلة القادمة. وبدأ العمل على ما يسمى "اليوم التالي". وقد سحب الجانب الأميركي من "الفريزر" مشروع "حل الدولتين" لإعادة "توضيب" أوضاع المنطقة حوله من جديد وترتيبها مجدداً بالتعاون مع إسرائيل كشريك بين مجموعة شركاء وليست كوكيل فريد متقدم على جميع الشركاء الآخرين.
وهنا بالذات يقع الخلاف مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، لا مع إسرائيل! أي مع نتنياهو وزمرته. وهذا ما جاء مستشار الأمن القومي ووزير الدفاع الأميركيين لمناقشته مع المسؤولين الإسرائيليين بعد أن مهد له الرئيس بايدن بتصريحاته المشار إليها أعلاه.
*كاتب سوري

