الآن وبعد مضي اكثر من مائة يوم على العدوان "الاسرائيلي" العنصري والوحشي على إقليم غزة الفلسطيني والذي تميز بإصراره على ارتكاب مجازرها المتكررة بحق المدنيين الفلسطينيين فإن الوقت ما زال مبكرِّاً للقيام بدراسة علمية سياسية لتبعات ونتائج ما يجري الآن في إقليم غزة الفلسطيني وللقضية الفلسطينية خصوصاً والوضع الاقليمي عموماً، وإن كان هذا الكلام لا يسري على حجم جرائم الإبادة التي قام ويقوم بها "الاسرائيليون" ضد المدنيين العزل من سكان إقليم غزة الفلسطيني دون تمييز بين طفل وامرأة وصغير وكبير، بالإضافة إلى حجم التدمير شبه الكامل للبنية التحتية والمباني السكنية والتراثية والدينية والصحية والتعلمية التي هدفت لجعل إقليم غزة غير صالح للسكن والمعيشة .
الفلسطينيون الواقعون ضمن دائرة العنف المميت بشكل يومي ومستمر منذ 7/10/2023 ما زالوا في موقع المقاومة بالرغم من الدمار وعدد الضحايا الذي استثار في حجمه المجتمع الدولي والمجتمعات المدنية الشبابية ومؤسسات المجتمع المدني في معظم دول العالم .
وقد ترافق هذا الغضب العالمي مع زيادة تصميم قوى العدوان الاسرائيلي على الاستمرار في مخططها الاجرامي الهادف الى جعل إقليم غزة غير صالح للسكن والمعيشة مهما كانت نتيجة الحرب الدائرة الآن والعدوان اليومي المستمر على إقليم غزة .
الخطر كل الخطر يكمن في خلق سابقة العبث الديموجرافي الشامل بشعب بأكمله. ومثال على ذلك الترحيل السكاني القهري للفلسطينيين ونقلهم إما من مكان لمكان آخر داخل وطنهم، أو ترحيلهم من وطنهم الى خارج وطنهم جهاراً وعلى رؤوس الأشهاد وبما يجعل من الترانسفير سياسة مقبولة دولياً ومعمول بها. إن رفض العالم لسياسة الترانسفير، أي النقل الشامل للشعب بأغلبيته أو بأكمله من مكان لمكان آخر بغية إجراء عملية تطهير عرقي تسمح بأخذ الأرض والاستيلاء عليها خالية من البشر ومن سكانها الأصليين، كان دائماً حجر العثرة أمام المخططات "الاسرائيلية" الصهيونية للتخلص من الشعب الفلسطيني وابتلاع أرضه . إن ما يجري الآن هو في هذا السياق تماماً ويهدف الى خلق سابقة دولية يوافق عليها المجتمع الدولي وتجعل من الممكن، بل من المسموح به ، إخلاء فلسطين من سكانها والسماح للاحتلال "الإسرائيلي" بابتلاع الإرض الفلسطينية خالية من سكانها . وهذا قد يكون أهم الأهداف الخفية للحرب الأمريكية – الاسرائيلية الوحشية الدائرة الآن ضد إقليم غزة الفلسطيني وسكانه المدنيين .
من الواضح أن الصمود الفلسطيني غير المتوقع اسرائيلياً وأمريكياً قد وضع كليهما في مأزق واضح، الفشل "الاسرائيلي" في تحقيق أي من أهدافها المعلنة سواء في القضاء على حماس أو في تحرير "الأسرى الاسرائيليين"، قد أفقد "اسرائيل" القدرة على وقف الحرب دون الاقرار بالهزيمة، أما الاستمرار فيها ضمن أجواء يومية من المقاومة الفلسطينية بأشكالها المختلفة، فهو إقرار اسرائيلي ضمني بالهزيمة كون الفلسطينيين لم ينصاعوا أو يستسلموا "للمطالب الاسرائيلية" .
يترك هذا الحال الفلسطينين في المدى المنظور أمام خيارين : الأول، يتمثل بالقبول والانصياع والتعايش من منطلق الهزيمة والاستسلام وهو خيار تمثله السلطة الفلسطينية، والثاني، خيار الرفض والمقاومة وعدم قبول الأمرالواقع وجعل كلفة الاحتلال عالية وبشكل مستمر وهذا موقف تمثله حماس وكتائب القسام والجهاد الاسلامي . وخطة "اسرائيل" على ما يبدو تتمثل في جعل كلفة الخيار الثاني على الفلسطينيين عالية جداً لدرجة تمنعهم من تبني خيار المقاومة وهو ما تحاول اسرائيل فعله الآن في إقليم غزة .
إن الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني لم يبدأ كما يعلم الجميع، في السابع من أكتوبر عام 2023، ولكن مرحلة جديدة متطورة من هذا الصراع قد ابتدأت في ذلك التاريخ . وهذه المرحلة تؤشر على أن الأمور لن تعود كما كانت، بل سوف تزداد سوأً مع مرور الوقت وليس العكس، مما يعني بالنسبة لأمريكا والعالم الغربي ضرورة العمل على الخروج من هذا المأزق بحل يرضي الفلسطينيين وبأقل تكلفة على "إسرائيل"، وليس الاكتفاء بالتركيز على وقف إطلاق النار باعتبار ذلك هو الحل .

