من النادر أن تمر بين أيدينا أدبية أو خطاب للمقاومة الفلسطينية خلال أعوام الستينات أو السبعينات لا تتم به الإشارة بشكل أو بآخر إلى تجربة فيتنام وحرب التحرير الفيتنامية ضد الاستعمارين الفرنسي أولاً والأمريكي ثانياً وخصوصاً مقومات انتصارها الحاسم عام 1975. فيرد اسم الأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي هوشي منه في كثير من التحليلات السياسية والحزبية بينما تقتبس كلمات الجنرال جياب في التحليلات والخطط العسكرية. وما زلنا نقوم حتى يومنا هذا باستلهام العبر والدروس من التجربة الفيتنامية.
وفي خضم المقاومة الباسلة والأسطورية في غزة ضد أقوى جيوش العالم وأكثرها تسلحا وشراسة وقدرات عسكرية واستخباراتية ناهيك عن الدعم المطلق الدبلوماسي والمادي الذي توفره له الولايات المتحدة وكأنها تعمل كجسر إنقاذ عابر المحيطات لكيان فاشي ، يطرح السؤال نفسه حول مدى تطابق التجربتين الفيتنامية والفلسطينية وإذا كان بالإمكان أن نقول بأننا نشهد أو على الأقل مقبلين على بوادر لحظة فيتنامية في فلسطين؟
لاشك أن المقاومة الفلسطينية استلهمت دروسا من كافة حركات التحرر الوطني من الجزائر إلى كوبا وفيتنام وقارنت استراتيجياتها وتكتيكاتها وطبقت ما يناسب طبيعة ظروف المعركة والمجتمع والمحيط. وبالتأكيد درست المقاومة الفلسطينية تجربة الجزائر ولكنها استلهمت من فيتنام خصوصاً دروسا ومثالاً ونهجاً. وأعزي تركيز واهتمام فصائل اليسار الفلسطيني بالذات بتجربة فيتنام إلى عاملين تربطهما علاقة جدلية فالأول هو الطابع القومي الإسلامي لحركة التحرير الجزائرية التي لم يقدها حزب ماركسياً ولا يساريا (رغم وجود حزب شيوعي في الجزائر كان دوره وفعاليته على الأرض متواضعا) مما يتناقض ايديولوجياً مع الفكر اليساري الفلسطيني من ناحية ومن ناحية أخرى فقد قاد الحزب الشيوعي حركة التحرير الوطني الفيتنامي بفكره الماركسي وتنظيم الحزب ال لينين ي وتأسس جبهة وطنية عريضة بقيادته.
فنجد في مقارنة فصائل المقاومة الفلسطينية اليوم بالتجارب الفيتنامية والجزائرية أن هناك إرث من الاثنين من شأنه تصليب دعائم المقاومة إذا ما تمكنت الفصائل اليسارية (والوطنية المتأثرة بالفكر اليساري) إعادة النظر بمواقفها التاريخية ليس باتجاه رفض الفكر الماركسي وإنما لتصحيح الآثار السلبية والمدمرة لما أسميته بـ الأصولية العلمانية secular fundamentalism في أوساط اليسار الفلسطيني والعربي. الأصولية العلمانية - والتي ترعرعت وانتشرت خصوصا ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001– ترفض بشكل جذري إمكانية وجود فكر إسلامي تحرري وعليه فإنها لا تأخذ على محمل الجد الدور الرئيسي والاستراتيجي الذي تلعبه القوى الإسلامية المناهضة للاستعمار ونخص بالذكر حركتي حماس والجهاد الإسلامي التي انطلقت عام 1987 او الدور الرئيسي الذي لعبه حزب الله في تحرير جنوب لبنان جانبا لجنب مع القوى الوطنية اللبنانية الأخرى عام 2000. بل بالعكس فان التيار السائد في أوساط القوى اليسارية الفلسطينية والعربية والأممية كانت تاريخياً تعتبر القوى الإسلامية حركات عابرة. ولكن ملحمة الصمود في غزة بدأت تفرض نفسها اليوم لتؤكد على ضرورة اعتبار قوى المقاومة الإسلامية الفلسطينية جزأ رئيسياً في حركة المقاومة الفلسطينية وحليفاً استراتيجياً (وليس تكتيكياً) للقوى اليسارية حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني وعودة الشعب إلى أراضيه التي طرد منها قسراً في نكبات ونكسات متعاقبة. وربما لا تحتاج حماس أو الجهاد الإسلامي من أي طرف ومن ضمنه القوى اليسارية الفلسطينية بالاعتراف ولكن تاريخ اليسار الفلسطيني وتضحياته -عدى عن صواب مواقفه التي اعتبرتها القيادة المتنفذة في منظمة التحرير مغامرة أو مثالية أو لا مسؤولة- يتطلب أن يراجع اليسار مسيرته ليقيم ما له وما عليه كونه الطرف الآخر الصادق والمخلص تاريخيا للقضية الفلسطينية وعدم تصفيتها.
هذا لا يعني أبداً بأن الجدل والحوار بين القوى اليسارية والإسلامية حول القضايا المحورية الأخرى كشكل المجتمع الفلسطيني وعلاقاته الاجتماعية بكافة أطيافها بما في ذلك شكل الدولة المستقبلية يجب أن يتوقف للحظة واحدة. فكما تناضل الفصائل اليسارية بين بعضها البعض وفي حواراتها الداخلية أيضاً حول جميع نقاط التقاطع والاختلاف بشكل صريح وجريء ونقدي فمن المفترض بل المتوقع من قيادات الشعب المقاومة أن تلعب دوراً ريادياً وتكون القدوة لتشجيع أبناء وبنات شعبنا على المشاركة في هذا الحوار الحقيقي والبناء لتصحيح ما دمرته اتفاقيات أوسلو الاستعمارية والتي خدمت وتخدم مصالح العدو اولاً واخيراً.
ولا أدعي أن هذه مسألة سهلة فمن الصعب التخلي عن مفاهيم ومعتقدات قامت على أساسها حركات ومنظمات وشخصيات تاريخية ناضلت وقادت الشعب في تضحياته ونضاله لعشرات السنوات. إضافة لذلك فان اعتماد مبدأ الخندق الواحد لقوى المقاومة يتطلب أيضاً مراجعة والتخلي عن بعض المفاهيم التي تكبح جماح تقدمنا تجاه الحرية والتحرر كاستخدام التعابير الاستشراقية والعنصرية والتي ورثناها من أولئك الذين يدعون أنهم رعاة فكر "الحداثة" الغربي والذي يصب في خانة الخطاب الاستعماري العنصري ويوفر التبريرات للاستعمار الصهيوني والامبريالي لتصعيد سلطتهم علينا.
فليس من المعقول أن تستمر القيادات المناضلة والمثقفة باستخدام تعابير "القبلية" و"التخلف" و"العالم الثالث" و"غياب الحضارية" وكأننا نشّرع نظرية مايكل هنتنغتون في كتابه "صراع الحضارات" كما قام المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد بتوجيه نقداً لاذعًا لهنتنغتون مستنداً إلى نظريته حول الاستشراق والعنصرية ضد العرب والشعوب الأخرى وعدائه للإسلام.
وهناك قضايا أخرى تختلف عنها التجربة الفلسطينية عن التجربة الفيتنامية فعدى أن طبيعة فيتنام التي كانت تسمح للثوار بالاختفاء في الأدغال فإن طبيعة غزة السهلية التي لا يتوفر فيها غابات أو جبال جعلت مهمة الاختفاء من ضربات العدو مهمة شبه مستحيلة لولا ابتداع حفر الأنفاق تحت الأرض كما قامت به الثورة الفيتنامية من قبلها وحزب الله لاحقا والتي كان من حظّي الشخصي زيارة قسم منها تحت مقر المكتب السياسي للحزب الشيوعي الفيتنامي في هانوي من ناحية ومليتا من ناحية أخرى. ويستغرب بعض المحللين السياسيين والاستخباراتيين في تقاريرهم الصادرة بوسائل الإعلام الغربية وأذيالها العربية يوما بعد يوم بمدى تطور أنفاق غزة. ونلاحظ أن جزءاً من هذه التقارير يعرب عن إعجاب مبطن بينما طرف آخر يستخدمه للدلالة على "خبث" المقاومة وثالثاً يستخدمها لتبرير القصف الجنوني والإرهابي على مواطني غزة.
وفي كل هذه الأحوال تبرز العقلية العنصرية الاستعمارية والمتعجرفة التي مازالت في حالة رفض "denial" لأن يمتلك هذا الشعب الفلسطيني الصغير وأغلبه من العزل هذه القدرات الميدانية بمجموعة من القوات الغير نظامية تستخدم أسلحة بسيطة و مصنّعة محليا لكنها استطاعت دحر ألوية وكتائب من جيش نظامي مختبئ خلف الدبابات والمصفحات وطائرات الموت ولا يجرؤ على المواجهات الوجهية وإنما يصاب بحالات الاكتئاب لفشله في المعركة العسكرية وانتصاره في الإبادة الجماعية التي فاقت أي حالة سابقة.
وهنا أيضا تظهر أوجه التشابه ما بين فيتنام وفلسطين. فقد كان الاستعمار الأمريكي وقبله الفرنسي يستخف بقدرات هذا الشعب الصغير الذي أجبره بالنهاية على الرضوخ حتى على شكل طاولة المفاوضات في باريس. وكلا الحالتين تثبت مدى غطرسة الاستعمار العنصري الذي يستند إلى بديهيات يصدقها استنادا لقناعته بتفوقه العنصري لأن مجرد التشكيك بها يهد كل الأسس التي ربى عليها. فالتواضع لم يكن ابداً من خصائص المستعمر والمستبد والذي لم يعتاد على تجرؤ المستعمر بتحديه ورفض تفوقه وحتمية انتصاره. وفي هذا لا نستثني الجزائر ولا أي من حركات التحرر التي تعتمد على غباء العدو وغطرسته وامتيازاته الغير مبررة.
المسألة الأخيرة التي أود طرحها هنا وهي كيف نصف مواقف الولايات المتحدة في هذه الفترة وتاريخيا بالنسبة للقضية الفلسطينية. ربما أهم الاختلافات ما بين القضية الفلسطينية والفيتنامية والتي تربطها مصيرياً أن تحالف الدوائر الحاكمة الأمريكية (كما يطلق عليها الماركسي الراحل سي. ديبليو. ميلز C.W. Mills نخبة السلطة\القوة المؤلفة من المؤسسة العسكرية والسياسية والتنفيذية ورؤوس الأموال) لم تكن متفقة حول السياسة الأمريكية تجاه فيتنام فمنهم من كان شديد الحماس لتصعيد الحرب الإمبريالية كجزء من الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية كنيكسون وكسينجر وجونسون ومنهم من كان يطالب بإنهاء ووقف نزيف الخسائر المالية والاجتماعية كمرشحي الرئاسة ماكجفرن وكينيدي ومكارثي وقد خسر كلاً منهم الترشيح أو الفوز بالانتخابات. وتعمق الخلاف في أوساط الدوائر الحاكمة الأمريكية بعد احتلال ال 67 وخصوصا ان الاستعمار الامبريالي في فيتنام كان يعاني من خسائر متزايدة بينما وفرت منطقتنا العربية إسرائيل كقاعدة عسكرية متقدمة وأنظمة عربية التي كانت إضافة إلى نظام الشاه في إيران موطئ قدم وبؤر لنشر النفوذ الأمريكي والصهيوني بالمنطقة بعد هزيمة الأنظمة الوطنية.
ومقابل تعمق الشرخ في مواقف الدوائر الأمريكية الحاكمة تجاه فيتنام فقد تعمق إجماع هذه الدوائر على دعم إسرائيل والعداء المتصاعد ضد القضية الفلسطينية وعدالتها. ولم نشهد دعما امريكيا رسميا لإسرائيل أكثر مما نشهده حالياً. فإن الحزبين الرئيسيين الجمهوري والديمقراطي يتنافسان على من يصدر مواقف أكثر دعما للكيان الصهيوني ومن المجازر وحرب الإبادة في غزة كل يوم. ويتعجب البعض أن الديمقراطيين المفترض أن يكونوا أكثر تقدمية وأكثر ليبرالية من أشد التعصب لإسرائيل، وعلى رأسهم الرئيس بايدن الذي قال عدة مرات ومرات إنني صهيوني وذكّر من نسى أنه كان معجب بإسرائيل منذ لقائه الأول مع غولدا مائير عام 1973 ودفاعه عن الغزو الصهيوني للبنان وفظاعة القتل والتنكيل التي ادعى مناحيم بيغن بأنه تبرأ منها.
اليوم لا تستخدم الولايات المتحدة حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي لعرقلة أي خطوة تدين المجزرة الاسرائيلية في غزة أو تدعو لوقف إطلاق النار فحسب وإنما توفر غطاءاً كاملاً سياسياً وعسكرياً وتمول إسرائيل وتعوض عن الأسلحة التي تخسرها خلال عدوانها على غزة. فقد قام وزير خارجية الولايات المتحدة بلينكن بتجاوز القانون الأمريكي يسمح ببيع إسرائيل قذائف للدبابات بمبلغ يزيد عن 147 مليون دولار. وعليه فيجب اعتبار الولايات المتحدة شريك مباشر في المجزرة الاسرائيلية في غزة ملطخة أيديهم بدم الشهداء الفلسطينيين والتوقف عن وصفها بالطرف الدولي أو المحايد أو كما يتأمل بعض العرب والفلسطينيين يمكنها أن تلعب دوراً حيادياً أو دور وسيط وموفق ما بين الفلسطينيين وإسرائيل، كما جرت عليه العادة قبل وبعد اتفاقية أوسلو وكما يقول المثل الفلسطيني "اذا غريمك القاضي لمين تشكيه؟!"
وبالتالي هناك اتحاد بين الطبقة الحاكمة الأميركية أو لنقول دوائر الحكومة الأميركية دوائر السلطة و حتى الإمبريالية عموما، لأنها تتعدى حدود أمريكا وتتمركز في أمريكا، وتدخل فيها الدول الأوروبية الغربية، التي كانت تاريخيا جزء لا يتجزأ من الاستعمار، كما هي الولايات المتحدة، جزء لا يتجزأ من الاستعمار الاستيطاني العنصري الإحلالي الاقلاعي كما هي جنوب أفريقيا، والأمريكيتين، وأستراليا ونيوزيلندا.
وبناء عليه إذا كانت الطبقة الحاكمة خلال الحرب الفيتنامية الأميركية منشقة على بعضها، بحيث كان الانشقاق بمثابة جزئية أدت إلى إيقاف الحرب الأميركية على فيتنام فالسؤال الآن هل يمكن أن نشهد تغيرا بالنسبة لفلسطين؟ وكيف يمكن التأثير على تغيير موازين القوى حتى يتم خلخلة قبضه الدوائر الحاكمة.

